الدرس في شرح كتاب التوحيد 75، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بشرح حديث خولة بنت حكيم في الاستعاذة بكلمات الله التامات عند نزول منزل، ويبين أهمية هذا الدعاء في الحماية من كل شر. يُفسر الحديث النبوي حول قول 'أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق'.
يفسر الشارح معنى كلمات الله التامات بأنها كلمات كاملة لا نقص فيها، وتنقسم إلى كلمات كونية وشرعية. يُبين أن كلام الله ليس مخلوقًا، واستدل الإمام أحمد بهذا على أن القرآن ليس بمخلوق.
يُبين فضل الدعاء بـ «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» في الحماية من شر المخلوقات عند نزول منزل، ويختتم الدرس بالدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يُظهر تواضع المتحدث بإقراره بأن العلم لله تعالى وحده.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل إلى منزله». رواه مسلم. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في باب من الشرك الاستعاذة بغير الله، ومرت معنا مقدمات لهذا الباب، ومنها ما مضى معنا في درس أمس في قوله تعالى: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا﴾، وكذلك فصلنا حينها في مسألة الاستعاذة بغير الله. وهذا الحديث أورده المؤلف رحمه الله تعالى في بيانه أن المسلم والموحد إن استعاذ، إنما يستعيذ بالله جل وعلا. فقالت خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلًا»، «من نزل منزل» من صيغ العموم، يشمل كل أحد على هذا الوصف، يشمل الذكر والأنثى والصغير والكبير، من نزل منزلًا، ويشمل كذلك أي منزل تنزله؛ لأن «منزل» هنا نكرة، والنكرة هنا قد جاءت في سياق الشرط، والقاعدة البلاغية أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم، «من نزل منزلًا» أي منزل، سواء كان هذا المنزل مؤقتًا لساعات أو أكثر، أو كان هذا المنزل دائمًا، هذا القول الصحيح. فمن نزل منزلًا أراد أن يستقر في مكان، في مقام، وهذا يحتاجه إخواني في الله كثيرًا، من كان يكثر من السفر فلربما في سفره يحتاج إلى أن يرتاح وأن يمكث وأن يجلس في طريقه حتى يواصل المسير، فعليك -يا عبد الله- بهذا الحديث، فهو حديث عظيم. قال عليه الصلاة والسلام: «من نزل منزلًا فقال» -أي يأتي بهذا الدعاء- دعاء يا عبد الله تحرص عليه إذا نزلت في أي منزل أردت فيه الإقامة المؤقتة أو الإقامة المستمرة، فقال: «أعوذ» والعوذ قد مر معنى أنه الالتجاء والاعتصام، فقولك: «أعوذ بكلمات الله» أي أني ألتجئ، أطلب الحماية، أطلب الصيانة، أطلب الكفاية من الله سبحانه وتعالى، «أعوذ بكلمات الله التامات»، التامات يعني الكاملات، الكاملات، فكلمات الله كاملات لا يعتريهن نقص ولا عيب، بخلاف كلام البشر وعبارات البشر، فإنها آيلة للخطأ وآيلة كذلك للبس والغموض والاضطراب والتراجع، حاشا ما كان من كلمات الله، فإن كلمات الله التامات لا يعتريها نقص ولا يعتريها عيب. وقد ذكر العلماء أن كلمات الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: إلى كلمات كونية، وإلى كلمات شرعية، وكلها كلمات الله. أما كلمات الله الكونية فهي التي بها أوجد الله جل وعلا الكون كله، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: «كن فيكون»، كل هذه العوالم العلوية والسفلية، وكل هذه المخلوقات أوجدها الله بكلمته، أن قال لها: «كن فكانت»، هذه كلمات الله الكونية، فلا يعتريها نقص ولا عيب ولا تخلف. وهناك كلمات الله الشرعية، وهي كلامه سبحانه وتعالى الذي أوحاه إلى أنبيائه وأصفيائه، ومنها كلامه في الوحي المنزل في الكتب المقدسة، كل ذلك من كلمات الله، وهي كذلك كاملات تامات لا يعتريها نقص ولا عيب، فكل هذه كلمات الله. فقوله عليه الصلاة والسلام: «من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات» أي أني ألتجئ بكلمات الله، وأعتصم بكلمات الله التامات، سواء كانت كلمات كونية أو كلمات شرعية. وبهذا نعلم -إخواني في الله- أن كلام الله، وأن كلمات الله ليست مخلوقة كما يقول ذلك المبتدع كالمعتزلة وغيرهم، إذ لو أن كلام الله لو كان مخلوقًا لما أجيز أن يستعاذ به؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق كفر، الاستعاذة بالمخلوق كفر وشرك، فدل على أن الاستعاذة بكلمات الله ليست من الاستعاذة بالمخلوقين، بل إن كلمات الله صفة من صفاته، وليست خلقًا من خلقه. وبهذا استدل الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مناظرته مع المعتزلة، استدل بهذا الحديث على أن كلام الله، أو أن القرآن هو كلام الله ليس بمخلوق، فهذا الحديث الذي بين أيدينا في قوله عليه الصلاة والسلام: «نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات» دل على أن كلام الله هو صفة من صفاته وليس خلقًا من خلقه. ومضى معنى أن الاستعاذة -وهي من مقامات التوحيد- تكون بالله، بأسمائه وصفاته، ولا تكون بشيء من مخلوقاته. قال عليه الصلاة والسلام: «من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، معنى هذا الحديث أنك تلتجئ وتعتصم بالله من ماذا؟ من شر ما خلق. وما المقصود من شر ما خلق؟ الجواب: لا ليس على عمومه، وإنما من شر كل ذي شر خلقه الله، هذا المعنى: أني أستعيذ بالله من شر كل ذي شر مما خلقه الله، أي أني أستعيذ من المخلوقات التي فيها شرور، وليست أستعيذ بالله من كل خلقه؛ ليست أستعيذ بالله من كل خلقه؛ لأن من مخلوقات الله ما ليس فيها شر أصلا، ما ليس فيها شر أصلا. وقد قسم العلماء المخلوقات من جهة وجود الشر فيها وعدمه إلى ثلاثة أقسام: قسم ما ليس فيه شر، كالجنة والملائكة، وأدخل العلماء الأنبياء والرسل، ليس فيهم شر، وقسم ثاني من هو شر محض، كالعفاريت والشياطين والأبالسة والنار، ومن المخلوقات القسم الثالث من يوجد فيه شر وخير، فهذا أحيانًا يزيد شره على خيره، وأحيانًا على العكس، وهذا كباقي المخلوقات من إنس وجان وحيوانات ودواب وهوام وحشرات، فيها خير وفيها شر. فأنت عندما تأتي بهذا الدعاء تنزل منزلًا فتقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» أي من شر كل ذي شر، فأنت تستعيذ من شرور الأشرار التي أوجدها الله في مخلوقاته. قال عليه الصلاة والسلام: «من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل»، تأمل -يا عبد الله- فضيلة الاستعاذة بالله، أن الله عز وجل يكفيك، والجزاء من جنس العمل، من التجأ إلى الله فالله جل وعلا يكفيك، ومن اعتصم بالله فالله يعصمه، ومن طلب الحماية من الله فالله يحميه. فأنت إذا نزلت منزلًا وطلبت الحماية من الله فالله يحميك، فمن أتى بهذا الدعاء عند نزولك المنزل فاستعذت بالله، وتطلب من الله أن الله جل وعلا يسلمك من شر المخلوقات، فالله سيسلمك، فالله سيسلمك من ذلك. قال: «لم يضره شيء حتى يرتحل»، فهذا فيه بيان أولًا لفضيلة هذا الدعاء، وهو سهل ميسر، أنك تأتي به إذا نزلت منزلًا، أنت في سفر، أنت في طريق بعيد، أو أنت نزلت مكان وتخشى من شر هذا المكان، تأتي به فالله يعصمه. وفيه كذلك بيان على أن هذا الحديث فيه رد على ما عليه أهل الجاهلية، كما مضى معنا في درس أمس، كان الواحد منهم إذا نزل وأراد واديًا استعاذ بسيد الوادي، استعاذ بالشيطان والجان، فكان من أمرهم أن زادوهم رهقًا، فما وجدوا بغيتهم. وهذا الحديث فيه رد على أولئك، وأن من نزل منزلًا أو أتى واديًا فاستعاذ ليس بسيد الوادي، وإنما استعاذ بالله جل وعلا، فحينها -يا عبد الله- ستحقق مرادك بأن الله عز وجل يعصمه. وفيه كما قلنا الإشارة إلى أهمية الاستعاذة، ومن نطيف ما يذكر وأختم به هذا المقام ما وقع للإمام القرطبي رحمه الله تعالى، إذ أنه لما ذكر هذا الحديث ذكر عن نفسه رحمه الله تعالى أنه كان ملازمًا له، ملازمًا له تأسيًا برسول الله عليه الصلاة والسلام، وطلب الكفاية والحماية من الله. فقال: أنه في يوم من الأيام نزل منزلًا، نزل منزلًا، فإذا بلدغة عقرب، بلدغة عقرب، قال: فتفكرت في نفسي من أين جاءت هذه اللدغة؟ قال: فتفكرت في نفسي فعلمت أني لم آتي بهذا الدعاء في هذا المكان، سبحان الله، في هذا اليوم فقط الذي غفل عن ذكر هذا الدعاء ابتلاه الله بهذه اللدغة، ولو أنه أتى بهذا الدعاء لسلمه الله من شر هذه اللدغة. فالشاهد -إخواني في الله- أن المسلم ينبغي أن يكون متبعًا لرسول الله عليه الصلاة والسلام فيأتي بهذا الدعاء إذا نزل منزلًا، وكما ذكرنا هو سهل ميسور، تقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، فحينها -يا عبد الله- بتمعنك وتدبرك والصدق في إقبالك إلى الله لن يضرك شيء حتى ترتحل. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.