الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 49، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
المرتبة الثالثة من مراتب القدر هي المشيئة، ومعناها أن كل ما يحدث في الكون هو بمشيئة الله تعالى. الإيمان بهذه المرتبة يعني أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
مشيئة الله تعالى تعني ما يريده كونا وقدرا ولا بد أن يقع، وتثبت هذه المرتبة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. هناك إرادة كونية وإرادة شرعية، والله يفعل ما يشاء.
المعتزلة يعتقدون أن للعباد مشيئة مستقلة عن مشيئة الله، ولكن القرآن الكريم يؤكد أن مشيئة العباد تابعة لمشيئة الله، والاعتقاد بالمشيئة المستقلة يُعد تعطيلاً لعموم مشيئة الله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد أن ذكرنا في الدرس الماضي المرتبة الأولى والثانية من مراتب القدر، مرتبة العلم ومرتبة الكتابة، وقلنا إن القدرية الغلاة ضلوا في هاتين المرتبتين، وعدم إثبات هاتين المرتبتين كفر مخرج من ملة الإسلام، ولذلك كفر السلف القدرية الذين أنكروا هاتين المرتبتين، فانقرضت تلك الطائفة، وخلفهم القدرية غير الغلاة، وهم المعتزلة، قد ضلوا في مرتبتي المشيئة والخلق كما سيأتي. المرتبة الثالثة هي مرتبة المشيئة، ومعنى الإيمان بمرتبة المشيئة: بأن ما شاء الله جل وعلا كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يقع في ملكوت الله جل وعلا إلا ما شاء الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يقع شيء لم يشأه جل وعلا، فكل كائن فهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى. وأدلة هذه المرتبة كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ﴾، والآيات كثيرة في كتاب الله عز وجل في إثبات مرتبة المشيئة. والآيات التي في كتاب الله جل وعلا في ذكر الإرادة الكونية هي أدلة لإثبات مرتبة المشيئة، بأن معنى المشيئة هو ما أراده جل وعلا كونا وقدرا أن يكون، ولا بد أن يقع. فالآيات في القرآن في ذكر الإرادة الكونية هي أدلة على إثبات مرتبة المشيئة أيضا، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿مَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾. والأحاديث في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام كثيرة في إثبات مرتبة المشيئة، منها ما ثبت في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كما في الصحيحين، حين جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى علي وفاطمة ووجدهما نائمين، فقال علي رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا بعثنا»، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام على إثبات المشيئة في هذا الموضع. وثبت في الصحيح حين نام النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة قد ناموا بالوادي، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لما شاء أن ينيمكم أنامكم، ولما شاء أن يوقظكم أيقظكم»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا ثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء»، فيه ثبات المشيئة لله جل وعلا. وقد ضل في هذه المرتبة المعتزلة الذين خلفوا القدرية الغلاة، حيث قالوا إن مشيئة العباد غير تابعة لمشيئة الله جل وعلا، وإنما العباد لهم مشيئة مستقلة، وهذا تعطيل لعموم مشيئة الله جل وعلا. والرد عليهم واضح في كتاب الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أي أن للعباد مشيئة، ومشيئة العباد تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم وبارك على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.