التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 25

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

ثناء على العالم المرضي السيرة وريانه المعنوي بالعلم والعمل

يثني الناظم على العالم الذي جمع بين العلم النافع والعمل الصالح، فيكون رياناً معنوياً بلا ماء بفضل القرآن والسنة. ويضرب مثالاً لرجل انتقل بين الأديان حتى وجد رواء عطشه في الإسلام.

العلم النافع والعمل الصالح يرويان ظمأ القلب بينما لا يروي الماء المادي

يوضح المقطع أن الإنسان يظل عطشاناً روحياً ما لم يرتوِ بنور الوحيين من خلال العلم النافع والعمل الصالح، فالماء المادي لا يسد هذا الظمأ. كما يشير إلى أن السرور الدنيوي زائل وأن الدنيا دار ابتلاء، مستشهداً بآيات قرآنية تؤكد الصبر والرجوع إلى الله.

ابتلاءات الدنيا وحال المؤمن فيها وخيره في السراء والضراء

توضح أن الدنيا لا تخلو من ابتلاءات كخوف وجوع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات، وأن السرور لا يدوم بل يتقلب الإنسان بين سراء وضراء. ويبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن أمر المؤمن كله خير: إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، فيكون ذلك تكفيراً للذنوب ورفعاً للدرجات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو حاتم البسل رحمه الله في منظومته "عنوان الحكم": «يا أيها العالم المرضي سيرته أبشر فأنت بغير الماء ريان». قال شارحها، وفقه الله: قال هذا ثناء من الناظم وبشارة للعالم مرضي السيرة، ومرضي السيرة هو الذي أكرمه الله بالجمع بين العلم والعمل، علم نافع وعمل صالح. يعني الذي ترضى سيرته هو الذي جمع بين العلم والعمل، آتاه الله علما وعمل بهذا العلم، هذا الذي يعني يستحق ما ورد في أدلة الشرع من الثناء وبيان الجزاء، ومال العالم من الدرجات الرفيعة والمنازل العالية. قال: فعنده علم وعنده أيضا سيرة حسنة وطيبة، فيقول مهنئا ومبشرا لمن كان بهذه الصفة: «يا أيها العالم المرضي سيرته أبشر»، لك البشارة بكل خير في الدنيا والآخرة ما دمت تجمع بين العلم والسيرة الطيبة. والبشارة ما يستبشر به الإنسان ويفرح ويسر بخير، سواء كان دنيويا أو أخرويا، ولا شك أن الخير الأخروي أعظم. قال: «فأنت بغير الماء ريان». قال: ريان أي بما آتاك الله من علم وحكمة وأخلاق وآداب وفضائل، أنت بهذه المعاني العالية الرفيعة ريان، حتى لو لم يكن عندك الماء. أصل الري أن يحصل للإنسان الارتواء بشرب الماء حتى يذهب الظمأ، وهذا هو الري الحسي. الري الحسي أن يشرب الإنسان الماء حتى يذهب الظمأ، وهو يريد هنا ريا معنويا، وهو ما يحصل لصاحب العلم من الفضائل والأجور، وكذلك طمأنينة القلب وانشراح الصدر ورفعة الدرجات والقيام بطاعة الله سبحانه وتعالى إلى آخر ذلك مما يحصل له به الارتواء، أنه يرتوي قلبه من الوحيين الشريفين العظيمين: الكتاب والسنة، فهما ريا لمن كان قلبه عطشا إلى الحق والهدى. هذا معنى «فأنت بغير الماء ريان»، يعني بالعلم والعمل الذي وفقك الله سبحانه وتعالى لهما. قال: سبحان الله، قرأت كلاما عجيبا لأحد المعاصرين كان على غير الإسلام، ويتنقل من دين لآخر، كلما دخل في دين لا يجد فيه بغيته ثم ينتقل لآخر، دخل في أديان عديدة، حتى من الله عليه وأكرمه بدخوله للإسلام، ثم قال كلاما عجيبا معناه: إن البشرية كلها عطشى في أشد ما تكون حاجة للماء، وأنا كنت واحدا من هؤلاء العطشى، وبحثت في الأديان ما يرويني فلم أجد ما يروي عطشي إلا في الإسلام. هذا معنى كلامه. نعم، فالإنسان بغير العلم والعمل الصالح عطشان، وإن كان عنده أنهار من الماء فإنها لا ترويه ولا تذهب ظمأه، ويبقى على هذا العطش حتى يرتوي بنور الوحيين. قال: فالشاهد أن الذي يكرمه الله بالعلم والعمل ومعاني الدين العظيمة تقوم في نفسه أخلاقا وآدابا وغير ذلك، هو كما قال الناظم: ريان، ولو لم يكن عنده ماء. يقصد أنه ريان بالمعارف الإيمانية والحقائق الدينية والأخلاق الفاضلة والآداب الكاملة، بخلاف الجاهل. ولهذا يقول الناظم: «ويا أخ الجهل لو أصبحت في لجج فأنت ما بينها لا شك ظمآنه». ويا أخ الجهل لو أصبحت في لجج، أخ الجهل يعني صاحب الجهل ورفيق الجهل، يعني من كان بعيدا عن العلم والعمل الصالح. قال: «لو أصبحت في لجج»، أي لجج من الماء، الماء من حولك من كل جهة، يعني لو عندك ماء غزير، بل ربما أنهار من الماء، لو أصبحت في لجج، «فأنت ما بينها لا شك ظمآنه»، يعني لا ترتوي، لا يرويك هذا الماء ولا يسد عطشك، ما دمت على جهل بأحكام الشريعة وبعلوم الدين وبالعمل بما أوجب الله سبحانه وتعالى. قال: والمراد بالظمأ هنا الظمأ الذي تحدثت عنه قبل قليل وتحدث عنه ذلك المهتدي للإسلام. نعم، ظمأ الضلال والبعد عن الهدى والحق، فمن كان كذلك فهو في ظمأ مستمر حتى يهتدي ويرتوي بالهدى والإيمان. قال: ولا يروي هذا الظمأ إلا العلم النافع والعمل الصالح. نعم، إذن من وفق للعلم النافع والعمل الصالح فقد وفق للخير العظيم، وأصبح ريانا بغير ماء، فهو يرتوي من نور وهدى الوحيين الذي بهما الخير للعبد في الدنيا والآخرة. وبالعكس، من كان جاهلا بالكتاب والسنة وبالعلم والعمل الصالح فإنه ظمآن، ولو كان عنده من الماء ما عنده، فإنه لا يرتوي بذلك، بل يبقى في ضلالات الجهل وفي حال العمى حتى يوفق للعلم النافع والعمل الصالح. قال: ثم قال: «لا تحسبن سرورا دائما أبدا من سره زمن ساءته أزمانه». قال: السرور لا يدوم، الدنيا دار امتحان وابتلاء، وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما مُلئت دار حبرة إلا مُلئت عبرة». الدنيا لا بد فيها، مثل ما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ومعنى ذلك أن الدنيا لا تخلو من ابتلاءاتها، ابتلاء أن يصيب الإنسان خوفا بدل الأمن، وجوعا بدل الشبع، ونقص في الأموال بدل كثرتها، وذهاب الأنفس بالموت، وهكذا أيضا ما قد يصيبها من الأمراض والأسقام التي تهلكها، ونقص في الثمرات. هذه كلها ابتلاءات يبتلى بها الإنسان في حياته الدنيا، فلا يدوم عليه السرور ولا يستمر، بل هو أيضا معرض لمثل هذه الأمور التي تنقص عليه حياته وتنكد عليه عيشه. قالوا في الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». والحديث في مسلم عن صهيب الرومي رضي الله عنه. فالمؤمن يتقلب بين السراء والضراء، معناه أن السراء لا تستمر، بل لا بد أن يصاب بشيء من الضراء، لكن المؤمن في كل أموره خير: إن أصابته السراء شكر، وإن أصابه ما يسره وما يفرح به شكر الله عز وجل فكان خيرا له، وإن أصابته الضراء ما يضره من المصائب والابتلاءات فإنه يصبر، فيكون ذلك خيرا له من تكفير الذنوب والخطايا ورفع الدرجات. قال: فهو ما بين سراء وضراء، وشدة ورخاء. فإذن ينبغي التنبه لذلك، وكما قال القائل: «ثمانية لا بد منها على الفتى ... ولابد أن تجري عليه الثمانية سرور وهم واجتماع وفرقة ... وعسر ويسر ثم بؤس وعافية». هذه الأشياء لا بد أن تقع للإنسان في حياته، لا يمكن أن يكون بجميع الأحوال في سرور وفي فرح وفي عافية، لا بد أن تصيبه الأمراض وتصيبه الأسقام وتصيبه الأحزان، ويحصل الفراق، إلى آخر ذلك من منقصات الحياة. «لا تحسبن سرورا دائما أبدا ... من سره زمن ساءته أزمانه». نعم، إذا أصابك السرور في زمن من الأزمان لا بد أن يأتي زمن من الأزمان يصيبك شيء من الأحزان، وما يسوق من فقد حبيب أو ذهاب مال، أو كذلك إصابة بمرض، أو نحو ذلك من الأمور الأخرى. قال: كن المؤمن أمره كما بينا، نبينا عليه الصلاة والسلام كله خير، يكون سقط بينا. قال: كما بينا، نبينا عليه الصلاة والسلام كله خير، في سرائه وضرائه، في شدته ورخائه، في صحته ومرضه، في غناه وفقره، في جميع أموره، وهذا لا يكون إلا للمؤمن. فالمؤمن في كل أحواله على خير، في حال السرور وفي حال الضراء، إن شكر عند السراء وإن صبر عند الضراء. طيب، إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.