الدرس في عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستهل المؤلف الكتاب ببيان أن الدنيا دار ابتلاء يمتحن الله فيها العباد بالنعم والمصائب، مستشهداً بآيات قرآنية تؤكد أن الحياة والموت خُلقا للاختبار. ويشير إلى أن المؤمن يحول كل ابتلاء إلى خير بفضل صبره واحتسابه.
يوضح الحديث أن أمر المؤمن كله خير؛ ففي السراء يشكر الله فتكون نعمة، وفي الضراء يصبر فيكفر الله سيئاته ويرفع درجاته. وهذا مختص بالمؤمن دون الكافر الذي يكفر النعمة ويجزع من البلاء.
يصف حال المؤمن الموفق الذي يتقلب بين الصبر عند البلاء والشكر عند النعمة، مستدلاً بآيات قرآنية وحديث نبوي يبيّن أن هذين المقامين لا يوفق لهما إلا أهل الإيمان. ومن يلجأ إلى الله ويتوكل عليه يحفظه الله ويكفيه شرور الدنيا ومصائبها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبتدئ القراءة بإذن الله في هذه الرسالة المسماة «عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين»، وهي من تأليف الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر حفظه الله. وكان اختيار هذه الرسالة لكثرة من يصاب من الناس بهذين المرضين: مرض العين، وهكذا أيضًا مرض السحر. ففي هذه الرسالة ذكر عشرة أسباب تقي المسلم من الإصابة بهذين المرضين، إذا اعتنى بها وحققها، فإنه بإذن الله جل وعلا يكون في حماية وصيانة من الإصابة بهذا المرض. قال المؤلف حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله وخليله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن هذه الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، وما من عبد في هذه الحياة إلا وهو مبتلى؛ يبتلى تارة بالرخاء والنعمة، ويبتلى تارة أخرى بالشدة والنقمة، فهو عرضة للبلاء في هذين البابين، كما قال تعالى: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ﴾، ثم إلى الله عز وجل المرجع والمآب، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. فالإنسان في هذه الدنيا لا يسلم من البلاء، فالله عز وجل خلق هذه الدنيا، وخلق الموت والحياة، وخلق الإنس والجن لأجل الابتلاء، ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ﴾، وقال عز وجل: ﴿ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ﴾، نبتليه. فالله عز وجل خلق الإنسان للابتلاء. وهذا البلاء الذي يبتلى به الإنسان قد يكون بالرخاء والنعمة، فالنعمة والغنى قد تكون بلاء للإنسان، المال والأولاد ابتلاء، قال الله عز وجل: ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذرهم ﴾، وقال: ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ﴾. وهكذا أيضًا قد يكون بالمصائب، وكذلك ما يصيب الإنسان في هذه الدنيا من الشرور، من أمراض وأسقام، وذهاب مال، أو فقد قريب، أو نحو ذلك، ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ﴾، ثم المرجع إلى الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة، فيكون الجزاء على الأعمال، ﴿ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾. قال: فأما المؤمن فهو من خير إلى خير في جميع ابتلاءاته. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيرا له»، أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وصححه الألباني رحمه الله. «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيرا له»، أي هذا القضاء هو خير له، سواء كان خيرا أو كان شرا بالنسبة لهذا العبد. وهذه الخيرية بيّنها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صهيب، في صحيح الإمام مسلم، قال: وثبت في صحيح مسلم من حديث صهيب بن سنان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». فهذا الحديث يفسر الحديث الذي قبله، كيف يكون القضاء خيرا للمؤمن، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن ذلك أن المؤمن إن أصابته سراء، يعني شيئا أصابه يسر به، يعني يفرح به ويسر بحصوله، وذلك في النعم وكذلك الأمور الخير، فإنه يشكر الله جل وعلا، يشكر الله على هذه النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه، سواء كانت من صحة وعافية، أو من ولد وذرية، أو من أهل وزوجة، أو كذلك من مال اكتسبه، أو غير ذلك من الأمور التي يفرح بها، فإنه يشكر الله، فكانت هذه النعمة خير له، لماذا؟ لأنه شكر الله سبحانه وتعالى، وأدى حق هذه النعمة لربه جل وعلا. وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، إذا أصابته الضراء، ما يتضرر به، مصيبة أصابته في نفسه أو في أهله أو في ماله أو في ولده، فإنه يصبر ويحتسب، فيكون صبره على هذا البلاء خير له ونعم له، تكفر عنه الذنوب والخطايا، وترفع له الدرجات عند الله سبحانه وتعالى، فكان خيرا له. فكان في كلا الأمرين هو على خير، وليس هذا لأحد إلا للمؤمن، لماذا؟ لأن الكافر إن أصابته السراء كفر، كفر بنعمة الله سبحانه وتعالى، ولم يشكر الله على نعمه، وإن أصابته الضراء فإنه لا يصبر بل يتضجر، وكذلك أيضًا يعني لا يصبر على هذا البلاء والقضاء، فكان هذا الحال ليس إلا للمؤمن. فيتقلب المؤمن في سائر أحواله أن يكون على خير، عند السراء فهو شاكر، وعند الضراء فهو صابر. قال: فالمؤمن الموفق يدور أمره بين حالين: إن ابتلاه الله عز وجل بالشدة والعسر كالفقر والمرض صبر، ففاز بثواب الصابرين، والله جل وعلا يقول: ﴿ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾، فتنالهم رحمة الله جل وعلا، ويوفقون للهداية، مع ما ثبت في السنة في الأحاديث الكثيرة في بيان أجر من يصبر على البلاء، من تكفير الذنوب والخطايا والسيئات، ورفع المنازل والدرجات. قال: وإن ابتلاه الله سبحانه وتعالى بالرخاء واليسر، بأن أنعم عليه جل وعلا بالنعم، قال: كالصحة والعافية والغنى، شكر، ففاز بثواب الشاكرين. فهو يتقلب في حياته بين هذين المقامين العظيمين: مقام الصبر على البلاء، وهو مقام عظيم، لا يصبر إلا أهل الإيمان، ومقام الشكر على النعمة، وهو كذلك مقام عظيم، لا يصبر عليه كذلك ولا يوفق له إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى. وذلك أن غالب الناس والأكثر أنهم يكفرون عند النعم، كما أخبر الله جل وعلا: ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾، إذا أغناه الله سبحانه وتعالى طغى وتكبر وتجبر، ﴿ كلا إن الإنسان لربه لكنود ﴾، ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾، لكنود: أي جحود، جحود نعم الله سبحانه وتعالى، فلا يوفق لمثل هذا المقام كما سمعتم إلا أهل الإيمان. وهكذا أيضًا الصبر عند البلاء، فكذلك لا يوفق له إلا من وفقه الله من المؤمنين، لأن كذلك الكثير لا يصبر، فيتضجر، وكذلك تظهر عليه من الأفعال والأقوال ما ينافي الصبر عند وقوع البلاء. قال: ولهذا جمع الله تعالى بينهما في أربعة مواضع من القرآن الكريم: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾، فجمع جل وعلا بين وصف الصبر والشكر لعظم هذين المقامين الذين يبتلى بهما الإنسان في هذه الحياة. قال: ومن نعمة الله على عبده المؤمن أنه في حال الابتلاء لا يفزع إلا إلى ربه ومولاه سبحانه وتعالى، ولا يلتجئ إلا إليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك»، والحديث في الصحيحين. «لا ملجأ» يعني لا ملجأ ألتجئ إليه وأعتصم به إلا إليك وبك، «ولا منجأ منك إلا إليك» أي لا ينجيني منك، من قضائك وقدرك، وكذلك ما أردت أن تقضي به وأن تفعله، إلا أنت، لا أحد سواك، فالملجأ والمنجأ يكون إلى الله سبحانه وتعالى. قال: ومن التجأ إلى الله وفزع إليه حفظه ووفقه وسدده، ومن استعان بالله أعانه، ومن استعاذ بالله أعاذه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، يعني كافيه سبحانه وتعالى. من توكل على الله والتجأ إليه واعتصم به سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا يكفيه، ويدفع عنه يعني ما يخافه من الشرور، وكذلك المصائب والابتلاءات. طيب، نكتفي بهذا القدر، ونكمل المقدمة إن شاء الله في المجلس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة.