كتاب الصيام 12

الدرس في كتاب الصيام 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

السحور والإفطار في رمضان

يشرح أهمية السحور وتأخيره وتعجيل الفطر في شهر رمضان مستندًا إلى الأحاديث النبوية. يُؤكد على أن هذه السنن تميز أمة الإسلام.

أحكام الإفطار والقضاء

يتناول أحكام الإفطار والقضاء في رمضان، ويشر إلى تعجيل الإفطار واستحباب الفطر على رطب أو تمر أو ماء، ويتناول مسألة القضاء ووجوب التتابع فيه.

حكم قضاء الصيام لعذر أو مرض

يشرح حكم قضاء الصيام لمن مات بعد مرضه أو تأخر قضاءه لعذر، ويوضح أنه إذا شفي المريض يقضي ما عليه من صيام.

التعازر في الصيام وتفسيره

يشرح احتمال أن يكون الصيام تعازرًا بين الناس، حيث يتفقون على صيام أيام معينة تعاونًا فيما بينهم، ويُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَسُنَّ لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُهُ إِنِّي صَائِمٌ، فَتَخْيِيرُ سُحُورٍ وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ عَلَى رُطَبٍ، فَإِنْ عُدِمَ فَتَمْرٍ، فَإِنْ عَدِمَ فَمَاءٌ. وَقَوْلُ مَا وَرَدُ. وَسُنَّ لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُهُ إِنِّي صَائِمٌ. مَنْ شُتِمَ وَتَجَرَّأَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَنْ يُضَارِبَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ، أَوِ اللَّهُمَّ إِنِّي صَائِمٌ. وَظَاهِرٌ أَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ: اللَّهُمَّ إِنِّي صَائِمٌ. أَقْصُدُ إِمْرُؤٌ لَمْ تَثْبُتْ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ فِي الصَحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا إِنِّي صَائِمٌ، أَوِ اللَّهُمَّ إِنِّي صَائِمٌ. وَهَذَا تَذْكِيرٌ لِنَفْسِهِ، وَتَذْكِيرٌ لِهَذَا السَابِّ، يَذْكُرُ نَفْسَهُ وَيُذَكِّرُ السَابَّ هَذَا الَّذِي تَجَرَّأَ بِالسَّبِّ. قَالَ تَأْخِيرُ سَحُورٍ، السَّحُورُ هُوَ مَا يُؤْكَلُ فِي وَقْتِ السَّحَرِ، وَالسَّحَرُ هُوَ آخِرُ اللَّيْلِ، يَنْتَهِي اللَّيْلُ بِالسَّحَرِ، ثُمَّ يَأْتِي الْفَجْرُ. وَهُوَ السُّدُسُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، السُّدُسُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ يُسَمَّى سَحَرًا. يَعْنِي إِذَا قُسِّمَ اللَّيْلُ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ، فَالْقِسْمُ السَّادِسُ هُوَ السَّحَرُ. هَذَا عَلَى مِثَالٍ، لَوْ قُلْنَا إِنَّ اللَّيْلَ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْفَجْرِ، الْمَغْرِبُ مَثَلًا يُؤَذَّنُ السَّادِسَةَ، وَالْفَجْرُ الْخَامِسَةَ، تَكُونُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَاعَةً بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ غَالِبًا مَثَلًا كُلُّ ثُلُثٍ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ وَنِصْفٌ، وَنِصْفُ السَّاعَةِ، وَقَلِيلٌ أَنَّهُ سَيَكُونُ سَاعَةً، السُّدُسُ سَيَكُونُ سَاعَةً وَنِصْفًا أَوْ حَوْلَهَا، فَهَذَا غَالِبًا السُّدُسُ، أَوْ أَقْصِدُ السَّحَرُ. وَسُمِّيَ سَحَرًا لِأَنَّ النَّاسَ يَسْحَرُونَ فِيهِ، وَأَنْ يَنْتَظِرُوا الضُّوءَ لِلْفَجْرِ، أَوْ بِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، خَاصَّةً لِلسَّحَرِ بِالِاسْتِغْفَارِ. وَهَذَا السَّحُورُ يَحْصُلُ وَلَوْ بِشَيْءٍ بَسِيطٍ، وَلَوْ بِتَمْرَةٍ. لِهَذَا جَاءَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ، صَحِيحٍ لِلشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «السَّحُورُ أَكْلَةٌ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجُرَّ أَحَدُكُمْ مَاءً»، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، وَلَوْ قَطْرَةً مِنْ مَاءٍ. يُرِيدُ أَنَّهُ يَأْكُلُ شَيْئًا، وَلَوْ شَيْئًا يَسِيرًا، وَلَوْ شَيْئًا يَسِيرًا يَأْكُلُهُ. وَلِأَنَّهُ مُمَيِّزٌ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، السَّحُورُ مِمَّا تَمَيَّزَتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ. مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «فَصْلٌ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ». فَصْلٌ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ. وَهُنَاكَ أَيْضًا سُنَّةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَهُوَ تَأْخِيرُ السَّحُورِ، السَّحُورُ سُنَّةٌ، وَتَأْخِيرُهُ أَيْضًا سُنَّةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَيْضًا مِمَّا تُمَيِّزُ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَتُظْهِرُ هَذَا الدِّينَ. لَا يَزَالُ لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا، مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السَّحُورَ. وَمَا جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا، مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السَّحُورَ». فَجَعَلَ ظُهُورَ الدِّينِ بِهَذِهِ السُّنَّةِ، فَلِهَذَا يَحْرِصُ الْمُسْلِمُ عَلَى السَّحُورِ، وَيَحْرِصُ أَيْضًا عَلَى تَأْخِيرِهِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ السَّحُورَ كَثِيرًا، حَتَّى قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ كَمَا فِي الصَّحِيحِ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ». فَقَالَ أَنَسٌ: فَقُلْتُ لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ؟ أَوْ بَيْنَ سَحُورِكُمْ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: مِثْلُ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثِينَ آيَةً. قَالَ الْعُلَمَاءُ: ثَلَاثُونَ آيَةً مِنَ الْمُتَوَسِّطِ، لَيْسَ مِنَ الْقَصِيرِ، فَالْآيَاتُ الْقَصِيرَةُ، وَلَا مِنَ الْآيَاتِ الطَّوِيلَةِ، يَعْنِي مِنَ الْآيَاتِ الْمُتَوَسِّطَةِ، فَيَقْرَأُ ثَلَاثِينَ آيَةً، يَعْنِي قَدْرَ ثُلُثِ سَاعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، هَذَا مَا بَيْنَ سَحُورِهِمْ وَمَا بَيْنَ الصَّلَاةِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْأَذَانَ، إِنَّمَا مَا بَيْنَ سَحُورِهِمْ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ. فَهَذَا فِيهِ التَّعْجِيلُ. وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَيْضًا، كَانُوا يُؤَخِّرُونَ السَّحُورَ وَيُعَجِّلُونَ الْفِطْرَ. وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْفِطْرَ وَيُؤَخِّرُ السَّحُورَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْفِطْرَ وَيُعَجِّلُ السَّحُورَ، أَيُّهُمَا أَصَابَ؟ فَقَالَتْ: الَّذِي يُعَجِّلُ الْفِطْرَ وَيُؤَخِّرُ السَّحُورَ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ عَلَى رُطَبٍ، وَالتَّعْجِيلُ هُنَا الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يُفْطِرُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يُفْطِرُ، فَهَذَا التَّعْجِيلُ. لَا يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ نُجُومُ اللَّيْلِ، فَهَذَا لَيْسَ صَحِيحًا، هَذَا عِنْدَ أَهْلِ التَّشَيُّعِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ، فَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ صَائِمًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَامَكَ نَهَارٌ طَوِيلٌ. أَنَا لَازِلْتُ الشَّمْسُ، أَوْ الضُّوءُ مَوْجُودٌ. فَقَالَ لَهُ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا». «اجْدَحْ لَنَا» مَعْنَاهُ: هَاتِ لَنَا مِنْ هَذَا الشَّرَابِ. وَكَذَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا طَوِيلًا. وَقَالَ: «وَيْحَكَ، أَوْ قَالَ: وَيْلَكَ، انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى: لَوْ أَنَّ أَحَدَنَا طَلَعَ عَلَى نَاقَتِهِ لَرَأَى الشَّمْسَ. وَهَذَا الْمُرَادُ بِهِ التَّعْجِيلُ، أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ انْكَسَرَتِ الضَوْءُ، انْكَسَرَتِ الضَوْءُ. وَقَدْ صَحَّ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُرْسِلُ مَنْ يَرَى الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا غَرَبَتْ أَكَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَحَدِيثِ عُمَرَ: «إِذَا ظَهَرَ اللَّيْلُ، أَوْ أَتَى اللَّيْلُ مِنْهَا هُنَا، وَذَهَبَ النَّهَارُ مِنْهَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». فَهِيَ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ: إِقْبَالُ اللَّيْلِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَإِدْبَارُ النَّهَارِ مِنَ الْمَغْرِبِ، عَنْ السَّوَادِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَغْرِبِ، وَغُرُوبِ الشَّمْسِ. فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ. وَالْمُرَادُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، أَيْ سُقُوطُ قُرْصِهَا عَنِ الْأَرْضِ، لَيْسَ الْمُرَادُ غِيَابَهَا عَنِ الْأَرْضِ. قَالَ: وَاسْتَحَبَّ عَلَى رُطَبٍ، اسْتَحَبَّ الْفِطْرَ عَلَى رُطَبٍ، جَاءَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ، لَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، حَدِيثُ أَنَسٍ. حَدِيثٌ مَا نَقَصَ، الْمُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، جَاءَ: «تَجَرَّعَ أَوْ حَسَى حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ». لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. قَالَ: فَإِنْ عَدِمَ أَوْ فَإِنْ عَدِمَ فَتَمْرٍ، إِذَا عَدِمَ الرُّطَبَ فَتَمْرٌ، فَإِنْ عَدِمَ فَمَاءٌ. وَقَوْلُ مَا وَرَدَ، قَوْلُ مَا وَرَدَ، أَيْ مَا ثَبَتَ مِنْ الْأَذْكَارِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، أَوْ عِنْدَ الْإِفْطَارِ. وَلَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمُ الْعُلَمَاءُ يُحَسِّنُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». هَذَا صَحِيحٌ لِلشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَإِلَّا مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَوْلِي: «عَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ»، كَذَا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لَمْ تَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالُوا: يَسْتَحِبُّ الْقَضَاءُ مُتَتَابِعًا، وَلَا يَجُوزُ إِلَى رَمَضَانٍ إِلَى رَمَضَانٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. مَسْأَلَةُ الْقَضَاءِ: هَلِ الْقَضَاءُ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَتَابِعًا، أَمْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابََِ، فَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْوُجُوبِ، هُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ، كَالشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَصَحِيحٌ. أَنَّ الْقَضَاءَ لَيْسَ لَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ، وَلَا يَجِبُ أَيْضًا عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنَّمَا مَتَى مَا تَيَسَّرَ لَهُ قَضَاءٌ، وَالْأَفْضَلُ لَا شَكَّ هُوَ الْمُسَارَعَةُ، لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضِيَهُ. وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُوصِي النَّاسَ، أَوْ يُوصِي مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَنْ يُقْضِيَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. فَالْمُهِمُّ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْقَضَاءِ لَيْسَ وَاجِبَ التَّتَابُعِ، وَلَا عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنَّمَا يُقْضَى مَتَى مَا تَيَسَّرَ لَهُ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ أَنَّهُ يُقْضِيهِ عَلَى الْفَوْرِ. وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْمُتَابَعَةِ، هُوَ الْأَفْضَلُ حَتَّى يَنْتَهِيَ مِمَّا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ يُتَابِعَ هَذَا الْقَضَاءَ. وَالْقَضَاءُ هُوَ مَا حَصَلَ بَعْدَ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ، وَمَا حَصَلَ فِي وَقْتِ الْفَرِيضَةِ يُسَمَّى أَدَاءً، وَمَا بَعْدَهُ يُسَمَّى قَضَاءً. وَهَذَا الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِ ذَهَابِ الْعُذْرِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى. أَمَّا إِذَا كَانَ مَثَلًا لَمْ يَذْهَبْ عُذْرُهُ وَمَاتَ، فَهَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، إِذَا كَانَ مَاتَ قَبْلَ هَذَا، لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مِنْهُ الْعُذْرُ. فَمَثَلًا إِنْسَانٌ مَعَنَا تَرَكَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ مَرِيضٌ، وَمَاتَ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَلَا أَحَدٌ يُقْضِي عَنْهُ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهِ الْمَرَضُ، فَمَاتَ فِي شَوَّالٍ، فَلَمْ يَجِدْ مُتَسَعًا لِلْقَضَاءِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَلَوْ شَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَنَا ذَهَبَ مِنْهُ الْمَرَضُ، ثُمَّ مَاتَ، فَيُقْضَى عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ. وَعَمَلُ الْإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ مَرَضٌ، وَهَذَا الْمَرَضُ الَّذِي لَيْسَ بِمُزْمِنٍ، أَنَا مِمَّا يُعَالَجُ وَيَذْهَبُ غَالِبًا، فَهَذَا يُقْضَى فِيهِ إِذَا ذَهَبَ مَرَضُهُ، وَلَوْ اسْتَمَرَّ هَذَا الْمَرَضُ سِنِينَ، فَإِنَّهُ مَتَى مَا شَفَاهُ اللَّهُ يُقْضِي، وَلَا يَسْتَعْجِلُ بَعْضُهُمْ، يَسْتَعْجِلُ، يَقُولُ: خَلَاصُ سَأُطْعِمُ، أَوْ سَأُطْعِمُ، لِأَنَّ هَذَا الْمَرَضَ تَأَخَّرَ. لِهَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا الْإِطْعَامُ يَكُونُ فِي الْمَرَضِ الْمُزْمِنِ الَّذِي يُعْرَفُ، الَّذِي يُعْرَفُ بِالتَّجْرِبَةِ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ، وَيَبْقَى فِي الْإِنْسَانِ، فَهَذَا مُمْكِنٌ أَنَّهُ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. أَمَّا مَنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يُرْجَى شِفَاؤُهُ، وَيُرْجَى بُرْؤُهُ غَالِبًا، فَهَذَا يَبْقَى حَتَّى يَشْفِيَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَإِنْ مَاتَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِنْ مَاتَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٍ. قَال: وَلَا يَجُوزُ إِلَى رَمَضَانٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ، لَمْ يَثْبُتْ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ. فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وَلَمْ يُقَيِّدْ هَذِهِ الْأَيَّامَ. قَالَ: فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ طَعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ. وَهَذَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ إِذَا أَخَّرَهُ بَعْدَ رَمَضَانَ الْآخَرَ، يُطْعِمُ مَعَ الصِّيَامِ، مَعَ الْقَضَاءِ، يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. هَذَا جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَفْتَى بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ. وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يُقْضِي وَيُطْعِمُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يُقْضِي فَقَطْ. إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ، كَأَنَّ الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ يَرَى أَنَّ الْإِطْعَامَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ، قَالَ بِالْقَضَاءِ وَالْإِطْعَامِ، أَخَذَ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ، وَلَمْ يُخَالِفْ، أَوْ لَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ خَالَفَ فِي هَذَا. فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا لَا بَأْسَ، فَهُمْ بَابُ الْاحْتِيَاطِ، أَنَّهُ يُصِيبُ، يُقْضِي، هَذَا إِذَا كَانَ بَعْدَ رَمَضَانَ الْآخَرَ، يُقْضِي وَيُطْعِمُ. قَالَ: وَإِنْ مَاتَ، وَلَوْ بَعْدَ رَمَضَانٍ آخَرَ، فَإِنْ فَإِنْ اسْتَمَرَّ الْمَرَضُ كَمَا قُلْنَا فِيهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَإِنْ ذَهَبَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى رَمَضَانٍ آخَرَ، فَيُقْضِي بَعْدَ رَمَضَانَ، وَيُطْعِمُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ: وَإِنْ مَاتَ عَلَيْهِ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ اعْتِكَافٌ أَوْ صَلَاةٌ بِنَذْرٍ، اسْتُحِبَّ لِوَلِيِّهِ قَضَاءُهُ عَنْهُ، عَنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْوُجُوبِ. وَالصَّوْمُ هَذَا الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِنَذْرٍ، لِأَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ صَوْمُ نَذْرٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقْضِيَهُ. أَوْلِيَاءٌ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ صَوْمُ نَذْرٍ، فَلَا يَجِبُ. وَالَّذِي جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ، حَدِيثُ عَائِشَةَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا عَلَى هَذَا الْوَلِيِّ. فَإِذَا صَامَ طَيِّبٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْوَلِيَّ فَقَطْ، حَتَّى لَوْ صَامَ إِنْسَانٌ آخَرُ مَثَلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ: أَنَا أَتَبَرَّعُ لِصَاحِبِي هَذَا، أَصُومُ لَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. أَوْ اجْتَمَعُوا، كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ الْآنَ، يَجْتَمِعُونَ مَجْمُوعَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْدِقَائِهِ، فَيَصُومُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ كَانَ أَرَادُوا بِهِ التَّآزُرُ وَكَذَا، فَهَذَا مَا فِيهِ شَيْءٌ. وَإِنْ كَانَ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا فِيهِ أَجْرٌ، أَوْ أَنَّهُ عَمَلٌ حَسَنٌ، فَهَذَا خَطَأٌ. الْآنَ يَفْعَلُونَ، تَجِدُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَفْعَلُ هَذَا: أَنَّهُ يَجْتَمِعُ مَجْمُوعَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ أَصْدِقَائِهِ، مَثَلًا يَقُولُ عَلَيْهِ، مَثَلًا نِصْفُ شَهْرٍ، فَيَجْتَمِعُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ مِنْ أَصْدِقَائِهِ، فَيَصُومُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَصُومُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا لَا بَأْسَ، وَيُجْزِئُ، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ، مَثَلًا أَنَّهُ تَحْتَهُ اعْتِقَادٌ، أَوْ أَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً، لَيْسَ فِيهِ فَضِيلَةٌ أَبَدًا. وَإِنَّمَا قَدْ يَكُونُ مَثَلًا يَفْعَلُونَ هَذَا تَعَازُرًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى يَتَعَازَرُوا فِي الصِّيَامِ، مُمْكِنٌ طَيِّبٌ، فَهَذَا مَا ذَكَرَهُ مُؤَلِّفٌ، فَنَكْتَفِي بِذَلِكَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.