شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 41

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرك المحبة وأنواعها

يناقش شرك المحبة بأنواعها المختلفة، ويفرق بين محبة العبادة والمحبة الطبيعية ومحبة الشهوة. يبين أن محبة العبادة تقترن بالتعظيم والذل.

خطورة المحبة الشركية والشهوات

يشرح خطورة المحبة الشركية والشهوات على الإلتزام الديني، حيث قد تؤدي إلى التعبد لغير الله وتقديم المحاب الشخصية على طاعة الله. يجب على الإنسان الانتباه لمثل هذه الأمور.

أهمية تقديم محبة الله ورسوله

يحذر من خطورة تقديم المحبة الطبيعية على محبة الله ورسوله، ويشير إلى أهمية تقديم محبة الله ورسوله على المحاب الشخصية. الإنسان يجب أن ينتبه لمثل هذه الأمور.

المحبة والبغض في الله

يتطرق إلى مسألة المحبة في الله والبغض في الله، ويشير إلى أن الله تعالى هو العالم بحقيقة الأمور. هذه المسألة سيتم تناولها في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾، وقوله: ﴿قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم...﴾ إلى قوله: ﴿أحب إليكم من الله ورسوله وجهادا في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. المؤلف رحمه الله دخل الآن في بعض المباحث التي هي مباحث الشرك بالله عز وجل. والمؤلف قد قسم الشرك إلى أربعة أقسام، وهو أن الشرك الأكبر ينقسم إلى أربعة أقسام. شرك الدعوة، وهو الذي يدعى من دون الله عز وجل، وهذا كثير في القرآن. وشرك المحبة، الذي ذكره هنا. وأيضا شرك الطاعة، وشرك النية أو الإرادة. هذه أربعة أنواع، وكلها سيتكلم عليها رحمه الله. قال: باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾. الند هو الشريك أو المساوي. والله عز وجل قد نفى عنه سبحانه وتعالى الند والشريك والمساوي والسمي. ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. وأيضا نفي الشريك في آيات كثيرة: ﴿لم يتخذ له ولدا ولم يكن له شريكا في الملك ولم يكن له ولي من الذل﴾. المراد به هاهنا الشركاء. لكن كأن الله عز وجل هنا أراد أن الند في أمر مخصوص، وهو المحبة. أن يتخذ ندا يحبه كحب الله. والله عز وجل يقول: «فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون». فالند هو الشريك الذي يشركه في المحبة. ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾، يحبونهم كحب الله، أنهم يساوون حبهم بمحبة الله جل وعلا. وهؤلاء الذين أشركوا بالله عز وجل، مع أنهم يحبون الله وأيضا يعبدون الله، لكن يعبدون معه غيره. والمحبة هنا هي التي تقترن بالتعظيم والذل، محبة العبادة. لابد أن تقترن بالتعظيم والذل. وأما المحبة الطبيعية، لا تدخل. محبة الولد، محبة الأب، محبة الأم، وغيرها، هذه محبة طبيعية. ومحبة الشهوة أيضا، قد تدخل أحيانا. محبة الزوجة، محبة النساء، محبة المردان، محبة كذا، هذه الأشياء قد تدخل أحيانا. بل حتى بعض الأشياء التي قد يطغى الإنسان في محبتها، مثل عشاق الكرة، أو عشاق الأفلام والمسلسلات، أو عشاق الصور، من النظر إلى الصور العارية، فهذه ممكن تتطور حتى تكون شركا بالله. الإمام ابن القيم رحمه الله ذكر أن عشق الصور من أعظم الأشياء التي قد تخرج الإنسان عن دين الله، أن تجعله مشركا. فمسألة المحبة هنا، كما قلنا، لا بد أن تكون عن تعظيم وذل، هذه محبة العبادة. فإذا اقترنت بالتعظيم وذل، فهي محبة عبادة. ولهذا أحيانا تجد في أشعار بعض العشاق فيها شيء من هذا الباب، من تعظيم المحبوب وذل له. حتى بعضهم يصرح بالتعبد، أنه سيكون رقيقا لهذا المحبوب أو لهذه المحبوبة. وهذا موجود في أشعار العرب، مثل أشعار المجنون، أو كثير عزة، أو جميل بثينة. هؤلاء الثلاثة اشتهروا بهذا، قيس بن الملوح، المجنون، وكثير عزة، وجميل بثينة. فهذه وجد في أشعارهم مثل هذا التعبد. حتى بعضهم صرح في بعض أشعاره بالتعبد والتتيم، وهذه الألفاظ غالبا هي ألفاظ العبادة، محبة العبادة. وهذا لا يجوز للمسلم أن يحبه مسلما إلى هذه الدرجة، أنه يكون عبدا له مثل ما الآن ينشرونه في الغرب. فمثلة المحبة هذه الشركية تحصل، لا يستبعدها العبد من نفسه أو من غيره. فكثرة المحبة والكلف بالمحبة، الكلف معناه أنه يزيد ويطغى في المحبة. ولهذا كان عمر يقول: «إذا أحب أحدكم فلا يكلف»، معناه لا يتعلق بالمحبوب كثيرا، لأن التعلق هذا هو الذي يؤدي إلى أمور أخرى. فلهذا فهذا الباب قد يدخل الشيطان على العبد، ولو كان مستقيما ولو كان مصليا، لكن قد يدخل عليه هذا من باب هذه الصور، ومن باب العشق، ومن باب كذا. فقد أيضا يطغى عليه حتى يتعبد لهذا المعشوق لشدة كلفه به. ولهذا تجد بعضهم إذا تركته المرأة أو كذا، فتجد أنه يجن، أو يصير عنده حالة مثل حالة الجنون. فمثل هذه الأمور لا بد أن ينتبه لها الإنسان، أو خاصة الملتزم والمستقيم، فلا يركض وراء مثل هذه الأشياء. وإن كان يجد لذة فيها، لكن هذه اللذة قد تعقبها ما هو أعظم، أنها تخرجه عن دين الله، وهو لا يشعر. ويتبع هذه اللذة، فهذه مسألة الشهوات هذه عند الكفار غالبا. وأما هل الإسلام عندهم شهوات، لكن غالبا يقيدونها بشرع الله. والله عز وجل يقول: ﴿كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون﴾. وأيضا ذكر ربنا جل وعلا في مسألة الإلهاء بالطعام والشراب والعمل، هذا للكفار. وقال: ﴿إنهم إلا كالنعام بل هم أضل سبيلا﴾، مثل الأنعام يأكلون ويشربون وينكحون فقط شهوات. فلهذا ينتبه الإنسان لمثل هذه الشهوات التي قد تطغى عليه حتى تجعل محبته لهذا المحبوب كالتعبد، بل يجعلها أعظم من محبته لله عز وجل. فهؤلاء المشركون يحبون الله ويتقربون إلى الله، لكن يتقربون بعبادات شركية. عظموا أناسا كتعظيمهم لله. ولهذا اختلت عندهم الموازين، هم يظنون أنهم يتقربون بالأصنام هذه إلى الله. ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾، قالوا: ﴿قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم...﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. هذه الآية أيضا تدل على أن الإنسان أحيانا حتى المحبة الطبيعية إذا طغت، ممكن أنها تضر بالإنسان. صحيح أن المحبة الطبيعية غالبا ما تؤدي إلى الشرك، لكن قد تضر تضر بالإنسان من ناحية عمله، من ناحية أيضا همته في العمل، في تقديمه محاب أو لا، مثلا أبناءه على محبة الله عز وجل على طاعة الله. تجد يقدم هذه الأمور على طاعة الله جل وعلا وعلى شرعه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد مبخلة مجبنة»، كيف مبخلة مجبنة؟ معناه يجعل العبد يبخل عما هو واجب عليه أن يؤديه، أو ما هو مستحب. أو من الإعطاء يبخل، لماذا؟ يفكر في أبنائه. ومجبنة، أي أنه لا يجعله مقداما، يفكر في أولاده إذا كان مثلا جاء وقت الجهاد في سبيل الله. أولئك الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: «شغلتنا أموالنا وأهلنا»، فاستغفر لنا. يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فهم اعتذروا بأنهم شغلوا بأبنائهم وأهلهم. وهذا يحصل كما قلنا يحصل عند الإنسان، أنه ينشغل بأهله أكثر من حتى أنه يترك الطاعات ويترك الصلوات ويترك أشياء كثيرة بسبب الأولاد. لهذا قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾. وقال أيضا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم﴾. هل يعادونكم من باب المعاداة والمقاتلة؟ لا، وإنما عدو لكم يلهونكم عما هو واجب عليكم، يبعدونكم عن الله ويبعدونكم عن شرع الله. فالمحبة الطبيعية قد تضر، قد تضر، لكن هل تؤدي إلى الشرك؟ فهذا محل نظر. المحبة الطبيعية قد تضر إذا طغت، تضر إذا طغت عن المحبة المستقيمة. الإنسان يحب أولاده، يحب أيضا أباه وأمه، لكن لا يجعل هذه المحبة تطغى عليه حتى يفرط في الواجبات. وأيضا قد يرتكب المحرمات لأجل أولاده. كثير من الناس الآن تجد يهتم بأولاده كثيرا، خاصة في الأمور الدنيوية، حتى أنه قد يرتكب المحرمات التي يعلم أنها حرام بسبب أولاده. يعني يريد يسعدهم، يريد كذا، يريد أنهم يرتاحون. بعضهم مثلا يدخل الحرام على أولاده من المسلسلات، من الأفلام، من كذا، يريد أن يرضي أولاده أو يسعدهم، وهو يعلم أنهم يرون الحرام ويرون أشياء قد تضرهم في طريقهم إلى الله. قال: ﴿قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم... أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. ومسألة تقديم المحاب على محبة الله عز وجل تكون بعدة أمور، إما بالنية، وإما كذلك بالفعل. وخاصة عندما يأتي مصلحة العبد ومحاب العبد مع محاب الله عز وجل تكون معا، يعني يختار إما يختار محبة الله عز وجل وطاعته، أو يختار ما يحبه. هذا ما يدخل فيه الشرك، لكن يدخل عدم أو قلة محبته لله عز وجل. وقد يؤثر على إيمانه، يعني تؤثر غالبا على إيمانه ينقص إيمانه. لأن من يقدم محاب الله عز وجل على محاب غيره يكون ممن ذاق حلاوة الإيمان وطعمه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». قال: وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». أخرجاه. هذا أيضا من باب أنه يقدم محبة النبي عليه الصلاة والسلام على الأهل والأولاد والآباء. وهذا من عظيم محبة العبد للنبي عليه الصلاة والسلام، فيجعله هو المقدم. ومعنى المقدم ليس بالإدعاء، ليس يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي من كذا وكذا، لا، ليس بالإدعاء، وإنما بالعمل. العمل هو الذي يبرهن هذه المحبة. فالإدعاء سهل، واحد يدعي أنه يحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من غيره، أكثر من نفسه، هذا الدعاء. لكن ما الذي يبرهن على ذلك؟ هو العمل. متى ما جاءت محبة الله عز وجل أو محبة رسوله صلى الله عليه وسلم واقترنت بمحاب بنفسه أو محاب من يحبه، فهذا الذي يجعله هنا يبرهن هل هو يحب الله عز وجل ورسوله أم أنه يقدم محابه عليهم أو محاب من يحبه عليهم. فهنا يكون محك الاختبار، وهذا مكان التمحيص. ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾. فالتمحيص أيضا يكون في مثل هذه الموثوقة. قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان...» إلى آخره. هذه بعض الأشياء إن شاء الله. الحديث بن عباس نتركه في درس لاحق لأنه يتعلق بمسألة أخرى. وهذه المسألة مسألة طويلة ولها ديول، لكن حسبنا ما ذكرنا إن شاء الله. وأيضا نذكر مسألة المحبة في الله والبغض في الله، هذا مسألة أخرى نتركها في درس لاحق. والله تعالى عالم.