الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 71، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
خالف النبي صلى الله عليه وسلم المشركين في مناسك الحج، حيث أفاض من مزدلفة قبل طلوع الشمس وخالفهم في الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس. هذه المخالفة أدت إلى اعتبار الوقوف بعرفة بعد الغروب واجبا عند جماهير العلماء.
نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التشبه بالكفار في لباسهم وأوانيهم، كما نهى عن شرب الماء في آنية الذهب والفضة ولبس الثياب المعصفرة. هذا النهي يدل على مخالفة النبي للمشركين والكفار في عاداتهم وتقاليدهم.
حذر السلف مثل عمر بن الخطاب من التشبه بأهل الشرك، كما رفض بعض الصحابة والتابعين المشاركة في بعض المناسبات بسبب وجود ما يدل على التشبه بالمجوس أو أهل الشرك. هذه المواقف تظهر حرص السلف على مخالفة الكفار والمشركين.
تحرم الأحاديث النبوية التشبه بالكفار في عباداتهم وعاداتهم الخاصة، إلا إذا كان الأمر موجودًا في دين الله عز وجل فلا بأس به. يُشدد على أن التشبه بهم في الأمور الخاصة بهم غير جائز.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في سرده للحديث التي جاءت فيها نهي عن التشبه بالكفار. قالوا أيضا: فعن عمر بن ميمون الأودي، وعمر بن ميمون الأودي، وأبو يحيى الكوفي، وكان مخضرم، قال: قال عمر رضي الله عنه، وهو الذي قال: رأيت في الجاهلية قردة زنى على قردة، فرجموهما. أنا أقول: هذا ليست التي يتصل بها. قال عمر رضي الله عنه: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس. لا يفيضون من جمع -ما معنى جمع؟- مزدلفة تسمى جمعا، تسمى المشعر الحرام. قال: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير. أو كانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير. قال: فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأفاض قبل طلوع الشمس. أفاض -معنى خرج- أنه كانوا لا يخرجون من مزدلفة حتى يشرق ثبير، ثبير هذا جبل في مزدلفة، كانوا الكفار -كفار قريش- لا يخرجون من مزدلفة حتى تأتي شمس على رأس ثبير هذا. فخالفهم النبي عليه الصلاة والسلام وأفاض قبل طلوع الشمس، خرج عندما اتضح الضوء قبل أن تطلع شمس، خرج من مزدلفة إلى منى، وهذا في اليوم العاشر، اليوم العاشر من ذي الحجة. قالوا: قد رؤيا في هذا الحديث ما أظنه أنه قال: قال، فهدينا هدي المشركين. وهذا حديث المسور بن مخرمة، عندما ذكر أن المشركين يدفعون من عرفة عند غروب الشمس حتى تكون على رؤوس الجبال، فقال: هدينا مخالف هديهم، لكنه مرسل. قال: قال، ثم قال رحمه الله: وقد وكذلك كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب، فخالفهم النبي عليه الصلاة والسلام، فخالفهم النبي عليه الصلاة والسلام بالإفاضة بعد الغروب. ولهذا صار الوقوف إلى ما بعد الغروب واجبا عند جماهير العلماء، وركنا عند بعضهم. وكرهوا شدة الإسفار صبيحة جمعين. وجاءت رواية عن أحمد أنه بالاستحباب كذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صلى معنا هذه الصلاة -صلاة الفجر يوم مزدلفة- وقد وقف بعرفة ساعة من نهار أو ليل، فقد تم حجه وقضى تفثه». قالوا أيضا: فعنهم الحديث قد ذكر فيه قصد المخالفة للمشركين. عن الحديثين: حديث عمر، وكذلك أيضا حديث المسور المخرم، فيه ذكر المخالفة للمشركين، سواء كان في إفاضتهم من مزدلفة أو كذلك إفاضتهم من عرفات. فكانوا إذا أفاضوا من عرفات خرجوا قبل الغروب -قبل غروب الشمس- وخرج النبي عليه الصلاة والسلام بعد غروب الشمس. وكذلك في مزدلفة، هم يخرجون بعد طلوع الشمس، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام قبل طلوع الشمس. وهذا فيه مخالفة واضحة، خالف النبي عليه الصلاة والسلام أهل الشرك في هذا. وهذا أيضا من الحديث التي تدل على مخالفة النبي عليه الصلاة والسلام للمشركين أو للكفار. قال: وأيضا عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة»، متفق عليه. فهذا حذيفة، أو حديث حذيفة، لما كان مسافرا فمر على مكان فيه دهقان -الدهقان هو كبار النصارى- وكان هذا الدهقان يأتي لهم بشراب، فجاء لحذيفة بشراب في إناء فضة، فرمى به حذيفة. فقال له أصحابه: لما فعلت هذا؟ قال: قد حذرته من هذا -معنى قد أخبرته عدة مرات- أن هذا لا يجوز، لا يجوز للإنسان أن يشرب في آنية الذهب والفضة. ثم ذكر هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». وجاء بحديث أم سلمة أيضا في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من شرب في إناء فضة يجرجر به في نار جهنم يوم القيامة». قالوا: عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن عمر، جبير بن نفير الحضرمي المصري، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، فقال: «إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها»، رواه مسلم. فالآن الحديث الأول: حديث حذيفة في الآنية، وأن الإنسان لا يتشبه بالكفار الذين يشربون في آنية الذهب والفضة. وكذلك أيضا في حديث عبد الله بن عمر، النهي عن لباس الكفار، لما لبس ثوبين معصفرين، فعلل أن هذه ثياب الكفار. وجاء في رواية أخرى، قال: «ألبستك به أمه»، ونهاه عن ذلك، فتبين أنه من لباس النساء، وكذلك يلبسه الكفار. قال: علل النهي عن لبسها بأنها من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار بأنهم يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك. كما أنه في الحديث قال: «إنهم يستمتعون بآنية الذهب والفضة في الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة». لهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار. وهذا بدأ بجمهور العلم على أن اتخاذ الحرير واتخاذ آنية الذهب والفضة لا يجوز على مجرد اتخاذه، مثلا في البيت. وحدث جاءت: إنما في الشرب فيه ماء. قال: ففي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي، قال: كتب إلينا عمر رضي الله عنه، قال: كتب إلينا عمر رضي الله عنه ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد: يا عتبة، إنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم ما تشبع منه في رحلك. وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن لبوس الحرير، قال: «إلا هكذا»، ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصبعيه الوسطى والسبابة، وضمهما. فهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم حكما، أخرجه البخاري مختصرا، وهذا لفظ مسلم. لما كتب عمر رضي الله عنه إلى عتبة بن فرقد رضي الله عنه، فقال: يا عتبة، إنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم -أن أعطيهم من الطعام إن كان معك- لكن إياكم والتنعم -التنعم وكثرت العقل وكثرت أيضا الإسراف- وزي أهل الشرك، أي: لا تلبسوا مثل أهل الشرك. قال: وروى أبو بكر الخلال بإسناد عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان أتى بيتا فرأى فيه حارستان -فيها باريق من صفر والرصاص- حارستان: ظهر شيء من الأواني، أو حارستان: معنى شيء يحرس فيه، معنى مثل المخازن التي فيها هذه الأشياء، فيها باريق من صفر والرصاص، الصفر هو النحاس. فلم يدخله، وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم». في لفظ: فرأى شيئا من زي العجب، وخرج، وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم». قال: وقال علي بن بيان صالح السواق: كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج. فلحقه صاحب الدار، فنفض يده بوجه، وقال: زي المجوس، زي المجوس معنا، تشبهون بالمجوس. ذكر هذا أو هذه الحادثة ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة. قال: وقال في رواية صالح -أي صالح ابنه، ابن الإمام أحمد- إذا كان في الدعوة مسكر، أو شيء من آنية المجوس -الذهب والفضة- أو سطر الجدران بالثياب، خرج ولم يطعم -أنا يخرج ولا يطعم، لا يأكل- إذا دعي إلى وليمة أو لغيره، فرأى هذه الأشياء فإنه يخرج ولا يأكل شيئا. قال: ولو تتبعنا ما في هذا الباب عن النبي عليه الصلاة والسلام مع ما دل عليه كتاب الله لطال -أي طال الكتاب- وهذه الأشياء التي ذكرها كثيرة جدا. لحديث ولا شك أن مدلولها أو مدلول هذه الأحاديث على كثرتها واضح، وأنه لا يجوز أن يتشبه بالكفار في عباداتهم، وأيضا كل ما يختصون به ولو كان من العادات، فإنه لا يتشبه به، إلا أن كان هذا في دين الله عز وجل فلا بأس. طيب إن شاء الله تعالى. نكتب بهذا. والله أعلم.