الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 70، ألقاها
يناقش تعريف الإيمان وأركانه وزيادة الإيمان ونقصانه بفعل الطاعات والمعاصي. يبين أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
يشرح مفهوم تفاوت الإيمان واستدلاله بحديث الشفاعة، ويؤكد على عدم التفريق بين القرآن والسنة في التصديق. يبين أن التعارض الظاهري يعود إلى أفهام الناس.
يشرح موقف أهل السنة من الأخذ بالأحاديث النبوية في العقيدة، ويرد على المعتزلة والأشاعرة. يُبين قبول أهل السنة لكل ما صح عن النبي دون تفرقة بين العقيدة والعمليات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان. فقد أخذنا بعض المسائل التي تأخذ من هذا الكلام، قلنا: إن هذا التعريف فيه قصور، وأيضًا كذلك فيه عدم دقة. فقوله: الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، أفضل أن يقول: الإقرار بالجنان؛ أفضل من التصديق؛ لأن التصديق يختلف من شخص لآخر، بخلاف الاعتقاد؛ فالإعتقاد لا يختلف. ولأن التصديق قد يحصل فيه شيء من الشك، وإذا حصل في التصديق شيء من الشك يكون نفاقًا؛ فلهذا فالأفضل أن يقال: الاعتقاد هو الإقرار باللسان والاعتقاد بالجنان. وعند أهل السنة -كما قلنا- يقولون: هو قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح. اللسان يقولون: إن الإيمان هو قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. أو يقولون: إن الإيمان هو الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهذا أيضًا عند أهل السنة -رحمه الله- يقولون: إنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ أي أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد في قلب العبد وينقص. وهذا قول عامة أهل السنة. وبعض السنة يقول: يزيد، ولكن لا يقول: ينقص؛ مثل ما جاء عن إمام مالك -رحمه الله-. وقال الإمام عبد الله المبارك: كان يقول: يتفاضل، ولا يقول: يزيد وينقص. وهذا كله خلاف لفظي، وإلا فالزيادة قد جاءت في كتاب الله جل وعلا في عدة آيات، ومنها آية المدثر: ﴿ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾. وأيضًا كذلك النقصان يدل عليه الزيادة؛ إذا وجدت الزيادة وجد النقصان. ويدل عليه -كما قلنا- حديث الشفاعة، وفيه: فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، أو فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ثم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. فدل على أن الإيمان يكون مثل الذرة، يكون مثل الحبة، يكون مثل الدينار؛ فهو يتفاوت بزيادة ونقصان عند الناس وعند العاملين؛ فلهذا أهل السنة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص. قال: وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشرع والبيان كله حق. أي: كما أننا نصدق القرآن ونؤمن بالقرآن، كذلك أيضًا نؤمن بكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشرع والبيان كله حق. لا فرق عند أهل السنة بين ما جاء في الكتاب وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فكله عندهم سواء؛ ما ثبت بالكتاب والسنة عندهم سواء؛ ولا يفرقون بين ثبوته بالقرآن، مجيئه بالقرآن، ولا كذلك ثبوته في السنة؛ بل كله سواء عندهم؛ لأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو من عند الله مثل القرآن. وليس هناك تعارض بين الكتاب والسنة أبدًا، وإنما التعارض في أفهام الناس. وأيضًا عدم معرفة الشخص لمسألة النسخ، والعام والخاص، والمجمل والمبين، وغيرها من هذه الأشياء التي يعرفها العلماء. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾. على أن الواو هنا واو عطف؛ فتكون أيضًا الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه. فسرى ابن عباس: ما يعلمه العلماء من العام والخاص وغيره؛ فلهذا فجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الشرع والبيان كله حق؛ كله حق. وهذا عند أهل السنة جميعًا؛ ليس كما يقول بعض أهل الفرق: أن ما ثبت تواترًا يؤخذ به بالعقيدة، وما لم يثبت متواترًا لا يؤخذ به في العقيدة؛ مثل ما يقوله المعتزلة والأشاعرة؛ المعتزلة والأشاعرة يقولون: إنه لا يؤخذ في العقيدة إلا ما ثبت متواترًا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما ما كان آحادًا يقولون: إنه لا يقبل في العقيدة. وهذا تفريق مما لا دليل عليه. وقد رد عليه أئمة الإسلام؛ كالإمام الشافعي -رحمه الله- ذكر أشياء من هذا في الرد على هؤلاء في كتابه «الرسالة». وكذلك أيضًا أئمة الإسلام؛ كالبيهقي وغيره، وأحمد ردوا على هؤلاء الذين يردون قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في العقيدة؛ يفرقون بين الفقه أو بين العمليات والاعتقاديات؛ يفرقون بين العمليات والاعتقاديات؛ فالاعتقاد يأخذون بكل ما جاء؛ يأخذون بالمتواتر، وفي العمليات يأخذون بكل ما جاء وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا تفريق لا معنى له؛ بل قد جاء السلف أجمعهم على أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد أوجب العلم والعمل معًا؛ إذا صح الحديث فيوجب العمل؛ سواء كان في العقيدة أو في الفقه أو في غيره من شرائع الدين؛ فإنه مقبول عند أهل السنة ويعمل به؛ إلا إن كان منسوخًا أو كان عامًا خصص أو غيرها من هذه الأشياء؛ فلا بأس. فأما إذا كان محكمًا لم ينسخ ولا شيء؛ فهذا يعمل به عند أهل السنة. فهذا أيضًا مما خالف فيه أولئك المعتزلة والأشاعرة وغيرهم؛ فهم لا يأخذون كل الشرع؛ كذلك أيضًا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتقاد كله يؤخذ؛ سواء كان في أسماء الله عز وجل وصفاته أو في غيره؛ فيؤخذ على ما جاء؛ ونكل كيفيته إلى الله جل وعلا إن كان من صفات الله سبحانه وتعالى؛ وإلا فنثبتها كما جاءت؛ كما هو قول أهل السنة. وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على هذه المسألة؛ فنكتفي بهذا. الله تعالى أعلم.