تنوير البرية بالدروس والفتاوى الرمضانية 6

الدرس في تنوير البرية بالدروس والفتاوى الرمضانية 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم قضاء الصيام المتروك بلا عذر وتوبة المفرط

إذا ترك الإنسان الصيام لسنوات بلا عذر ثم تاب، فالقول الراجح أنه لا يلزمه قضاء تلك الأشهر، ويجب عليه التوبة إلى الله. العبادة المؤقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها بدون عذر لا تقبل منه.

أدلة ثبوت شهر رمضان بالرؤية الشرعية

يشرح كيفية ثبوت شهر رمضان بالرؤية الشرعية مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويبين أن رؤية عدل واحد تكفي لثبوت دخول رمضان حسب جمهور العلماء.

شروط رؤية الهلال ودخول وخروج رمضان

يستدل بحديث نبوي على اشتراط رؤية هلال رمضان قبل بدء الصيام، ويشترط لثبوت الهلال شهادة عدلين، ويجب صيام رمضان لمن رأى الهلال وحده، ولا يثبت الفطر إلا برؤية هلال شوال.

حكم من رأى هلال رمضان وحده وآراء العلماء

ذهب أكثر العلماء إلى أن من رأى هلال رمضان وحده يصوم، بينما ذهب بعضهم إلى خلاف ذلك. الخلاف في هذه المسألة ضعيف ولا يعتد به.

التفريغ النصي الكامل

الله الرحمن الرحيم. محمد الله رب العالمين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف حفظه الله تعالى: سأل فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، إذا ترك الإنسان الصيام أشهرًا بعد بلوغه ثم تاب، فهل يلزمه قضاء هذه الأشهر؟ أن بعض الناس في بداية شبابه يكون عنده طيش وأيضًا بعيد عن الله، فيُجده يفطر في نهار رمضان، ثم يمن الله عز وجل عليه بالتوبة، فهل يلزمه قضاء تلك الأشهر؟ قال فأجاب: القول الراجح من أقوال العلماء أنه لا يلزمه قضاء هذه الأشهر التي تركها بلا عذر، بناءً على أن العبادة المؤقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها المحدد لها شرعًا فإنها لا تقبل منه إلا لعذر، وهذا أفطر بدون عذر، فقضاءه إياها لا يفيده شيئًا. وليس معنى أن الفعل الذي فعله سهل، لا، الفعل الذي فعله كبير من كبائر الذنوب العظيمة التي كما تقدم، معنى يشك في إسلام صاحبها. لكن القضاء لا يفيده شيئًا، حتى لو قلنا إنه يغني من الذي يفيده القضاء، فهل يكفر عنه ذلك الذي فعله؟ لا شك عند العلماء أنه لا يكفر، فلهذا سيكون القضاء لا فائدة منه، إلا أنه يأتي بالفرض الذي عليه. لكن صحيح أنه لا قضاء عليه، بل واجب عليه أن يتوب إلى الله جل وعلا. وهذه الأيام تحسب عليه، معنى تكون عنده، يأتي يوم القيامة وصيامه ناقص، معنى فرائضه ناقصًا يحتاج إلى أن يكملها، فتكمل بالنوافل إن كان عنده النوافل، كما جاء في الحديث: «فهل له من تطوع؟» فلهذا فالقضاء لا يفيده ما دام أنه يوم القيامة يطلب التطوع في نقص الفريضة. قالوا: قد ذكرنا فيما سبق دليل ذلك من الكتاب والسنة والقياس. وعلى هذا فإذا كان الإنسان في أول شبابه لا يصلي ولا يصوم، ثم منّ الله عليه بالهداية وصلى وصام، فإنه لا يلزمه قضاء ما فاته من صلاة وصيام. وكذلك لو كان يصلي ويزكي ولكنه لا يصوم، فمنّ الله عليه بالهداية وصار يصوم، فإنه لا يلزمه قضاء ذلك الصوم، بناءً على ما سبق تقريره، وهو أن العبادة المؤقتة بوقت إذا أخرها الإنسان لم تقبل منه إلا لعذر. وإذا لم تقبل منه لم يفد قضاءه إياها شيئًا. هذا كلام عظيم وتدل عليه الأدلّة. فليس عليه قضاء، لكن عليه أن يتوب. وكذلك يعوض هذه الفرائض التي تركها بالنوافل بكثرة النوافل. قال: الدرس الثالث بما يثبت شهر رمضان. قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وعن نبي هريط رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكمل عدة شعبان ثلاثين». وعند البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». و«غم عليكم» أي لم تروا الهلال، إما لأجل السحاب أو وجود غبار أو غبرة، فلا يرى الهلال. فإذا لم يرَ الهلال فتكمل عدة شعبان ثلاثين. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «رأى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيت فصامه وأمر الناس بصيامه». أخرجه أبو داود وصححه للألباني. وشيخنا الوادعي في «الجامع الصحيح» وهذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتد برؤية الواحد العدل. قالوا: عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس وهو أمير مكة، أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه، فقال: «ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، وانسكوا لها». أي: تعبدوا لها معنى بالرؤية، عبادتكم تكون بالرؤية. «فإن غم عليكم فأكمل ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». هذا عبد الرحمن بن زيد بن خطاب نقل ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا يقول العلماء، وهو قول جمهور أهل العلم: أن دخول رمضان يكتفى فيه برؤية عدل ولو واحدة. وأما خروجه فلابد من اثنين، لحديث: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». فأخذ من هذا الحديث اشتراط رؤية هلال رمضان قبل الشروع في صيام رمضان، وكذلك اعتبار الرؤية في دخول الشهر وليس الحساب الفلكي. وكذلك أيضًا وجوب كمال عدة شعبان ثلاثين يومًا عند تعذر رؤية الهلال. فيثبت الهلال بأمرين، أو يثبت شهر رمضان بأمرين: إما برؤية الهلال، وإما بإكمال عدة شعبان. والرابع أيضًا وجوب الصيام عند اكتمال ثلاثين من شعبان عند تعذر رؤية هلال رمضان، وهذا بغير خلاف. معنى إذا كمل شعبان ثلاثين فيجب صيام اليوم الذي بعده على أنه من رمضان، إلا إذا كان هناك شك في دخول شهر شعبان. إذا كان الناس عندهم شك في دخول شهر شعبان، فهنا يمكن أنهم يتحروا أيضًا هلال رمضان. ومما استفيد ثبوت صيام رمضان برؤية رجل عدل لهلاله، وبهذا قال الجمهور. وأما خروجه فبرؤية عدلين. وأيضًا مما يستفاد عدم ثبوت رؤية هلال رمضان أو شوال برؤية الفاسق والمجنون والمغفل والأعمى والمرأة والغلام، لأن هؤلاء ليسوا أهلًا للشهادة، لأنه تعتبر شهادة، فلابد أن يكون الشاهد عدلًا، وكذلك أيضًا مكلفًا. وأما ذكر المرأة هنا، فالظاهر حمله أكثر أهل العلم على الشهادة، وأن المرأة في الشهادة تكون برجلين، فمعنى الاثنتين برجل واحد. أقصد فلهذا فهي لا تكفي شهادة امرأة واحدة. وبعض العلماء يقول: حتى المرأة تجوز إذا كانت امرأة عدل فتؤخر شهادتها. قال أيضًا: كذلك من الفوائد عدم ثبوت الفطر إلا برؤية هلال شوال، ولا تثبت رؤية هلال شوال إلا بشهادة عدلين. وإذا دخل معنى إذا شهدوا برؤية عدل في نهار رمضان في دخول الشهر، معنى برؤية عدلين أو برؤية الهلال، فإنهم لابد أن يكملوا ثلاثين إذا لم يروا هلال شوال. وإذا كان لم يروا الهلال فغُمَّ عليهم، فهنا لا بد من رؤية عدلين اتفاقًا بين العلماء. قال ابن قدامة رحمه الله: «فأما هلال شوال وغيره من الشهور فلا يقبل فيه إلا شهادة عدلين في قول الجميع، إلا باثور فإنه قال: يقبل في هلال شوال قول واحد». وأيضًا من الفوائد وجوب صيام رمضان لمن رأى الهلال وحده، وعدم الفطر لاشتراط عدلين لرؤية شوال. قال ابن عبدالبر: لم يختلف العلماء فيمن رأى هلال رمضان وحده، فصام أنه يصوم، لأنه متعبد بنفسه لا بغيره. وعلى هذا أكثر العلماء، لا خلاف في ذلك إلا شذوذ لا يشتغل به. وبعض العلماء يقول: إنه لا يصوم لأن الصيام يكون مع الناس، وأن الصيام يكون مع الناس، يصوم يوم يصوم الناس.