شرح كتاب التوحيد 122

شرح كتاب التوحيد 122

الدرس في شرح كتاب التوحيد 122، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معنى اتخاذ قبر النبي عيدا وتحذير النبي منه

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم "ولا تجعلوا قبري عيدا" ويبين معنى العيد وأنواعه. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن جعل قبره عيدا، أي لا يزار في وقت معين أو بشكل جماعي.

فضل الصلاة على النبي وكيفيتها

يُشجع على الإكثار من الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أن الله يثني على من يصلي عليه ويضاعف أجره. كما يُوضح أن الصلاة عليه تبلغه في أي مكان.

ختام الدرس والتوصية بتطبيق الحديث

يختتم الشيخ درس الحديث بالتأكيد على أهمية تطبيق ما جاء في الحديث، ويؤكد أن الصلاة على النبي تبلغه حيثما كان المسلم، ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله في الدرس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مر معنا في درس أمس إخواني في الله ما يتعلق بحديثي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وأشرنا إلى الفقرة الأولى، يقوله عليه الصلاة والسلام «لا تجعلوا بيوتكم قبورا». وأشرنا إلى أن النهي يحمل على معنيين اثنين كما قال العلماء، إما بمعنى لا تجعلوا بيوتكم قبورا تجعلوها مقابر فتدفن فيه الجثث يدفن فيها الأموات، فإن هذا لا يجوز. وأشرنا إلى الأسباب الدالة على المنع، ثم أشرنا إلى مسألة إشكالية، وقد يقول قائل: كيف النهي ونبينا صلى الله عليه وسلم دفن في بيته؟ وأشرنا إلى رفع الإشكال، وأن ذلك من خصوصيته عليه الصلاة والسلام. والمعنى الثاني: لا تجعلوا بيوتكم قبورا، أي لا تعاملوا بيوتكم كمعاملة المقابر بحيث تترك من غير طاعة ولا عبادة ولا نوافل ولا قروبات، فهذا يحتمل، وذاك يحتمل. ثم قال عليه الصلاة والسلام «ولا تجعلوا قبري عيدا»، في هذه الفقرة ينهى نبينا عليه الصلاة والسلام من أن نتخذ قبره عيدا، وهذا هو الشاهد الذي أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب، وهو قوله «ولا تجعلوا قبري عيدا». وما هو العيد؟ العيد كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هو اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد. فأي اجتماع يتكرر هذا الاجتماع يقال عنه عيد، يقال عنه عيد. وهكذا ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إغاثة اللهفان»، قال رحمه الله تعالى: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد. العيد إخواني في خلاصته هي كلمة مأخوذة مما يعتاد عليه المرء، فكل ما يعتاد عليه المرء بمعنى يعتاد عليه بتكراره يتكرر عليه، وهذا التكرر أحيانا يكون زماني أي وقتي، بأنه يعتاد على أمر ما في وقت معين، ما يأتي هذا الوقت إلا وفعل، ما يأتي هذا الوقت إلا وفعل، في وقت محدد هذا فعله مع ما كان من اعتياده على هذا الزمن، يقال هذا عيد زماني بالنسبة إليك، أو يكون عيد مكاني، وهذا إذا كان هناك جماعة من الناس اجتمعوا على فعل ما في محل ما، يجتمعون على أمر ما في محل ما، فاجتماع الناس على فعل هيئات على فعل طاعات على فعل أشياء من الأشياء، وهذا الاجتماع منهم يجعلون في مكان معين، يقال هذا عيد، يقال هذا عيد. ومن هذا نعلم إخواني في الله أن العيد على قسمين اثنين: عيد زماني وعيد مكاني. فالذي يعتاد أن يفعله في وقت معين في وقت محدد يتكرر عليه يقال هذا عيد اتخذته، ومن كان من اعتياد أنه يجتمع مع الناس في مكان معين يقال هذا عيد أنتم اتخذتموه. فقوله عليه الصلاة والسلام «ولا تجعلوا قبري عيدا» أي لا تعاملوه كمعاملة الأعياد لا زمانا ولا مكانا، زمانا بأن لا تتخذ وقتا معينا تأتونا فيه لزيارتي، يتخذ وقت زمن سنة في الشهر تعتاد أنك تتقصد في هذا الوقت أنك تأتي إليه، هذا جعلت من قبره عيدا، وهذا منهي عنه، أو أن الناس يجتمعون عند قبره، يتفق في آن من الناس على أنهم يجتمعون عند قبره، اجتماعهم عند قبره هذا من اتخاذ القبر عيدا، وهذا أيضا منهي عنه. والأصل إخواني في الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قبره إنما يزار متى ما سنحت لك الفرصة، كرجل ذهب إلى أرض الحرمين لأداء حج لأداء عمرة، ثم تسنى له أن يذهب إلى المدينة لكي يصل في مسجده عليه الصلاة والسلام، هنا ناسب أن يزوره في قبره عليه الصلاة والسلام، هذا أمر لا يقال عنه عيد، لأنك لم تأتي على هيئة جماعية، أنك لم تأتي على وقت معين تتعمد وتتقصد أن تأتي، وإنما جاء ذلك موافقة لهذه السنة، هذه السنة هكذا الذي عليه عمل الصحابة والتابعين إلى هذه الأيام، وعلي ذلك العلماء من الراسخين. أما ما عليه الخلوف، وننظر مثاله إلى ما سوى قبره عليه الصلاة والسلام كيف أنه اتخذت أعيادا، انظر مثلا إلى بعض القبور في أرض الكنانة في أرض مصر في أرض نجد في أرض كربلاء في أرض المغرب، في تلكم التي قد شيدت وأصبحت أضرحة وعتبات، أصبح الناس يتخذون لها زمانا يذهبون إليه قصدا. مثاله عندنا، لنذهب بعيدا، قبر نبي الله هود له مدة معينة ما أحد يتقدم ولا أحد يتأخر، لو قلنا أنه على حد زعمهم أن نبي الله دفن هناك، وما هناك أحد دفن أصلا، لكن تنزلا، لماذا هذا الاتخاذ من أيام شعبان مثلا؟ تتخذ هذا اليوم محددا ومقننا، لا أحد يتقدم ولا أحد يتأخر. اذهب الآن إلى هذه العتبات عندهم، بلاد مهجورة طبعا، أليست هي زيارة لنبي؟ أليست الزيارة متاحة في كل زمان وفي كل وقت وحين؟ نعم، لكن عندهم لا، هم اتخذوا هذه الزيارة عيدا، فهم يتواعدون باتخاذ الزمان، وأيضا باتخاذ الهيئات الجماعية، تتحرك الباصات والسيارات والأفراد والجماعات بكل طريقة، ثم يتخذون هذا القبر عيدا زمانيا وعيدا مكاني، هذا مما حرمه نبينا، إذا النبي منع هذا لقبره «لا تتخذوا قبر عيدا»، فما ظنكم بقبر غيره؟ وسأل يا عبد الله عن قبر ما يسمى أبي السيد البدوي، يأتي هنا مئات الملايين من البشر هنا، وهنا يطلبون منه المدد ويظنون فيه ما يظن في الله عز وجل من اعتقاد النفع والضر، كل ذلك إخواني في الله من المنهيات، وما يكون مصاحبا فيه من الشركيات فيعد شركا فيعد شركا على صاحبه. لكن نتكلم كحد الزيارة، أن الزيارة لقبر نبي الله لنبينا عليه الصلاة والسلام لا يكون على وجه الاعتياد على وجه التكرار، أن يعاد قصدا وعمدا زمانا أو يجتمع الناس قصدا وعمدا عنده على هيئة جماعية، فإن ذلك مما منع منه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله ﴿وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا﴾. ثم قال «وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»، أمر عليه الصلاة والسلام بالصلاة، أي من الإكثار من الصلاة عليه صلوات ربي وسلام عليه، فإن الصلاة عليه من أجل القربات ومن أفضل الطاعات، إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، فأمر ربنا عز وجل أهل الإيمان بماذا؟ بالإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. وإن الصلاة عليه لأجرها مضاعف كما قال عليه الصلاة والسلام «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا»، صلى الله به عليه عشرا، فعلى قدر ما تصلي على نبيك فالله جل وعلا يصلي عليه. والصلاة من الله بمعنى الثناء كما جاء ذلك عن أبي العالية في البخاري، الثناء، فالله جل وعلا يصلي على نبيه أي أن الله يثني على نبيه، وأن الله يصلي على عباده أي أن الله يثني عليهم، وأنعم يا عبد الله بهذا الفضل، فضل أن الله يثني على أحد من خلقه، فهل سيعذبه؟ حاشا وكلا، بل إن ذلك دليل على عظيم قدره وعلو منزلته، وعلى أنه مرضي عند ربه جل في علاه. ولهذا فالإنسان يكثر من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، ثم قال نبينا «وصلوا عليه فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، هنا قد يأتي الإشكال ألا وهو: عندما قلنا أنك لا تأتي يا عبد الله إلى زيارة قبر نبيك إلا إذا سنحت لك الفرصة، قد يقول قائل: وكيف هذا وأنا أحب أن آتي إلى قبره؟ نقول له: ما الذي تريد من قبره؟ ما الذي تريد من قبره وأنك تحرص على أنك في كل عام أو في كل شهر أن تأتي إلى قبره؟ ما الذي تريد؟ قد يقول قائل: والله أحب أني أصلي عليه وأسلم عليه. قل يا عبد الله: انظر لتمام الحديث، قال عليه الصلاة والسلام «ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا عليه فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، إذن هذه شبهة ضائعة، لا تتقصد الزيارة وتجعلها عيدا بحجة أنك تريد أن تصلي عليه، لماذا؟ لأن الشرع قد أتاح لك أن تصلي عليه في أي مكان وفي أي زمان، ما هناك تقييد أو تضييق، أو هناك فضيلة أو خصيصة كما سيأتي معنا في بعض الدروس القادمة بإذن الله، ما هناك خصيصة الذي يصلي عليه عند قبره كالذي يصلي عليه في شرق الدنيا وفي غرب الدنيا. ها نحن هنا في بلادنا هذه، بلاد اليمن، الحضارم، صلي على نبينا، هل صلاتنا تصله؟ الجواب: نعم، لا شك في هذا عندنا ولا ريب، ما عندنا شك، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، كنا في شرق الدنيا في غرب الدنيا، على رؤوس الجبال في بطون الأودية، تحت الأرض، من صلى على نبيه فالله عز وجل سيرسل صلاتنا إليه صلى الله عليه وسلم، فلهذا يا عبد الله أكثر، أكثر من الصلاة على نبيك عليه الصلاة والسلام في أي مكان كنت، أنت في بيتك وأنت في مدخلك وأنت في مخرجك وأنت في سوقك وأنت في سيارتك وأنت ذاهب إلى عملك، في برك في بحرك، وأنت ذاهب في سفرك في حلك وترحالك، أكثر يا عبد الله، صلوا عليه، أمر نبينا بالإكثار من الصلاة عليه، فإن الصلاة عليه من أعظم العبادات ومن أجل القربات، والتي بها كما دلت الأدلة تنشرح لها الصدور، ويذهب الله جل وعلا بها الهموم والغموم، نهيك عما يكون من تكفير للسيئات، ومن مضاعف للأجور والحسنات. فصل على نبيك يا عبد الله في أي وقت كان وفي زمان، في أي زمان كان، فلا تتذرع يا عبد الله بضرورة أنك ترحل إلى قبله حتى تصلي عليه، لا يا عبد الله، فالله عز وجل فتح لنا المجال. فهذا إخواني في الله خلاصة ما يذكر أو ما يذكر في هذا الحديث من مسائل في قولي عليه الصلاة والسلام «ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وبقي مسائل متعلقة بهذه المسألة تترك إن شاء الله إلى درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.