الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التشبه بالكفار والعجم محرم إذا كان على صفة الجهل، مع التفريق بين التشبهين. استدل المؤلف بآيات قرآنية وأحاديث نبوية على مدح بعض الأعاجم وصلاحهم.
الفضل في الدين والعلم ليس محصورا في العرب، بل يتساوى العرب والعجم في ذلك. التفاضل بين الناس يكون بالتقوى وليس بالنسب أو الأصل.
الفضل في الإسلام مرتبط بتقوى الله والتزام الأسماء المحمودة في الكتاب والسنة. العبرة بالتقوى وليس بالعوامل الخارجية مثل كون الإنسان عربيًا أو أعجميًا.
الآية الكريمة تشير إلى شدة كفر ونفاق بعض الناس وعدم معرفتهم لحدود ما أنزل الله على الرسول. يُشدد على أهمية معرفة حدود الله والالتزام بها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاهما. بعد، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن التشبه بالكفار والشياطين محرم، وكذلك التشبه بالعرب العجم، لكن فرق بين التشبهين: بين التشبه بالكفار والشياطين، هذا محرم لذاته، وأما التشبه بالعرب العجم، هذا محرم لصفته عندما يكون على صفة الجهل، فلا يقلدون في جهله. ثم قد جاء الكتاب والسنة بمدح بعض الأعاجم، قال الله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم﴾. يريد مدح بعض الأعاجم بقوله: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾، فهذا أيضا كذلك. قوله: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا﴾، يريد أن أهل الكتاب أو العجم الذين يعلمون الكتابة هم أفضل، لكن ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم﴾، فهم مثل الأميين في صلاحهم وفي استقامتهم أيضا. قالوا في الصحيحين عن أبي الغيث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾، قال قائل منهم: يا رسول الله، فلم يراجعوا حتى سأل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثرية لناله رجال من هؤلاء». وهذا الحديث كما ذكر الشيخ في الصحيحين: «لو كان الإيمان عند الثرية»، الثرية هو النجم الوهاد، يقال: إنه الزهر، أو يقال غيره، فيقول: «لو كان الإيمان عند الثرية»، أي عند النجم، «لناله رجال من هؤلاء»، لصعدوا إليه وبحثوا عنه حتى يلقوه. وسلمان رضي الله عنه جاء من بلاد فارس، وتنقل بحثا عن الدين الصحيح. قالوا في صحيح مسلم عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لو كان الدين عند الثرية لذهب به رجل من فارس أو قال من أبناء فارس حتى يتناوله». وفي رواية ثالثة: «لو كان العلم عند الثرية لتناوله رجال من أبناء فارس». وهذا مدح لبعضهم، يريد أنهم مشوا على طريقة صحيحة يبحثون عن الدين. قالوا: قد روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم﴾، قال: «هم أهل اليمن». قال: مصداق ذلك ما وجد في التابعين من بعدهم من أبناء فارس الأحرار والموالي، مثل الحسن البصري وابن سيرين وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم، إلى من وجد بعد ذلك من المبرزين في الإيمان والدين والعلم، حتى صار هؤلاء المبرزون في ذلك أفضل من أكثر العرب. ولهذا كما ذكرنا أن عبد الله بن المبارك وجده رجلا من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلا معرضا عن الخير، فلما رأى الناس يتجمعون حول ابن المبارك، قال له: يا عجمي، هذا إنما هو ميراثنا، أنت الآن تدعي والناس يريدون منك أن يأخذوه، قال: نعم، قال ابن المبارك: نعم، لما تركتموه أنتم أخذناه نحن. وابن المبارك من خرسان، وولاؤه للتيمي. وبينهم سابقون في الإيمان والدين، وكذلك في سائر أصناف العجم من الحبشة والروم والترك، بينهم سابقون في الإيمان والدين لا يحصون كثرة، على ما هو معروف عند العلماء. إذ الفضل الحقيقي هو اتباع ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من الإيمان والعلم باطنا وظاهرا، وكل من كان فيه أمكن كان أفضل، وسواء كان عربيا أو غير عربي، ليس هناك فضل العربي على غيره، وإنما يتفاضل الناس بالتقوى. فكم من رجل أعجمي هو أفضل بكثير من هذا العربي، فليس الدين فيه نسبة، وإنما الدين بتقوى الله وبالتدين. قال: والفضل إنما هو بالأسماء المحمودة في الكتاب والسنة، مثل الإسلام والإيمان والبر والتقوى والعلم والعمل الصالح والإحسان ونحو ذلك، لا بمجرد كون الإنسان عربيا أو عجميا أو أسود أو أبيض، ولا بكونه قرويا أو بدويا. قال: وإنما وجه النهي عن مشابهة العرب والعجم مع ما ذكرناه من الفضل فيهم وعدم العبرة بالنسب والمكان مبني على أصل، وذلك أن الله سبحانه جعل سكن القرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين ورقة القلوب، وسكن البادية يأتي بالجفوة والغلظة، كما أن البادية توجب من صلابة البدن والخلق ومتانة الكلام ما لا يكون في القرى. هذا هو الأصل، لكن العبرة بالتقوى، تقوى الله جل وعلا. وكم من رجل بدوي إلا أنه كان من ألين الناس، فلهذا العبرة ليست بهذه الأمور، وإنما العبرة بتمسك بدين الله جل وعلا. وإن جاز تخلف هذا المقتضى لمانع، وكانت البادية أحيانا أنفع من القرى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعفة في الجبال ومواقع القطر». كذلك جعل الله الرسل من أهل القرى، فقال تعالى: ﴿ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾، وذلك لأن الرسل لهم الكمال في عامة الأمور حتى في النسب. قال سبحانه: ﴿العراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾، ذكر هذا بعد قوله: ﴿إنما السبيل على الذين يستأذنونك هم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون﴾. قل: لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون. إلى قوله جل وعلا: ﴿العراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على الرسول والله عليم حكيم﴾. طيب إن شاء الله تعالى أن نكمل في درس قادم. والله تعالى أعلم.