التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 9

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 9

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

دلالة آية الإسراء على توحيد العبادة والفرق بين القضاء الشرعي والكوني

يستدل المحاضر بآية الإسراء على حصر العبادة لله وحده بأسلوب النفي والاستثناء، ويوضح الفرق بين القضاء الشرعي الذي شرعه الله والقضاء الكوني الذي قدره الله كونياً.

الحكمة في قضاء الله لما لا يحبه لذاته

يشرح أن الله قد يقضي أموراً مكروهة لذاتها كالفقر والمرض لحكمتها ومصلحتها المترتبة عليها، مستدلاً بآيات تدل على أن الابتلاء سبب لرجوع الناس وتوبتهم.

تقسيم المحبوب والعبودية إلى أنواعها الثلاثة

يرد على الشبهة بتقسيم المحبوب إلى محبوب لذاته وهو الله ومحبوب لغيره، وتقسيم العبودية إلى عامة وخاصة وخاصة الخاصة التي تخص الرسل.

دليل العبودية الخاصة للأنبياء من آية الفرقان

يستدل المؤلف بقوله تعالى تبارك الذي نزل الفرقان على عبده على أن المراد بالعبد هو النبي ﷺ، وهذه عبودية خاصة بالأنبياء لكملتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى آله وبعد. قال: الدليل الثالث: وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. الشاهد من الآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، فحصر العبادة هنا له وحده سبحانه وتعالى؛ لأننا قلنا: من أقوى أساليب الحصر "لا" النافية تتبعها "إلا"، فهذا من أقوى أساليب الحصر. فمعنى ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: أي لا تعبدوا إلا الله سبحانه وتعالى وحده، لا تعبدوا غيره. فهذا التوحيد يتضمن النفي والإثبات: قوله ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ هذا نفي، فهو بمعنى "لا إله"، و﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ هذا إثبات، فهو بمعنى "إلا الله". فهذه الآية بمعنى الآية المتقدمة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، نفي وإثبات. ومن فوائد ابن عثيمين عند تعليقه لهذه الآية: قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾، القضاء: قضاء الله ينقسم إلى قسمين: قضاء شرعي، وقضاء كوني، وهذا له أدلة كثيرة ستأتي في هذه الفائدة. فالقضاء الشرعي: الفرق بينه وبين القضاء الكوني أن القضاء الشرعي لا يكون إلا فيما يحبه الله، إلا فيما يحبه الله. فالذي لا يحبه الله لا يكون من القضاء الشرعي، وإنما هو من القضاء الكوني، وسيأتي. والقضاء الشرعي يجوز وقوعه وعدمه، يعني قد يقع وقد لا يقع. مثل: الله عز وجل قضى ألا يعبد إلا إياه. القضاء هنا في الآية هو القضاء الشرعي؛ لأن الأمرين ينطبقان عليه: فهل الله عز وجل يحب أن يعبد وحده؟ نعم، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: هل جميع الخلق عبدوا الله ووحدوه؟ لا، وقع من بعضهم ولم يقع من البعض الآخر. فإذا هذا أيضًا من القضاء الشرعي؛ لأنه يجوز وقوعه وعدمه. فتكون "قضى" في هذه الآية بمعنى: شرع، أو وصى. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أي: شرع ربك، أو وصى ربك. وأما القضاء الكوني فيكون فيما أحبه الله وفيما لا يحبه، يقضيه كونا، سيأتي مثاله، ولا بد من وقوعه. إذن هناك فرق بين القضاء الشرعي والقضاء الكوني. مثال القضاء الكوني: قوله عز وجل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾. فالفساد في الأرض لا يحبه الله ولا يشرعه الله، ولذلك لا يحبه، ولا بد من وقوعه؛ لأن الله قضى به، فهو يقع، وقد وقع في بني إسرائيل. فهذا هو الفرق بين القضاء الشرعي والقضاء الكوني. فإذن قوله في الآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أي: شرع؛ لأن ما ذكر يحبه الله، وكذلك يجوز وقوعه وعدمه. وهنا ذكر فائدة أخرى أيضًا قد ترد على أذهان بعض الناس: وهو كيف يقضي الله ما لا يحبه؟ هذا في القضاء الكوني. كيف يقضي الله ما لا يحبه؟ قال الشيخ ابن عثيمين: "المحبوب لغيره قد يكون مكروهًا لذاته، ولكن يحب لما فيه من الحكمة والمصلحة". ما معنى المحبوب لغيره؟ يعني هذا الشيء يحب لا لذاته. مثلًا على سبيل المثال: الدواء المر. الدواء المر في ذاته مكروه، قيل لك: اشرب هذا الدواء، وما تستطيع تشربه إلا بشق الأنفس؛ لأنه مر، وربما هيج بطنك، وربما تقيأت بسبب شربه، فهو مكروه لذاته. لكن لماذا أنت تشربه؟ لأنه محبوب لغيره، يكون سببًا بإذن الله للشفاء، وهذا شيء محبوب، لكن ليس لذات الدواء، وإنما لما يترتب عليه. شرب هذا الدواء... شرب هذا الدواء. فهذا معنى قوله: "المحبوب لغيره قد يكون مكروهًا لذاته، ولكن يحب لما فيه من الحكمة والمصلحة"، فيكون حينئذ محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه آخر. وهكذا ما يقضيه الله عز وجل فيما لا يحبه: فهو لا يحبه لذاته، لكنه سبحانه وتعالى ما يقضيه إلا لحكمة، إلا لحكمة. ومثل على ذلك الشيخ ابن عثيمين قال: مثال ذلك الفساد في الأرض من بني إسرائيل، في حد ذاته مكروه إلى الله. الله لا يحب الفساد لذات هذا الفساد؛ لأن الله لا يحب الفساد ولا المفسدين. ولكن للحكمة التي يتضمنها يكون بها محبوبًا إلى الله من وجه آخر. ومن ذلك -يعني من هذا الفساد- مثلاً: القحط، والجدب، والمرض، والفقر. هذه الأشياء في حد ذاتها مكروهة إلى الله: القحط، والجدب، والمرض، والفقر. لكن لما يترتب عليها من مصالح لغير هذه الأشياء، فيها حكمة، فيها حكمة. فمثلاً: القحط قد يكون سببًا في رجوع الناس، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. إذن هذه المصلحة، هذه الحكمة. وكما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. إذن هذه هي الحكمة. فساد الأرزاق، الثمار في الأرض، هذه مفسدة وشيء مكروه لذاته، لكن لما يترتب عليها من حكم ومصالح فهو أمر محبوب، فهو أمر محبوب. فإذن يرد على هذه الشبهة بأن يقال: الذي يقضيه الله عز وجل مكروه إلى الله عز وجل لذاته، لكنه محبوب لما فيه من الحكمة والمصلحة، فهو مكروه من وجه، ومحبوب من وجه آخر. فإذن المحبوب ينقسم إلى قسمين: محبوب لذاته وهو الله، ومحبوب لغيره كالدواء محبوب للتداوي. فالله عز وجل يحب لذاته سبحانه وتعالى، يحب لذاته سبحانه وتعالى لما يتصف به من صفات الكمال والجلال؛ لأنه الإله الحق سبحانه وتعالى، فهو يحب لذاته. وأما غيره من الخلق فقد يحب لذاته من وجه ويبغض من وجه آخر. ثم في قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾، ذكر الشيخ العثيمين أيضًا فائدة أخرى: أن العبادة أو العبودية تنقسم إلى ثلاثة أقسام. العبودية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: عبودية عامة، وهي عبودية الربوبية. معنى الربوبية: أن الربوبية هي أفعال الله. فالله عز وجل كل الخلق تحت قهره، فهو يرزقهم، وهو يميتهم، وهو يحييهم، وهو كذلك يبتليهم. كل ذلك من عبودية القهر، وهي عامة، تكون لجميع الخلق، تكون لجميع الخلق: مؤمنهم وكافرهم. فقال: عامة، وهي عبودية الربوبية، عبودية القهر، وهي لكل الخلق. قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا﴾. إيش معنى "عبدًا"؟ يعني يوحدوه؟ لأن الآية عامة، من كل من في السماوات والأرض، يدخل في ذلك المؤمن والكافر، فالمراد بقوله "عبدًا" هنا: العبودية العامة، العبودية العامة، ويدخل في ذلك الكفار. وهناك القسم الثاني: وهي العبودية الخاصة، وهي عبودية الطاعة العامة. ومعنى الطاعة العامة: يعني لجميع المؤمنين، فاسقهم، ويعني طائعهم. الطاعة الخاصة: الخاصة بمعنى الذي أتى بالواجبات وترك المحرمات، فيدخل في ذلك الظالم لنفسه، وكذلك المقتصد، والسابق بالخيرات. كل هذا يدخلون في الخاصة، وهي عبودية الطاعة العامة. قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. وهذه تعم كل من تعبد لله بشرعه، كل من تعبد لله بشرعه يدخل في هذه الطاعة. فيخرج بهذا من العبادة الخاصة من يخرج؟ يخرج الكفار الذين ليس عندهم أصل الطاعة والتقرب إلى الله. واضح. إذن الفرق بين العامة والخاصة: العامة يدخل فيها جميع الخلق، ولو الكافرون. والخاصة يدخل فيها جميع المؤمنين، جميع المؤمنين. وهناك عبودية خاصة الخاصة: وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي أكمل العبادة، وهي أكمل العبادة؛ لأنهم من أكمل الخلق عبادة لله عز وجل. ﴿إِنِّي أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ﴾، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة. ودليل هذه العبودية الخاصة الخاصة: قول الله عز وجل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾. ما المراد بعبده؟ النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه عبودية خاصة الخاصة؛ لأنها تتعلق بالأنبياء، تتعلق بالأنبياء؛ لأنه لا يباري أحد هؤلاء الرسل في العبودية. هذا ما تيسر ذكره من الفوائد عند هذه الآية، وهي نكت حسان، إن شاء الله.