الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الشارح أربعة أسباب لخلو كتاب التوحيد من مقدمة تقليدية، منها سهو النساخ والاقتداء بالبخاري، ويوضح أن الأبواب الخمسة الأولى تغني عن المقدمة. ثم يبين معنى التوحيد لغةً بأنه جعل الشيء واحداً، وشرعاً بإفراد الله بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، مع تركيز معظم أبواب الكتاب على توحيد الألوهية.
يشرح المقطع عناية المؤلف بتوحيد الألوهية لكونه محور دعوة الأنبياء والفاصل بين الإيمان والشرك، ويذكر أقسام التوحيد الثلاثة مع تعريف كل منها. ويؤكد أن الأعمال لا تقبل إلا بالتوحيد الخالص، وأن الجنة لا يدخلها إلا موحد، مع تعريف العبادة بأنها التذلل لله بطاعته محبة وتعظيماً.
يشرح المقطع مفهوم العبادة من جهة العامل كالتذلل لله، ومن جهة العمل ككل ما يحبه الله ويرضاه، مستنداً إلى تعريف ابن تيمية الشامل الذي يشمل المباحات إذا قُصد بها التقرب. ويبين أن المؤلف لم يبوّب للباب ليعلّق الناس بالكتاب والسنة مباشرة، والأدلة تدل على وجوب التوحيد.
أشار المؤلف إلى أنه ذكر الفوائد المستفادة من الآيات الواردة في باب التوحيد ووجوبه، واكتفى بذلك على أن يعلق عليها بالتفصيل في درس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإنا نبدأ في أول باب من أبواب كتاب التوحيد، وما ذكر المؤلف من ذكر أهم الفوائد والمسائل التي أوردها الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله في هذا الباب. وقبل الشروع في الشرح نحب أن يقرأ علينا أحدكم الباب الأول من هذا الكتاب. فمن يقول: أنا الباب الأول؟ نعم، عند من الباب الأول من هذا الكتاب؟ من يقول: أنا؟ تفضل. من يحفظ الباب الأول من كتاب التوحيد؟ نستعد أحد من هذا الكتاب التوحيد: «وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه»، «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً». ها، في نسخ طيب، لا، بس قل: تعالوا اشتركوا في القناة، قال: لا تبشرهم فيتكلوا، أخرجاه في الصحيحين. فهذا الباب ذكر تحته خمس آيات كما سمعتم: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ﴾، هذه الثانية، الثالثة: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾، والرابعة: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾، والخامسة: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾. وذكر أثراً تحت هذه الآية، أثر عبد الله بن مسعود: «من أراد أن ينظر...»، وذكر حديثاً واحداً وهو حديث معاذ المتقدم. ثم لخص لنا المؤلف حفظه الله ما ذكره العلامة ابن عثيمين عند شرحه لهذا الباب. أولاً: لماذا لم يذكر المؤلف مقدمة لهذا الكتاب؟ يعني شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مباشرة قال: «كتاب التوحيد، وقول الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾»، ما قال مثلاً: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أو ما قال: بسم الله، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وصلى على النبي، ما ذكر ذلك. فلماذا؟ ذكر الشيخ العثيمين أسباباً لهذا، فذكر هنا لخص لنا المؤلف أربعة أسباب من أسباب عدم ذكر مقدمة من المؤلف لهذا الكتاب. أول هذه الأسباب: قال: سقطت من بعض النساخ، فقد وجدت في بعض النسخ البسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، الحمدلة اختصار الحمد لله. والنساخ يعني الذين يكتبون عنه هذا الكتاب، فالمؤلف يكتب كتابه ثم يأتي بعض من ينقل هذه النسخة، ما كان عندهم طبع وإنما يكتبون، يكتبون كالملخص في الدفاتر ونحو ذلك، يكتبه الطالب كتابة، وهكذا هذا الكتاب يأخذه عن المؤلف عدة طلاب وعدة نساخ، فبعضهم أسقط المقدمة، وإلا فهي في أصل نسخة المؤلف، في أصل نسخة المؤلف فبعضهم لم يكتبها لأنها وجدت في نسخ أخرى. هذا سبب. والسبب الثاني: اكتفى بالترجمة لأنها عنوان على موضوع الكتاب وهو التوحيد، فكأنه يقول: ترجمة الكتاب تكفي في ذكر المقدمة، تكفي في ذكر المقدمة، فبدأه بقوله: كتاب التوحيد، فكأنه يقول: هذا كالمقدمة للكتاب، وأنه يتحدث عن التوحيد، وأنه يتحدث عن التوحيد. والسبب الثالث: تأسياً منه بالإمام البخاري رحمه الله حيث لم يقدم لكتابه، وأراد أن يعلق الناس بالقرآن والسنة، أي أراد بهذا الاقتداء بالإمام البخاري، فهو لم ينفرد بهذه الطريقة وهو عدم ذكر المقدمة، فقد سبقه من هو أعلم منه، من هو أعلم منه وهو الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، فالإمام البخاري ابتدأ كتابه بالتوحيد ثم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة، فهو حذى حذو من سبقه من العلماء. السبب الرابع: الأبواب الخمسة الأولى من الكتاب هي بمثابة مقدمة، فكأنه يقول: هذه الأبواب الخمسة الأولى كما تقدم في القسم الأول تغني عن ذكر المقدمة، تغني عن ذكر المقدمة، فاكتفى بها عن المقدمة. هذه أربعة أسباب اجتهد العلماء في التماس العذر للمؤلف في عدم ذكره للمقدمة في هذا الكتاب. وأما قوله: «كتاب التوحيد»، الكتاب على وزن «فعال»، كتاب على وزن «فعال» وهو بمعنى اسم المفعول، فكتاب هنا بمعنى المكتوب، يعني هذا مكتوب، يأتي بمعنى مفعول، بمعنى مفعول أي بمعنى اسم المفعول، فيكون كتاب التوحيد أي: هذا مكتوب في التوحيد، هذا مكتوب في التوحيد. وأما تعريف التوحيد فقال هنا المختصر: التوحيد لغة مصدر وحد الشيء إذا جعله واحداً، والمصدر هو التصريف الثلاثي للفعل، فيكون الفعل الماضي: وحد، يوحد، مصدره توحيداً، مثل: ضرب، يضرب، ضرباً، وهكذا. فالتوحيد في اللغة هو المصدر، مصدر الفعل وحد، ومعنى وحد: أي جعل الشيء واحداً. هذا في اللغة. وأما شرعاً: فهو إفراد الله بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، والأسماء والصفات. فمبحث هذا الكتاب فيما تفرد به سبحانه وتعالى بما يختص به من ربوبيته وألوهيته وأسماء وصفاته، مع التنبيه على أن غالب هذا الكتاب يبحث في توحيد الألوهية، يبحث في توحيد الألوهية. ولا شك أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، فمن وحد الله عز وجل في الألوهية فلا شك أنه مقر لله سبحانه وتعالى بالربوبية، ومثبتاً للإله الحق سبحانه وتعالى صفاته، صفاته العليا، أسماءه، أسماءه العليا وصفاته الحسنى سبحانه وتعالى. فلا شك أن من أثبت لله عز وجل الألوهية فلا شك أنه مثبتاً لله عز وجل الربوبية، وما ورد عن الله وعن رسوله من أسماء الله عز وجل الحسنى وصفاته العليا. وأكثر ما يذكر في هذا الكتاب هي الأبواب المتعلقة بتوحيد الألوهية، وهناك كما تقدم معنا في تقسيم أبواب هذا الكتاب ما يكون من ذكر بعض الأبواب المتعلقة لتوحيد الربوبية وكذلك توحيد الأسماء والصفات. وإذا سأل سائل: لماذا اعتنى المؤلف في هذا الكتاب بذكر أبواب الألوهية وأكثر منها؟ فالجواب: لأن هذا النوع من أنواع التوحيد والذي خالف فيه أهل الإسلام، خالف فيه أهل الإسلام، بل وهو النوع الذي من أجله كان الصراع بين الأنبياء وأقوامهم، بين الأنبياء وأقوامهم. بل إن مشرك العرب كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، ولكنهم خالفوا في هذا النوع من أنواع التوحيد وهو توحيد الألوهية، فقالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾. ثم ذكر المؤلف ما ذكره الشارح من أقسام التوحيد الثلاثة والتفريق بينها، فما هو توحيد الربوبية، وما هو توحيد الألوهية، وما هو توحيد الأسماء والصفات؟ فذكر أن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير، أو إفراد الله تعالى بأفعاله. فقولك: إفراد الله بأفعاله يشمل كل فعل من أفعال الله، فيشمل ذلك الخلق والملك والتدبير والرزق والإحياء، كل ذلك من أفعال الله فهو من توحيد الربوبية. وإنما ذكر إفراد الله بالخلق والملك والتدبير من أجل المثال على أفعال الله، وإلا فالتعريف العام الشامل أن يقال: هو إفراد الله تعالى بأفعاله، فيشمل ذلك كل فعل من أفعال الله عز وجل. وأما توحيد الألوهية، وكذلك يسمى بتوحيد العبادة أو العبودية، فهو إفراد الله تعالى بالعبادة، أو بأفعال العباد، بأفعال العباد، يعني ما يفعله العباد من توجه إلى الله عز وجل كالصلاة والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر ونحو ذلك من أنواع العبادات، فهذا من توحيد الألوهية. وأما توحيد الأسماء والصفات فهو إفراد الله تعالى بما سمى ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بإثبات ما أثبت لنفسه ونفي ما نفى عن نفسه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهذا كذلك مما يجب أن يثبته الموحد لربه. فخالف في ذلك بعض الطوائف الضالة المبتدعة كالخوارج والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية ومن نحى نحوهم، فمنهم من أنكر أسماء الله وصفاته جملة وتفصيلاً، ومنهم من أثبت الأسماء ونفى الصفات، ومنهم من أثبت الأسماء وأثبت بعض الصفات ونفى بعضها، وهكذا هم طوائف وفرق مختلفة. وأما أهل السنة فإنهم يثبتون لله عز وجل كل اسم ثبت لله سبحانه وتعالى في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يثبتونه على ما يليق بجلال الله وعظمته سبحانه وتعالى، فلا يحرفون ولا ينفون أو يعطلون، ولا يكيفون ولا يمثلون، بل يثبتون لله عز وجل ما أثبته لنفسه من غير شيء من هذه الأمور الأربعة التي وقع فيها بعض من خالف في هذا الباب. ثم قال: وهي من فوائد ابن عثيمين: الأعمال لا تقبل إلا بالتوحيد. يعني قد يقول قائل: لماذا الكلام في التوحيد، ولماذا الاعتناء بهذا الكتاب كتاب التوحيد؟ فكأن المؤلف رحمه الله يبين لنا أهمية دراسة هذا الكتاب كتاب التوحيد، فقال: الأعمال لا تقبل إلا بالتوحيد. فلو عمل الإنسان ما عمل من الأعمال، فصام النهار وقام الليل، وعمل من الأعمال الشيء العظيم، إذا لم يكن عنده التوحيد الخالص لله عز وجل لا تقبل منه تلك الأعمال. ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فالأعمال لا تقبل إلا بالتوحيد. إذا الأمر هذه منزلته، أليس يجب علينا أن نتعلمه وأن نعلمه وأن نهتم به؟ لا شك. وخلقنا لنوحد، أي لنوحد الله عز وجل، كما قال سبحانه في أول آية سيذكرها المؤلف: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾، قال ابن عباس: أي ليوحدون. قال: والجنة لا يدخلها إلا موحد، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾. فالجنة لا يدخلها إلا موحد. إذن هذه الجنة التي حولها ندند لا يدخلها إلا موحد، أليس هذا يدعونا جميعاً إلى الاهتمام بهذا الجانب العظيم من جوانب الدين ألا وهو التوحيد؟ قال: ودعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يعني أن هذا التوحيد هو دعوة الأنبياء جميعاً، كما قال عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾، وكما قال عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾. قال: وتحقيقه مانع من الوقوع في الشرك الذي هو من أعظم الذنوب، فمن حقق التوحيد عرف الشرك فاجتنبه. وهو سبب لتكثير الحسنات، سبب لتكثير الحسنات، وكل ذلك سيأتي في ثنايا هذا الكتاب. ثم ذكر فائدة أخرى تتعلق بالعبادة، فقال: العبادة تطلق على شيئين: على العامل وعلى العمل. فـ«العامل» أي: التعبد بمعنى التذلل لله بفعل أوامره واجتناب نواهيه محبة وتعظيماً. هذه العبادة تعريفها من جهة العامل، يعني المتقرب إلى الله. العامل يعني المتقرب إلى الله، فيكون المتقرب إلى الله عابداً إذا كان هذا العامل حقق هذه العبادة بالذل والمحبة والتعظيم. أن التعبد بمعنى التذلل لله، ولا يكون التذلل لله عز وجل إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه، ويكون فعل المأمور بمحبة وتعظيم لمن أمر به وهو الله سبحانه وتعالى، وترك المحظور كذلك محبة وتعظيم لمن نهى عنه وهو الله سبحانه وتعالى. فالعبادة تطلق على العامل فهي بمعنى التذلل لله عز وجل، فإتيانك للمأمور بمحبة وتعظيم لمن أمر به وهو الله عز وجل هذه عبادة، وتركك للمحظور محبة وتعظيم لمن نهى عن هذا المحظور وهو الله عز وجل هذا أيضاً يسمى أو تطلق عليه عبادة. هذا من جهة العامل. أما من جهة العمل وهو المتعبد به، يعني الأعمال التي يتعبد بها، ما هي هذه العبادات؟ فرق بين العبادة من جهة العامل والعبادة من جهة العمل. فالعبادة من جهة العمل هو المتعبد به، يعني مثلاً: الصلاة، الزكاة، الأخلاق الفاضلة، إماطة الأذى عن الطريق، الكلمة الطيبة، هذا كله عبادات، هذا كله عبادات. فما هو تعريفها من هذه الجهة؟ وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: «العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة». هذا قول ابن تيمية رحمه الله تعالى. فكل عمل يحبه الله، يحبه الله ويرضاه، فهذا عبادة. وكيف نعرف ما يحبه الله ويرضاه؟ من كتابه وسنة نبيه، الحلال بين والحرام بين، وهكذا. هذا العمل ولو كان مباحاً إذا فعله العبد بقصد التقوي على العبادة أو بقصد البعد عن الحرام أو نحو ذلك فهذا يدخل في معنى العبادة، يدخل في معنى العبادة. وهذا معنى قوله: اسم جامع، اسم جامع. فالعبادة لا تطلق فقط على الأمور التي أمر الله بها أو التي نهى الله عنها، بل المباح الذي يتوصل به إلى ما أمر الله به أو يبتعد به عما حرم الله عنه. ولهذا الكلام الذي ذكرناه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، السنة من الكتاب والسنة. فمثلا ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة في قوله عليه الصلاة والسلام: «وفي بضع أحدكم صدقة». وفي بضع أحدكم صدقة، يعني لما يأتي أحدنا زوجته ويقضي معها شهوته له بذلك حسنة وصدقة. طيب هذا أمر يعني مباح، لكن لماذا يجد أو لماذا تحصل به المسلم على الصدقة؟ قال الصحابة: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بذلك أجر؟ قال: «أرأيتم إن وضعها في حرام أليس عليه وزر؟» قالوا: بلى. قال: «كذلك إذا وضعه في حلال». فمن تزوج من أجل أن يعف نفسه عن الحرام، من أجل أن يعف نفسه عن الحرام، فلا شك أنه بنيته هذه ينال الأجر، ينال الأجر. نعم. وكذلك قول بعض السلف: «إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي». النوم يعني شهوة وهو كمال للمخلوق، فينام فيشعر بالراحة ويشعر بكذلك اللذة في هذا النوم، لكن من احتسبه لله وأنه ينام من أجل أن يتقوى على طاعة الله فينال بذلك الأجر، ينام بذلك الأجر. كذلك من يعمل للاكتساب معه حرفة أو مهنة أو وظيفة أو نحو ذلك بقصد أن يعف نفسه عن سؤال الناس وأن يعف أهله عن المسألة والمذلة، فبهذه النية ينال الأجر، كما قال عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول»، أن يضيع من يعول، يعني لا يقوم بشؤونهم وما يحتاجونه من أكل وشرب وسكن ورعاية ونحو ذلك. فدل ذلك على أن من أنفق على أهله فهذا من العبادة، إنها تدخل في معنى ما يحبه الله ويرضاه. وقس على هذا. فهذا هو المعنى العام الشامل الكامل للعبادة، للعبادة. فليست العبادة محصورة في أركان الإسلام أو في مبانيه العظام فحسب، بل هو أشمل من ذلك، فيشمل الأركان ويشمل كل ما يحبه الله، حتى لما تزيل الأذى عن الطريق فهذه عبادة لأنه يحبه الله سبحانه وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، فإذا هذا من العبادة. فكل ما يكون سبباً في تقرب العبد إلى الله عز وجل، وكل ما يحبه الله ويرضاه فلم ينهى عنه ولم يسقط الله عز وجل ففعله من العبادة، وكل ما نهى الله عنه فتركه من العبادة، وهكذا. فهذا هو المعنى العام للعبادة من جهة العمل، من جهة العمل. ثم قوله: تعريف التوحيد هذا كما تقدم معنا في تقسيم أبواب التوحيد، هذا الباب يمكن أن نبوب له: باب وجوب التوحيد، باب وجوب التوحيد، لأن الأدلة التي ذكرها المؤلف تصب في هذا المعنى. ولم يبوّب المصنف رحمه الله لهذا الباب كما ذكر المؤلف هنا: ليعلق الناس بالكتاب والسنة، يعني مباشرة: كتاب التوحيد، ثم ذكر خمس آيات، ثم ذكر خمس آيات. فهكذا ينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يعلق الناس بالأدلة من الكتاب والسنة في تأليفاته وفي مواعظه وخطبه ودروسه، لا يحرص أنه لا يتكلم كلاماً كثيراً من تلقاء نفسه، وإنما يتكلم بآية من القرآن أو بحديث من سنة خير الأنام عليه الصلاة والسلام، يحرص على ذلك، مع وجه الاستدلال بهذه الآية، وجه الاستدلال بهذه الآية أو بذاك الحديث، أو شرحاً للآية، أو ذكر أقوال المفسرين، أو كذلك ذكر فوائد الآية، أو نحو ذلك، فيربط الناس بالقرآن. وهكذا هو صنيع المؤلف، وهذا من الأسباب التي رفعت قدر هذا الكتاب، أنك لا تجد فيه إلا آية قرآنية أو حديثاً نبوياً أو قولاً من أقوال الصحابة أو العلماء الربانيين. فلم يبوّب المصنف رحمه الله لهذا الباب ليعلق الناس بالكتاب والسنة، والأدلة التي ذكرها تدل على وجوب التوحيد، فيمكن أن نسميه: باب وجوب التوحيد. ثم شرع المؤلف بذكر الفوائد من الآيات التي ذكرها ووجه الشاهد من ذكرها في باب التوحيد وباب وجوب التوحيد. نكتفي بهذا ونعلق على هذه الآيات إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر أن تغلق حولي مع الكتاب المشكلة ترجمة نانسي قنقر بعد شرق ، آخه ونعنسي قنقر