الدرس في شرح كتاب التوحيد 127، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع تفسير الآية الكريمة حول بناء مسجد على أصحاب الكهف ويبين أن هذا الفعل يعتبر ذنبًا وخطأ. يشرح المقطع الخلاف بين الناس في كيفية التعامل مع أصحاب الكهف بعد وفاتهم.
يُناقش المقطع استدلال بعض الناس بقصة أصحاب الكهف على مشروعية بناء المساجد على القبور ويُبين أن هذا الاستدلال باطل. القصة تهدف إلى بيان كرامة الله لأصحاب الكهف وتعظيمهم.
المقطع يتناول دلالات قصة أصحاب الكهف ويشير إلى أن الكثرة ليست دليلاً على الصواب وأن الغلو في الصالحين هو أحد أسباب الشرك. القصة تشير إلى مسألة البعث وإحياء الله للأجساد بعد الموت.
يؤكد المقطع على قدرة الله تعالى على إحياء الأجساد بعد موتها مستدلاً بقدرته على خلق أمثال البعوضة. يختتم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية وهو في هذا الباب، والذي بواب عليه بقوله: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، واستدل بهذه الآية والتي تتحدث عن أصحاب الكهف، وهي قصة من أعاجيب القصص التي أخبر عنها ربنا جل وعلا لهذه الأمة المحمدية. وقصة أصحاب الكهف، إخواني في الله، لا تخفى عليكم، وذلكم حينما لجأت أو لجأ فتية من أهل الإيمان خوفًا من أهل الكفر والشرك والعدوان من البطش بهم، فلجأوا إلى غار فرارًا بدينهم. فلما دخلوا الغار ألقى ربنا جل وعلا عليهم النوم فناموا، لكن هذه المدة التي ناموا فيها كانت الليالي الطوال، ليست عبارة عن أيام ولا عبارة عن أسابيع ولا أشهر، بل سنوات، بل مئات السنين، ناموا ثلاثمائة سنة، وهذا شيء من خوارق العادات، من خوارق العادات. ثم بعثهم الله جل وعلا بعد هذه السنين الطوال، ثم قاموا بإرسال بعضهم لكي يشتري لهم المشتريات واللوازم من طعام وشراب، فذهب أحدهم مستخفيًا إلى السوق لكي يتبضع لأصحابه، إذ أن الأمر انكشف عند الباعة، إذ رأوا أن هذه العملة قديمة، سكها قديم جدًا، قد تعاملوا بهذه العملة قبل مئات السنين، فاستغربوا من هذا الرجل: من أين جئت بهذه العملة؟ حتى كشف أمر الفتية الذين هم في الغار. فهذه خلاصة، إخواني في الله، ما يذكر في أمر هذه القصة، وأن من أعاجيب القصص. ثم ذكر ربنا عز وجل حكم أهل ذاك الزمان، حكم أهل ذاك الزمان، إذ عزموا على أن يبنوا عليهم مسجدًا، فقال سبحانه: ﴿وقال الذين غالبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا﴾. لكن قبل هذا القول، هناك قول آخر، فقالوا: «أبن عليهم بنيانًا». هذا القول هو القول الأول عندما اختلف الناس في أمر أصحاب الكهف بعدما ماتوا في كيفية التعامل معهم، والكل قد أقر بأن هؤلاء أهل صلاح، وأن هؤلاء أهل استقامة، بدليل أن الله جل وعلا جعلهم آية. لكن اختلفوا في كيفية التعامل معهم بعد موتهم، فذكر ربنا جل وعلا القول الأول: قالوا: «ابن عليهم بنيانًا». قال المفسرون: معنى ذلكم أن هؤلاء طلبوا من قومهم أنهم يبنوا على بوابة الغار جدارًا. ما الفائدة من هذا الجدار؟ أن هذا الجدار يحمي من في الداخل، الله أعلم بأمرهم، اتركوهم، اتركوهم وما هم فيه، قد ماتوا، أفضوا إلى ربهم. يغلق هذا الغار بحيث لا يكون محلا لتعلق الناس بهم. وهذا القول هو الصواب، أن الصالح إذا مات قد أفضى إلى ما قدم، وصلاحه عند ربه، وأما نحن لا نتعلق بهؤلاء. فطلبوا من قومهم أن يبنوا عليهم بنيانًا، جدارًا يعزلهم، ونعتزل عنهم، الله أعلم بأمرهم وإلى أحوالهم. لكن جاء القول الثاني، وهو المخالف للصواب، وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وهذا الذي سنشير إليه، قال سبحانه: ﴿وقال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا﴾. هذا خرج مخرج الذنب، هذه الآية خرجت مخرج الذنب في حق هؤلاء. هؤلاء تبنوا قولًا آخر، وهو: لا، كيف ما لنا علاقة بهم؟ هؤلاء أهل صلاح، هؤلاء أهل تقى وكرامة، إذن نبني عليهم مسجدًا، محلا للعبادة، نتعبد الله في أماكنهم، وفي هذه الغيران التي هم قد أووا إليها. ودلالة على أن هذا القول هو القول المجانب للصواب أن الله أخر هذا القول، أضف إلى ذلك أن الله وصفهم بقوله: ﴿قال الذين غالبوا على أمرهم﴾. واختلف العلماء: هؤلاء غالبوا على أمرهم من أي جهة؟ قيل: أن هؤلاء غالبوا على أمرهم من جهة الكثرة، أي أن الأكثر من كان في ذلكم الزمن، وأهل الرأي الأكثر والأغلب صوتوا على أنهم ماذا؟ يبنى على هذا المكان مسجد. فقط للأغلبية والأكثرية، ما لهم بذلك علم، وليس في ذلك هدي، وإنما الغلب، وإنما الغلب بالكثرة. وعلى القول الآخر: «قال الذين غالبوا على أمرهم»، كما أشار إلى ذلك جماعة من أهل العلم، كما أشار إلى ذلك الحافظ بن حجر في «فتح الباري»، على أن هؤلاء غالبوا على أمرهم أي من جهة السلطة والنفوذ والقوة، وهم من كان في أمراء ذاك الزمان، هؤلاء غالبوا على غيرهم بسلطتهم. فهؤلاء أمروا بأن يتخذ هذا المكان مسجدًا، يتخذ هذا المكان مسجدًا. فهؤلاء وهؤلاء، إما غلبوا على أمرهم بالكثرة، وإما غلبوا على أمرهم بالسلطة، فكل هؤلاء ما كانوا من أهل العلم، وما كانوا من أهل الفضل، وإنما هو اتباع الهوى، اتباع الهوى، فبنوا عليهم ماذا؟ مسجدًا. وهذا الهام، كما يقال، قد جاءت الأدلة الدالة على تحريمه، أن تتخذ المساجد على القبور، سواء كان من كان في من قبلنا أو من كان في أمتنا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». وهذا واضح الدلالة في الذنب. فلا يأتي أحد بعد ذلك إلى هذه الآية ويرى أن هذه الآية فيها المدح، ليس فيها مدح، الآية إنما تذكر فقط تذكر مسألة التعظيم التي وصل إليها أصحاب الكهف. هنا الحكم من هذا الباب، إذ أن الله عز وجل ذكر أن أصحاب الكهف كانوا فتية قلة وصغار وضعفاء وأذلاء، ثم ما هي إلا فترات حسب حتى أصبح لهم من التعظيم والإجلال والتوقير أن بعضهم فكر أن يبني على قبورهم مساجد. أي تأمل: بينما كانوا عليه، وبينما وصلوا إليه. هذا القصد من القصة، ليس في ذلك الإقرار والتقرير على بناء المساجد على القبور، لا، وإنما القصة في بيان أن كيف هؤلاء عندما نجوا بدينهم، كيف أن الله جعلهم الإعظام في قلوب الخلق والإجلال في قلوب الناس والعباد، هذا المقصود من القصة. فالشاهد: أما أنك تحتج بهذه القصة على مشروعية بناء المساجد على القبور، فهذا كما يقال باطل. واختلف العلماء في هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم لينتخذن عليه مسجد، هل هم أمة مسلمة أم أمة كافرة؟ تم الخلاف. وقد ذكر الإمام الطبري رحمه الله تعالى، وهو شيخ المفسرين، ذكر في تفسيره الخلاف: قيل أنهم أمة مسلمة، وقيل أنهم أمة كافرة. وعلى كلا الأقوال، فهذا الفعل مذموم، لا يقر عليه، وهو ما كان من بناء المساجد على القبور. وهذا الحديث وهذه الآية، وما كان من استدلال المؤلف رحمه الله تعالى عليها، فيها من الأدلة أولًا: إثبات الكرامة، إثبات كرامات الصالحين. فما وقع لأهل الكهف وما وقع للفتية هو أمر خارق للعادة، خارق للعادة. كيف أنهم لبثوا كيف أنهم لبثوا هذه السنين الطوال؟ وتأمل كيف أن الله عز وجل ذكر من حالهم أن الله يقلبهم في الكهف، يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. قال علماء: والعبر في التقليب أن الدم لا يحتبس في جانب واحد، وإنما يأتي بعد فترة ينقل بالجسد فيتحرك الدم، فإذا استقر الدم في جهة واحدة تقلبوا، وهكذا يتقلبون حتى تستمر ماذا؟ الدورة الدموية في خلال غيبتهم هذه المدة الطويلة. فهذه كرامة من كرامات الصالحين ذكرها ربنا جل وعلا في كتاب أهل السنة والجماعة، يثبتون كرامات الصالحين، كالتي ثبتت في كتاب الله، كهذه القصة، أو ما جاءت في أخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأيضًا كذلك في هذه القصة، قصة أصحاب الكهف، أن من فر بدينه تخلصًا من الفتن، فالله جل وعلا ينجيه. من فر بدينه تخلصًا من الفتن فالله ينجيه. ليس هذا فحسب، بل كذلك يُعلِ الله جل وعلا شأنه وأمره. وفي الأثر: «من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه». فإن تركت شيئًا يا عبد الله مما تستهويه الأنفس، وهي من المخالفات الشرعية، ولربما نفسك تؤزك إلى هذا الفعل المشين، أو أن الهوى يستميلك لهذه الفاحشة أو لذاك الذنب، إلا أنك صبرت واستبرت على ترك ما لا يرضي الله لأجل مرضات الله، اعلم أن عاقبة هذا الأمر حميدة. أن عاقبة هذا الأمر حميدة، وأن الله سبحانه وتعالى سيجعل لك من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، إن كان مبتغاك أن تنال رضا الله سبحانه وتعالى، كما وقع لأصحاب الكهف. تركوا ديارهم وأهل بلادهم وأهاليهم، ثم فروا إلى غار، ما في الغار ما هناك شيء في الغار، حجرة في رأس جبل، إنما ذهبوا هنالك فرارًا وحفاظًا على دينهم حتى لا يسلب منهم. فلما رأى الله منهم صدق الإذعان وصدق اللجوء إليه، انظر كيف كانت عاقبة أمرهم؟ أن الله جعلهم الإجلال والإعظام في قلوب الخلق. فمن آوى إلى الله آواه الله جل وعلا. كذلكم في هذه الآية فيها الذنب للكثرة على تفسير: «قال الذين غلبوا على أمرهم» أي بالكثرة. فيه ذنب الكثرة. ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾، فلا تجعل يا عبد الله الكثرة هي الفيصل: أن هذا يجوز أو لا يجوز. لا تقول: انظر كيف الناس تشير إلى السواد الأعظم من البشر، هذا ليس بدليل، السواد الأعظم من البشر ليس بدليل، بل الكثرة ما تأتي في القرآن إلا على وجه المذمة، الكثرة ما تأتي في القرآن إلا على وجه المذمة. فلا تحتج عبد الله بفعل الأكثرين. وكذلك في هذه الآية فيها الذنب لماذا؟ للتدخلات، للتدخلات الدولية، وأن ما يفعله الأمراء والسلاطين ليس بحجة. وكما يقال: ليست القرارات الدولية حجة دليلية، كما أشار لذلك الصنعاني رحمه الله تعالى. ليست القرارات الدولية حجة دليلية. فربما يأتي من بيده زمام الأمور من أمير أو من حاكم أو من سلطان، فربما تستميله النفس الأمارة بالسوء فيقرر أو يقنن للناس مخالفة الشرع. هل يجعل هذا شرعًا من دين الله؟ الجواب: لا، المحرم محرم، المحرم محرم، ولو أباح من أباحه. فعند الله من شريعة ودين لا يغير ولا يبدل. فكون أن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم أرادوا بناء المساجد، هل دل ذلك على مشروعية بناء المساجد؟ لا، لا يشرع. كما لو جاء الآن من بعض من لهم علاقة بالدولة من أصحاب المناصب، ثم يقررون للناس مشروعية الزيارات القبورية الشركية، هل هذا يجعل الأمر حلالًا؟ الجواب: لا، هو محرم في كتاب الله، هو محرم في كتاب الله. فليس في هذه الآية دلالة على اتباع الكثرة، ولا كذلك الاتباع للمخالفات الشرعية ولو صدرت من أعلى المناصب. وكذلكم في هذه الآية دلالة على أن من أعظم أسباب الشرك هو الغلو في الصالحين. هؤلاء ما الذي دعاهم إلى أن يتنادوا فيما بينهم إلى بناء المساجد على قبور الفتية؟ الغلو، الغلو في الصالحين. لما رأوا أنهم قد بلغوا من الكرامة مبلغًا عظيمًا، وأن الله جعلهم آية، أرادوا أن يعبروا، أرادوا أن يعبروا عن حبهم، بل وعن غلوهم، فاتخذوا المساجد على القبور. فالغلو بالصالحين، وكما قال العلماء: من أوسع أبواب الباطل الغلو في الأفاضل، كما قال إمام أهل اليمن، عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بالمؤيد بالله رحمه الله: من أوسع أبواب الباطل الغلو في الأفاضل. فتجد أن هذا الباب، باب الغلو في الصالحين، هو الذي أودى بكثير من الناس أن يقعوا في أسباب الشرك. وأخيرًا، إخواني في الله، في هذه الآية وفي هذه القصة إشارة إلى مسألة البعث، وأن الله جل وعلا قادر على أن يبعث الأحياء والأجساد بعد موتها. وما قصة أصحاب الكهف إلا عبرة لمن كان في زمنهم ممن لربما يأتيه الضعف في مسألة البعث. وهذه من أصعب المسائل الإيمانية التي يعتقدها ويعتنقها أي إنسان مسلم، مسألة البعث. وانظر في هذه الأزمان الملاحدة ممن هم من أمتنا وارتدوا، من أعظم أسباب الارتداد: البعث، يتشككون: كيف كيف يحيي الله الموت؟ ما بعد الموت؟ ما الذي سيكون بعد الموت؟ هل هناك حياة بعد هذه الحياة؟ كيف سنكون؟ ما هي الدور الموجودة؟ فلا يزال إنسان يتشكك في أمر المعاد حتى يصل إلى ما لا يحمد عقباه. وهذا الجانب لا يمكن لأحد أبدًا بعقله أن يصل إلى كنهه، مستحيل، هذا أمر غيبي برزخي، ما أحد إنما هو يقوم على الاستسلام لله، نؤمن ونقر أن هناك حياة بعد الموت، وأن الله سيحيي الأجساد بعد موتها، فالإنسان يوقن بهذا. فالله سبحانه وتعالى جعل هذه القصة لأصحاب تلك الحقبة الزمنية جعلها واقعًا: انظروا إلى هؤلاء، كم عاشوا مئات السنين؟ من الذي بعثهم؟ الله جل وعلاه. فإذا كان الله قادرًا على أمثال هؤلاء، فهذه عبرة لمن كان قد مات بالموت العظيم الكبرى، فالله قادر على إحياء الأجساد بعد موتها. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.