الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 59، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل حكم التسمية بقاضي القضاة وتحريم التسمية بأسماء توهم التعظيم المطلق لله وحده، مستندا إلى أحاديث نبوية وآيات قرآنية.
يتناول هذا الفصل أهمية احترام أسماء الله وصفاته وتأثيرها على التسمية، مشيرا إلى أن بعض الأسماء قد تكون غير مستحبة دون إضافة "عبد".
يستعرض هذا الفصل استحباب كنية الرجل على أكبر أبنائه، ويقدم تطبيقات عملية في التسمية والكنية وفقا للتعاليم الدينية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه. قال في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله». تسمى ملك الأملاك. قال سفيان: مثل شاهنشاه. سفيان بن عيينة أن هذا الحديث من طريق الزهري، رواه سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة. قال: في رواية «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه». قوله: «أخنع» يعني أوضع. الآن هذه المسألة تسمي بقاضي القضاة، حصل خلاف فيها بين أهل العلم، هل يدخل في هذا اللفظ؟ قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك»، فهذا متفق عليه أنه لا يجوز. لا يجوز أن يسمى إنسان ملك الأملاك؛ لأنه لا مالك مطلقا إلا الله عز وجل. ومالك الأملاك معناه كل شيء ملكه، وهذا ليس لأحد إلا لله عز وجل. لكن قاضي القضاة هل هو داخل في هذا؟ فهذا خلاف بين أهل العلم. ولهذا تسمعون دائما، أو تقرؤون دائما في بعض العلماء يقول لك: قاضي قضاة مصر، قاضي القضاة الذين مثلا قضاة بلد أو قضاة كذا. فيقولون: قاضي القضاة، مثلا الحافظ بن حجر يقولون: قاضي قضاة أهل مصر. وأحيانا ما يقولون بالتقييد، يقولون: قاضي القضاة فلان، مثلا قاضي أحيانا يكون قاضي الخليفة، يعني يعتبر مثل رئيس القضاء. قاضي الخليفة يعتبر رئيس القضاء، فهؤلاء كلهم القضاة يرجعون إليه، مثلا كان أبو يوسف قاضي هارون الرشيد، أنه هو يعتبر رئيس القضاء، كلهم كل القضاء يرجعون إليه، فيسمى قاضي القضاة. فهل هذا يجوز أو لا يجوز؟ فهذا كما قلنا فيه خلاف بين أهل العلم. فمنهم من منع لأجل هذا الحديث، ولأجل ما قال سفيان: مثل شاهنشاه؛ لأن شاهنشاه معناه قاضي القضاة. ومنهم من قال: إن هذا جائز؛ لماذا؟ قال: لأن ملك الأملاك غير قاضي القضاة. قاضي القضاة معروف أنه قاضي لقضاة معينين، هو قاضي عليهم، رئيس القضاء هؤلاء. وأما ملك الأملاك فهذا يدل على أنه عنده الأملاك كلها مطلقا، وهذا لا يكون إلا لله. قال: فيه مسائل. الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. الثاني: أن ما فيه معناه مثله، كما قال سفيان: شاهنشاه. شاهنشاه هذه باللغة الفارسية. الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القائل لم يقصد معناه. حتى وإن لم يقصد معناه، يقول: إيش الشيخ؟ هنا التفطن لهذه الألفاظ، مثلا الذي يسمى ملك الأملاك، ما يقصد أنه أن كل شيء ملكه، وإنما هو فوق الملوك كله، هو الخليفة. فيقال: ملك الأملاك، وهم ما يقصدون أنه أن كل شيء هو ملكه لا. لكن حتى وإن لم يقصد هذه الكلمة، فهذه الكلمة موهمة. وقد جاء في الشرع في آيات وأحاديث كثيرة: أنه الألفاظ الموهمة لا بد أن يبتعد عنها. مثلا مثل القول: الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾. معنى راعنا وانظرنا واحد، لكن بحكم أن هذا اللفظ موهم. مثلا يقول فلان راعنا، راعنا معنى من الرعونة، من الشدة، أرعن. كان اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا، ويريدون إيش؟ أنت راعٍ، أي أنت شديد وأنت غليظ وأنت كذا، فيريدون من الرعونة. فنهي أهل الإيمان حتى لا يتشبهوا بهم، وحتى يختاروا اللفظ الصحيح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾. قال: باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك. قال: عن أبي شريح -وهو الكعبي- أنه كان يكنى بأبي الحكم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم». هذا الكلام كان يكنى به، معنى ما فيه شيء. لكن لأن أبا الحكم معنى صاحب الحكم، وهو من هو؟ الله، هو الله عز وجل. فلهذا لا ينبغي أن يكنى غيره. فلهذا قال: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم». فقال: «إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كل الفريقين». قال: «ما أحسن هذا، فما لك من الولد؟» قلت: شريح ومسلم وعبد الله. قال: «فمن أكبرهم؟» قلت: شريح. قال: «فأنت أبو شريح». رواه أبو داود وغيره. فهذا الحديث فيه احترام أسماء الله عز وجل. وكل ما كان فيه اسم الله عز وجل: العزيز، الكريم، الحكيم، الأفضل أن لا يسمى بمثل هذه الأسماء؛ لأنها تسمية الله عز وجل. لا بأس أن يقول: عبد الكريم، هذا تمام. عبد الحكيم، عبد العزيز. أما عزيز، كريم، حكيم، وإن كانت هي غالبا تنكر، والأسماء الله عز وجل تعرف: الكريم، الحكيم. لكن أحيانا أيضا مثل هذه الكلمات أيضا تجد أنها تعرف، إلا إذا قيدت. إذا قيدت ما فيه شيء، مثلا: صيدلية الحكيم، عيادة الحكيم، هذا إن شاء الله ما فيه شيء. لكن إذا أطلقت، فيقال: فلان الحكيم، لا. فالأفضل أنه لا يطلق هذا اللفظ مطلقا: فلان الكريم، إلا إذا عرفنا من الكلام أنه قصد شيء خاص. معنى جاء فلان الكريم، الكريم معنى بالأموال يعطي وكذا، فإذا قيد باللفظ أو قيد بالمعنى ما فيه شيء. لكن إن أطلق فهذا خطأ. قال: فيه مسائل. الأولى: احترام أسماء الله وصفاته، ولو لم يقصد معناه. إذا كان فيه إيهام فالأفضل أن يبتعد، سواء كان في أسماء الله عز وجل أو في غيرها. حتى في أسماء النبي عليه الصلاة والسلام، يقول الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لوعداء. على الإنسان إذا خاطب النبي صلى الله عليه وسلم لا يخاطب كما يخاطب غيره، لا يقول: يا محمد كذا، لا يقول: يا رسول الله يا نبي الله وهكذا. الثاني: تغيير الاسم لأجل ذلك؛ لأن كان أبو شريح فسماه أبو الحكم، فسماه أبو شريح. الثاني: اختيار أكبر الأبناء للكنية، أنه يستحب أن يكنى الرجل على أكبر أبنائه.