شرح لمعة الاعتقاد 14

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات صفة الوجه لله تعالى وتفسير آية ﴿ويبقى وجه ربك﴾

يذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى آية ﴿ويبقى وجه ربك﴾ لإثبات صفة الوجه لله عز وجل، ورد على أهل البدع الذين اختلفوا في تفسير الآية. يُبين أن صفة الوجه من الصفات الخبرية الذاتية لله تعالى.

موقف أهل السنة والرد على شبهات أهل البدع حول إثبات صفات الله

يشرح موقف أهل السنة من إثبات صفة الوجه لله عز وجل، ويرد على شبهات أهل البدع الذين ينفون الصفات عن الله. يُبين أن إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه أو التجزئة أو تعدد الآلهة.

الرد على شبهة مخالفة إثبات الصفات للعقل واستدلالات أهل السنة

يرد على شبهة أن إثبات الصفات لله عز وجل مخالف للعقل، ويبين أن العقل الصحيح يثبت لله الصفات. يُظهر أن نفي الصفات مردود لكونه متأثرا بعقول أهل اليونان الذين فسدت عقولهم.

صفات الله تعالى وحجابه النور وفق الأحاديث النبوية

يتناول صفة الوجه لله عز وجل وحجابه النور كما جاء في الأحاديث النبوية، ويشير إلى أن إثبات هذه الصفات لا شك فيه. يُعتبر الشبهات التي يثيرها البعض حولها باطلة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: فمما جاء من آيات الصفات قول الله جل وعلا: ﴿ويبقى وجه ربك﴾، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم... بدأ رحمه الله في ذكر بعض آيات الصفات، فمما جاء من آيات الصفات، ولم يذكرها كلها؛ لأنه لم يستوعب هذه الآيات التي جاءت في الصفات لأنها كثيرة جدا، وهذا الكتاب مختصر، لهذا ذكر بعض الآيات، فقال: فمما جاء من آيات الصفات. وهذه الصفات هي مستلزمة لذات الله، صفات الله عز وجل مستلزمة لذاته، لا كما يقول أهل البدع: أنها زائدة، أو يقولون: أنها الذات، أن بعضها... البدع يقولون: صفات الله معناها ذاته؛ لأنهم لا يؤمنون بذات لها الصفات، يقولون هذا بالمخلوق، وهذا باطل؛ لأن ذات بدون صفات معناها عدم، ذات بدون صفات معناها العدم، ليس هناك ذات بدون صفات، وإنما هذا العدم، إذا كان الإنسان يريد أن يصف عدما لا يجعل له صفات، لا يجعل له صفات. فلهذا فصفات الله عز وجل مستلزمة لذاته، وقد ذكرها ربنا جل وعلا، وهم يقولون: أنها زائدة، ليس هي الذات. ومن ثم أيضا جاءوا بمثل الجوهر والعرض، الجوهر الذي يقوم بنفسه، والعرض الذي يقوم بغيره، ويريدون أن يقولوا: أن صفات الله عز وجل عرض؛ لأنها يفتقر بعضها إلى بعض، فلهذا لم يثبتوا الصفات، يقولون: أن هذه الصفات تحتاج بعضها لبعض، ولأنها عرض، والعرض هو الذي يحتاج إلى غيره أو يقوم بغيره، وهذا كلام باطل. لماذا؟ لأن هذه الأشياء إنما هي عند المخلوقين، والله عز وجل ليس كمثله شيء. فصفات الله عز وجل قائمة بذاتها، وهي مستلزمة للذات الإلهية، فلهذا فليس كما يقول هؤلاء المبتدعة: أنها زائدة أو أنها الذات نفسها، فكل ذلك من الباطل. وكما ذكرنا قبل أن صفات الله جل وعلا تضاف إلى الله عز وجل إضافة أعيان، وإضافة معان. قال: فمما جاء من آيات الصفات قول الله جل وعلا: ﴿ويبقى وجه ربك﴾، هذه الآية ذكرها المؤلف رحمه الله ليثبت صفة من الصفات، وهي صفة الوجه. الوجه يعتبر من صفة ذاتية، أيضا الذاتية قلنا تنقسم لقسمين: صفات خبرية ذاتية، صفات خبرية. فالصفات الخبرية هي التي ما كان لنا أجزاء وأبعاد، وأما لله عز وجل فهي الصفة قائمة بنفسها، تليق بجلاله وعظمته، لا نقول: أنها أجزاء وأبعاد، إنما هذا في المخلوقين؛ لأن المخلوق هو أيضا حتى ذاته يفتقر إلى ربه جل وعلا، فكيف بصفاته؟ طيب فلهذا هذه الآية هي إثبات صفة الوجه، وهي من الصفات الخبرية الذاتية. وأما أهل البدع فقد اختلفوا في هذه الآية، فمنهم من قال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أي ذات ربه، والوجه زائد. ومنهم من قال: أن ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أي ثواب ربك. ومن هؤلاء المعتزلة والشافعية، قالوا: ثواب ربك، وغيرها من هذه التأويلات الباطلة أو التحريفات الباطلة، تحريف في المعنى وتحريف في اللفظ، فحذفوا اللفظ، قالوا: الوجه هذه لفظة زائدة، وإنما أصل الكلام... وأما أهل السنة فيقولون: أن هذه الآية تدل على صفة الوجه، تدل على الذات المتصفة بصفة الوجه؛ ولأن الوجه صفة عظيمة، فلهذا ذكرها الله عز وجل، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾. وفي لغة العرب معروف أنه يذكر الجزء ويراد به الكل، مثل ما يقولون كما قال الله عز وجل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، هنا العبد يذكر فيه الرقبة والمراد به العبد نفسه. وأشياء كثيرة من هذا القبيل في كلام الله وفي لغة العرب أنه يذكر الجزء ويراد به الكل. ولا نقول كما قلنا: أن صفات الله عز وجل جزء كأجزاء المخلوق، وإنما هي صفة تليق بجلاله وعظمته، قائمة بنفسها. طيب فلهذا نقول: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ بالجلال والإكرام، ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أي يبقى ذات الله عز وجل المتصفة بصفة الوجه، المتصفة بصفة الوجه. فهذا هو تفسير أهل السنة، وهو إثبات الوجه لله عز وجل. وقد جاء الوجه في آيات كثيرة. وأيضا كما ذكرنا قبل أن هؤلاء لما قالوا: الثواب، قالوا: الذات. لماذا يريدون لا يثبت لله عز وجل صفة؟ عندهم كما قلنا أربع شبه ميتة ومتهالكة، يحرّفون بها صفات الله عز وجل. أربع شبه ذكرنا، وكررناها حتى تحفظ، هذه الشبه عند أهل البدع يستدلون بها على نفي الصفات. يلزم ماذا؟ معنى التشابه، معنى أنه يستلزم، قالوا: من إثبات الصفات التشبيه، فيقول: إذا قلنا أن الله عز وجل له يد، له وجه، نشبهناه بالخلق، وهذه شبهة باطلة كما تقدم. والإشعري يقولون أيضا: يستلزم من إثبات الصفات يستلزم التجزئة، أن الله عز وجل جسم مركب بعضه من بعض، أن له أجزاء يفتقر بعضها إلى بعض، وهذا قالوا في المخلوق، وهذا كلام باطل؛ لأن الله عز وجل قد ذكر للمخلوقات أيضا صفات، وذكر لنفسه صفات تليق بجلاله وعظمته، وقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. فلهذا فقولهم أن إثبات الصفات التجزئة ينفيه الشرع، وكذلك الواقع والعقل والفطرة. فالواقع مثلا تجد هناك أشياء لها أوصاف وليست جسما، مثلا عندنا الشتاء نقول: شتاء بارد، شتاء قصير، صيف حار، صيف... تذكر له صفات، ليل طويل ونهار قصير، وليل مظلم، وغيرها من الصفات، وهي ليست أجساما وإنما هي أشياء معنوية. فلهذا فلا يستلزم من ذكر الصفات أن يقولوا: هنا يستلزم من إثبات الصفات التجزئة، وهذا كلام غير صحيح. وأيضا حتى لو قلنا أن يستلزم التجزئة، أيش المقصود من قولكم يستلزم التجزئة؟ فإن كان أرادوا أنها ذات لها صفات تليق بجلال الله عز وجل وعظمته، فهذا حق. لكن كلمة جسم هذه لم ترد في الكتاب والسنة، لكن لها معنى حق ومعنى باطل، فنأخذ المعنى الحق ولا نثبت اللفظ، نأخذ المعنى الحق ولا نثبت اللفظ. طيب الآن الثالث: أنهم يقولون أيضا أن إثبات الصفات يستلزم تعدد الآلهة، يقولون: أن إثبات الصفات يستلزم تعدد الآلهة، وهذا أيضا كلام باطل. معنى أيش يقولون؟ أننا إذا قلنا لله عز وجل صفة كذا وصفة كذا وصفة كذا، معنى جعلناه عدة آلهة، ليس إله واحد، وهذا كلام باطل بالشرع وبالعقل وبالفطرة وبالواقع وبالحس؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا﴾، هذه الصفات في رجل واحد، عدة صفات في رجل واحد. زد على ذلك أنك ممكن تصفه أيضا بلونه وطوله وكذا، وهو الرجل واحد له عدة صفات. وأيضا كذلك تجد أن أشياء كثيرة في المخلوقات لها عدة صفات، الآن هذه النخلة، النخلة لها صفات كثيرة من ناحية الثمر، من ناحية الجذوع، من ناحية كذا. فلهذا فقولهم هذا باطل بالشرع كما قلنا، وكذلك بالحس والواقع. وأيضا كذلك الشبهة الرابعة التي يستدلون بها يقولون: أن إثبات الصفات مخالف للعقل. أنا الآن أربع شبهات: أن إثبات الصفات استلزم التجسيم، ويستلزم التشبيه، ويستلزم تعدد الآلهة، ويقولون: أنه مخالف للعقل، لكن مخالف بعقولهم هم، وإلا كما قال الأئمة: أن العقل الصريح والصحيح يثبت لله عز وجل الصفات. فالله عز وجل له الذات العظيمة التي لها الصفات الكمال والجمال والجلال، وهذا يثبته العقل، يثبته العقل، لا ينفيه أبدا. وليس هناك ما يدل على نفي العقل مثل هذه الأمور، لكن هؤلاء عقولهم ضلت، وتأثرت بعقول أهل اليونان الذين فسدت عقولهم وفسدت فطرهم، فأخذوا عنهم، وظنوا أن هذه أمور مضطردة عند الناس، فلهذا نفوا عن الله عز وجل الصفات. فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾، وقولهم هنا: وجه ربك أي ثواب ربك، هذا كلام باطل؛ لأننا نقول لهم: العقل أننا نأخذ بالظاهر، فالذي يأخذ بالظاهر هو الأقوم دليله، والذي يقول: أن هذه الصفة لها معنى آخر وهو المراد به الثواب وليس الوجه الذي هو الصفة، يحتاج إلى دليل يصرف هذا اللفظ عن ظاهره. معلوم في لغة العرب أن الحقيقة لا تصرف إلا بقرينة، وأين القرينة هنا؟ قالوا: القرينة هذه الأشياء التي ذكرناها الأربع. طيب نقول لهم الآن: أنتم تقولون: أن وجه الله الثواب، طيب وجه الله جاء بخمس معاني في اللغة، معنى يطلق على الجهة، ويطلق على المواجهة، ويطلق أيضا على غيرها من المعاني. طيب لماذا أنتم اخترتم هنا الثواب؟ ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أي ثواب ربك، لماذا اخترتم الثواب؟ لماذا ما قلتم: الجهة؟ لماذا ما قلتم كذا؟ فتعيينكم لهذا المعنى يحتاج إلى دليل، وإلا فهو تخرص وقول على الله عز وجل بغير علم، تقول على الله بغير علم. وأيضا كذلك زد على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام ثبت عنه في صحيح مسلم: لما نزل القول الله عز وجل: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾، قال: «أعوذ بوجهك»، «أعوذ بوجهك». ولو كان الوجه بمعنى الثواب، الثواب مخلوق، فكيف استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم بشيء مخلوق؟ هذا لا يجوز، معلوم أنه لا يجوز الاستعاذة إلا بالله، ولا يستعاذ بمخلوق، فإذا استعاذ بالثواب، ومعنى ذلك استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم بمخلوق، إذا قلنا أن الوجه هو بمعنى الثواب. وأيضا جاء في صحيح مسلم في حديث أبي موسى الأشعري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره». قال: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره». فأين النور في الثواب؟ هل الثواب له نور يحرق؟ هذا يحتاج إلى تأويل على أن الثواب له نور ويحرق وله سبحات. فلهذا فهؤلاء يتكلمون في هذا الباب بغير علم، فإثبات الصفة لا شك فيه أبدا، إثبات الصفة لله عز وجل. وأما هذه الشناعات التي يشنعون بها فهي باطلة. فخلاصة ما يذكر أن هذه الآية فيها صفة الوجه لله عز وجل. وكما ذكرنا أيضا هذه الأحاديث، فنكتفي بهذا والله تعالى.