شرح لمعة الاعتقاد 18

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الرد على تأويلات أهل البدع لصفة المجيء والإتيان

يناقش صفة المجيء والإتيان لله عز وجل ويرد على تأويلات أهل البدع. يبين أن الآيات لا تحتاج إلى تقدير أو إضمار لكي تفهم بشكل صحيح.

تناقض الفرق الإسلامية في إثبات الصفات الإلهية وتأويلها

يتناول آراء مختلف الفرق الإسلامية في إثبات الصفات الإلهية ويبين تناقضاتهم. ينتقد محاولاتهم للتوفيق بين آرائهم والرد على أهل السنة.

إثبات الصفات الفعلية لله تعالى

يثبت الصفات الفعلية لله تعالى وفق ما يليق بجلاله وعظمته. يبين أن هذه الصفات تثبت لله سبحانه وتعالى وفق ما يتناسب مع عظمته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك، أخذنا في الدرس الذي مضى صفة المجيء والإتيان، وأن الله عز وجل يجيء ويأتي إلى فصل القضاء وإلى ما شاء جل وعلا. وأيضا صفة المجيء مثل صفة النزول كما سيأتي إن شاء الله تعالى، لكن صفة النزول لم تأت في القرآن، وإنما جاءت في صحيح السنة المتواترة. هذه الصفة، صفة لله عز وجل، ثابتة، وجاءت كما قلنا بلفظ المجيء، وجاءت بلفظ الإتيان، وكلاهما واحد. وهذه الصفة من الصفات الفعلية، وهذه الصفات الفعلية تجد أكثر أهل البدع ينكرونها، أكثر أهل البدع من الجهمية والمعتزلة، ولا سيما الأشاعرة وغيرهم من الماتريدية، وكذلك الكلابية، تجدهم يحرفون الصفات الفعلية. قد يثبتون بعض الصفات الذاتية، لكن الصفات الفعلية اتفقوا على عدم إثباتها. إلا أن قدماء الأشاعرة، كأبي الحسن الأشعري، وأيضا الباقلاني، وأيضا ابن فورك من طلاب الأشعري، وغيرهم، كانوا يثبتون بعض الصفات الخبرية، بل بعض الصفات الفعلية كذلك، كالاستواء، كانوا يثبتونها. يثبتها الأشعري في ثلاثة من كتبه، يعني في ثلاثة مواضع من كتبه، أثبت الاستواء في رسالة لأهل الثغر، وكذلك في الإبانة، وأيضا كذلك في الكتاب الذي ألفه في فرق المسلمين، وهو أثبت صفة الاستواء فيه. بل في الإبانة صرح أنه على مذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل. فهؤلاء، ماذا قالوا؟ قالوا: إن هذا المجيء والإتيان لا ينبغي أن يقال على الله، وإنما العبارة هنا «وجاء ربك» أي وجاء ملك أو جاء أمر ربك. هكذا يقولون: إن في الكلام إضمار، يعني في الكلام حذف وإضمار، فجاء ربك أي جاء ملك ربك أو جاء أمر ربك. ويقولون أيضا: «هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله» أي يأتيهم ملك أو يأتيهم رحمة الله أو أمر الله. وهذا كله باطل، لأن الآية ما تحتمل الإضمار. الآية ما تحتمل أن تكون هناك شيء مضمر. «وجاء ربك» ربنا جل وعلا قال: «وجاء ربك والملك صفا صفا». هل يقول: وجاء ربك وجاء ملك والملك صفا صفا؟ معنى ذلك لا يستقيم. ولو قلنا: أمر، معنى ذلك لماذا يذكر بعده الملائكة؟ «وجاء أمر ربك والملائكة صفا صفا». فالمهم أن هذا الإضمار خطأ. وأيضا سياق الكلام في الآيات مستقيم، لا يحتاج إلى شيء حتى يستقيم به. بل إدخال مثل هذا الكلام خطأ. فمثلا لو قال: «هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام» وأيضا في الآية الأخرى: «هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك». هل يستقيم أن يقول الإنسان معنى في هذه الآية حذف، فيقول: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتيهم ملك؟ هذا غير صحيح. قد قال: الملائكة، كيف الملك هذا؟ ولو قال أيضا: رحمة الله، فالله عز وجل قال: «أو يأتي بعض آيات ربك»، والرحمة من بعض الآيات، وكذلك الأمر من الآيات. فلهذا، فالآية لا تحتاج إلى تقدير، بل هي كاملة وتامة. لكن هم، كما ذكرنا قبل ذلك، يقولون هذا. لو قلنا أنه مجيء، هذا يحتاج إلى أنه تشبيه بالمخلوق، لأن المخلوق هو الذي يجيء ويأتي، وأما الله عز وجل لا يجيء ولا يأتي، هكذا يقولون. فقالوا: هذا المجيء المراد به مجيء ملك أو مجيء رحمة أو مجيء بعض آيات الله. فهذا، كما قلنا، كله باطل. والذي أوقعهم في هذا، قالوا: لأننا لو قلنا: المجيء إنما يكون للأجسام. وأيضا المجيء يحتاج إلى تحرك من مكان إلى مكان، والله عز وجل منزه عن المكان، هكذا يقولون. وأيضا إذا قلنا: مجيء، أنه في حيز، عندما يأتي، معنى ذلك أنه في حيز، مكان محجوز، يأتي إليه، فيضيق، معنى يأتي من مكان إلى مكان. ومعنى ذلك أن نتحيط به الأشياء. فقالوا: مثل هذه الأشياء لا تليق بالله جل وعلا. وسبحان الله، هؤلاء يمثلون الله عز وجل بالمخلوق أصلا. يمثلون الله عز وجل بالمخلوق. ولو أنهم عظموا الله عز وجل، ما قالوا مثل هذا. الله عز وجل قال: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فمجيء الله عز وجل ليس كمجيء المخلوق، انتقال من مكان إلى مكان، أو حركة كما يقولون. لأنهم قالوا: هذا المجيء معنى لو قلنا: مجيء، معنى يحتاج إلى حركة، يحتاج إلى انتقال، يحتاج إلى حيز، يحتاج إلى كذا. وهذا كله في المخلوق. أما الخالق جل وعلا، ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى. ولو أنهم قالوا مثل ما قال أهل السنة: مجيء يليق بجلاله وعظمته، لا نعرف كيفيته، فراحوا واستراحوا. لكن أراد الله عز وجل بهم الضلال، فجاءوا مثل هذه الأشياء التي يضحك منها العارف باللغة. يعني كيف تأتي مثل هذه الآية، ثم يقدرون لها تقديرا هذا ما يصلح. لو حتى مثلا المعنى مثلا الذي يذكرونه صحيح، لكن دخول دخول هذه الأشياء في الآية يعتبر أسلوبا ركيكا. «هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك» معنى هنا جاء بالرب جل وعلا بعد الإتيان «أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك». قال رحمه الله: أخذ أيضا الصفة هنا. قال: وقوله تعالى: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ هذه صفة الرضا أيضا من الصفات الفعلية، الصفات الفعلية المتعدية إلى المخلوق. والرضا على قسمين: إما رضا عن الذات، عن ذات، عن شخص، مثل قول الله عز وجل: ﴿قد رضي الله عن المؤمنين﴾. أو يكون عن فعل، ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾، فيكون عن المفعول وعن الفعل. الرضا رضى الله عز وجل عن المفعول وعن الفعل. ورضى أيضا صفة فعلية تليق بجلال الله عز وجل وعظمته. وأولها الجهمية والمعتزلة بأنها الثواب. قالوا: الرضا والمحبة وكذا يقولون هذا الثواب. والأشاعرة يقولون: إرادة الثواب، لأنهم يثبتون الإرادة لله، فيقولون: إرادة الثواب. «رضي الله عنهم» أي أراد الله عز وجل أن يثيبهم. وهذا كلام باطل، لأنه إخراج اللفظ عن ظاهره، وتقدم معنا أن إخراج اللفظ عن ظاهره يحتاج إلى قرينة تدل عليه. وكذلك أيضا هنا قولهم: أنه إرادة الثواب أو الثواب، يقال لهم: لماذا أنتم نفيتم هذه الصفة؟ فيقولون: مثلا هذه الصفة صفة مخلوق، المخلوق هو الذي يرضى ويغضب ويحب وكذا وكذا. قالوا: هذه صفات المخلوق. فقال لهم بعض أهل السنة، قال للجهمية والمعتزلة: أنتم هل الله عز وجل موجود؟ قالوا: نعم موجود. طيب قال لهم: هل أنتم موجودون؟ قالوا: نعم نحن موجودون. طيب هذه الصفة أيضا أثبتتموها لله وأثبتتموها لأنفسكم. كيف تثبتون الصفات لله وتقولون أن الصفة التي تكون في المخلوق لا تكون في الخالق؟ طيب هذه صفة الوجود، صفة في الخالق وفي المخلوق. فلماذا نفيتم تلك الصفات وأثبتتم هذه الصفة؟ أما غلاة الجهمية الفلاسفة، قالوا: لا موجود ولا معدوم. فمن الجهمية من قال: لا موجود ولا معدوم، جمعوا بين النقيضين، جمعوا بين الوجود والعدم. وهذا شيء لا يكون إلا في الأذهان، ما يكون في العين. ما في شيء نقيض يجتمع. وإنما شيء في الأذهان ممكن تفكر للإنسان يجده في ذهنه في الخيال، هذا شيء في الخيال. وإلا في الواقع فهو تناقض. كيف يكون موجود ومعدوم؟ كيف يكون موجود ومعدوم؟ فلهذا فهذا كلام باطل. وأما القرامطة الفلاسفة، قالوا: لا موجود ولا معدوم. وبعضهم قال: لا من الجهمية، كما ذكر شيخ الإسلام في التدمرية، وذكره أيضا في درة تعارض العقل والنقل، وتأسيس التقديس، والرد على تلبيس الجهمية، قال: أن بعض الجهمية يقول: أن هذا لا موجود ولا معدوم مثل الجدار. انظروا أرادوا أن يفروا من تشبيه الله عز وجل بالمخلوق، فشبهوه بالجماد، فقالوا: مثل الجدار. الجدار لا معدوم ولا موجود، معنى ما يتكلم ولا له إرادة ولا له شيء. فهو موجود لكنه كالمعدوم. وهذا كلام باطل كما قال شيخ الإسلام، لأن الجدار، الله عز وجل قال: ﴿فأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما﴾ إلى أن قال جل وعلا: ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما﴾. أو قال جل وعلا: ﴿فوجد فيها جدار يريد أن ينقض﴾. فالله عز وجل ذكر أن الجدار له إرادة، فقال: «يريد أن ينقض»، أن يسقط هذا الجدار. فذكر صفة لهذا الجدار. فمعنى أن الجدار أيضا له صفات وله إرادة. فقولهم: أنه لا إرادة له وأنه موجود ومعدوم، فهذا كلام باطل. وأيضا باطلهم أنهم شبهوا الله عز وجل بالجمادات. فروا من أن يشبهوا بالمخلوقات بالبشر، وشبهوه بالجمادات. وهذا لسوء قصدهم. فالمهم أن هؤلاء المعتزلة والجهمية ما أصابوا في هذا. أما الأشاعرة، الأشاعرة قالوا: إرادة الثواب. فقال لهم أهل السنة: لماذا أنتم نفيتم هذه الصفة، صفة الرضا؟ طيب أنتم الآن تثبتون سبع صفات: حي، عليم، سميع، بصير، متكلم، والكلام له كذا، السمع والبصر، يعني يثبتون سبع صفات، ولا يثبتون غيرها. يثبتون أن السبع الصفات وأحوالها: أنه سميع بصير وكذا. فقال لهم أهل السنة والمعتزلة: كذلك لماذا أنتم أثبتتم سبع صفات ونفيتم البعض الآخر؟ قالوا: هذه العقل لا يحيلها في إثباتها لله عز وجل، لا يحيل إثباتها لله. فقال لهم أهل السنة: أن إثبات الصفات كلها العقل يثبتها لله عز وجل، لأنها تليق بجلاله وعظمته. فلماذا نفيتم تلك الصفات كلها وأثبتتم السبع الصفات هذه؟ فلهذا فهم وقعوا في التناقض. ولهذا مذهب الأشعري تناقضه أكثر من مذهب المعتزلة وأكثر من الجهمية، لأنهم أرادوا أن يجمعوا بين مذهب أهل السنة ومذهب أهل البدع، فتناقضوا. ولهذا ألف بعض المعاصرين رسالة سماها: تناقض الأشعري في الاعتقادات. تناقض الأشعري في الاعتقادات. وقد نبه عليه شيخ الإسلام في أكثر موضع، على أنهم تناقضوا في اعتقاداتهم، لأنهم أخذوا مذهب المعتزلة ومذهب أهل السنة وخلطوه. فلهذا ظهر هذا التناقض في مذهبهم. فخلاصة ما يقال: أن هذه الصفات صفات فعلية لله عز وجل، نثبتها لله سبحانه وتعالى على ما تليق بجلاله وعظمته. والله أعلم.