العبر والعظات من الكوارث والمدلهمات

الخطبة بعنوان العبر والعظات من الكوارث والمدلهمات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 30 صفر 1445هـ الموافق 15 سبتمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التأمل في الكوارث وتذكير بقدرة الله

يبدأ الخطيب بالتحدث عن الكوارث الطبيعية ويستخلص منها العبرة والعظة، مؤكدًا على عظمة الله وقدرته. يُذكّر الناس بأن هذه الكوارث هي جند من جند الله.

التوجيه الديني لمواجهة الكوارث

يجب مواجهة الكوارث بالتوبة والإنابة وكثرة الدعاء والاستغفار، والله لطيف بعباده المؤمنين. ينبغي للمسلم أن يحمد الله ويشكره على نعمه في كل الأحوال.

أثر الكوارث في تكفير السيئات

الكوارث تحمل تكفيرًا للسيئات ورفعة للدرجات، ويجب على المسلمين إعانة إخوانهم ويدعون لهم. يظهر لطف الله ورحمته على أمة الإسلام من خلال هذه الكوارث.

دعاء شامل للمسلمين

دعاء يطلب المغفرة للمسلمين الأحياء والأموات، ويشمل طلب الإصلاح وزيادة الخير وراحة من الشر. ينتهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيم صفات المؤمنين العقلاء والمسلمين الفضلاء، أصحاب العقول الرشيدة والفطر السليمة، أنها تعتبر بكل ما تسمع وترى، وتتعظ بكل ما يجري حولها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. وإن مما ينبغي أن نستذكره في هذا المقام ما قد سمعنا بحصوله قبل أيام من كوارث وقعت متتابعة لبعض ديار أهل الإسلام، من زلزال وفيضان، ومن أعاصير وأمطار خلفت خسائر كثيرة في الأرواح والممتلكات والأموال، كما هو الحاصل في بلاد ليبيا والمغرب الحبيب، كان الله في عون الجميع. عباد الله، إن من وقفات نقفها، وعبر وعضات نستفيدها من هذه الكوارث التي حلت بنا، أن نعلم أولًا مدى عظمة الرب، وهو سبحانه القاهر فوق عباده، لا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماء، فالكون كونه والخلق عبيده، يفعل ما يشاء جل في علاه. فما هذه الأرض والسماوات وما حوته من جبال وبحار ومحيطات إلا تحت سلطانه وقهره وتحت إذنه وأمره، قال جل في علاه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. فما هي إلا مخلوقات من خلقه تنقاد تحت أمره وبإذنه، فبإذنه تزلزل الأرض تحت الأقدام، وينهار كل ما عليها من بنيان وعمران، وبإذنه تتحرك الأعاصير فتذهب ذات اليمين وذات الشمال، وتقتلع كل من أمامها من عظيم أو حقير، فتهوي به إلى مكان سحيق. وبإذنه تفيض الفيضانات فتغرق الأراضي اليابسات وتجعلها مستنقعات وبحيرات، وتقضي على كل أشكال الحياة، فما هذه الكوارث إلا جند من جند الله يبعثها الله لمن شاء من الأنام، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. إن الله جل وعلا يرسل هذه الآيات تخويفًا للعباد، ولبيان ما قد وصلوا إليه من سوء الأحوال، فكان هذا التخويف وهذا الإنذار كما قال سبحانه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. وقال عليه الصلاة والسلام في ظاهرتي الكسوف والخسوف: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، يخوف الله بهما عباده». ومن هنا وجب على أهل الإسلام إذا أرادوا أن يدرأوا عن أنفسهم هذه الكوارث الجسام، فعليهم أن يقبلوا بقلوبهم وقالبهم إلى العزيز العلام، وذلك بالتوبة والإنابة، وبالتدين لله مع الاستقامة، وبالتزام الطاعة والقربة والعبادة، وبكثرة الدعاء والتضرع والالتجاء والاستغفار. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «الدعاء والصدق والأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء»، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا رأيتم منها شيئًا فأفزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره»، «الاستغفار من الذنوب وما حصل من العيوب، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون». وإن من الوقفات مع هذه النوازل المؤلمات أن نعلم مدى سعة رحمة الرحمن على أمة الإسلام، نعم إن هذه الكوارث أدت إلى خسائر فادحة في أرواح المسلمين وفي ممتلكاتهم، ناهيك عما جر ذلك عليهم من الهموم والغموم ومن الأوجاع والأحزان. إلا أنه ينبغي أن نعلم أن هذا البلاء كان محفوفًا بلطف الله جل في علاه، وكيف لا وهو القائل جل في علاه: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «إنما يصيب المسلم من الشرور والفتن والأذى دون ما يصيب الكفار، والواقع شاهد بذلك، فلا مقارنة بين ما يصيب أهل الإسلام مع ما يصيب الكفار، فلا مقارنة بين أعاصيرهم وأعاصيرنا، وبين زلازلهم وزلازلنا، وبين خسائرهم وخسائرنا». وانظر وتمعن وتأمل يا عبد الله في الإحصائيات تنبيك بكل يقين، فإنما يبتلى به أهل الإسلام أخف بكثير مما يبتلى به أعداء الدين، وهم أصداق لقول الله جل في علاه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. ومن هنا كان المثلم عليه أن يحمد الله في كل أحواله، وأن يشكره في كل أحيانه، في سرائه وضرائه ونعمائه، ﴿مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال»، فالله فالله يحمد في كل أحواله، وفي كل شؤونه، فيما يوقعه من السراء وما يوقعه علينا من الضراء. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، ومما يظهر كذلك جليًا ما فيه من لطف الله وبرحمته على أمة الإسلام، من خلال ما يقدرها عليه من كوارث جسام، أن جعل الله جل وعلا فيها ما جعل من التكفير للسيئات والتطهير للذنوب والخطيئات، وما فيه رفعة للدرجات، إذا كان المسلم يؤجر على همه وعلى حزنه وغمه، حتى الشوك يشاكها يؤجر عليها. فما ظنك إذا ابتلي بأعظم من ذلك؟ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أمتي أمة مرحومة، ليس عذابها في الآخرة، إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل»، إن الله جل وعلا رحم هذه الأمة، فما جمع عليها من عقوبتين، فإن كانت عقوبة الدنيا فهي رافعة لعقوبة الآخرة، فما أرحم الله بعباده، وما أجمل لطفه جل وعلا في خلقه. إن التفكر والتأمل في مثل هذه الأمور لا يجب علينا حسن الظن بالله دائمًا وأبدًا، وأن نعلم أن الله جل وعلا ما أراد في أقداره إلا الخير في هذه الأمة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. عباد الله، وإن من الوقفات ما نحن بصدد ما ينبغي أن يكون عليه أهل الإسلام من سرعة وقوفهم مع إخوانهم بإعانتهم ومعونتهم، ومدد العون لهم، فإن ذلك من حقوق المسلمين بعضهم على بعض. قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». فما دمت يا عبد الله في عون إخوانك، فالله جل وعلا يكون في عونك، وإن الإنسان لا يعين في هذا المقام بما يقدر عليه، فمن استطاع أن ينفعهم بنفسه وبخدمته فليفعل، ومن استطاع أن ينفعهم بماله ونقوده فليفعل. فعندما أتوا أهل مضر إلى رسول الله وقد بلغوا الفاقة والضيق والحرج، صعد نبينا على المنبر حاثًا الناس على إعانة إخوانهم وعلى معونتهم بأي صورة من صور الإعانة، فقال عليه الصلاة والسلام: «تصدق رجل من دينار، تصدق رجل من درهم، تصدق رجل من ثوبه، من صاع بره، من صاع شعيره... إلى أن قال: ولو بشق تمرة، ولو بشق تمرة». يدفعهم عليه الصلاة والسلام دفعًا في عدم ترك إخوانهم، وإن عجزنا عن بذل الأسباب من أموال وأغراض، فلا نعجز عنهم بدعائنا، بما يكون من اضطراب قلوبنا، وذلك بأن نستشعر بفداحة ما أصابهم، وبعظيم ما حل بهم، فنسأل المولى جل وعلا أن يتقبل موتاهم، وأن يشفي جرحاهم، وأن يعافي مبتلاهم، وأن يقر أعينهم بمن ضاع من أحبابهم، وأن يجمع شملهم بقرابتهم وأحبابهم، وأن يخلف عليهم بخير، وأن يدفع عنهم كل سوء وشر وضير، وأن يغنيهم من فضله، وأن يحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.