الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول العلماء مسألة العلو والاستواء لله عز وجل، وألفوا كتبًا كثيرة في هذا الموضوع. هناك إجماع على علو القدر والقهر، بينما حصل خلاف في علو الذات بين الجهمية والمعتزلة والأشاعرة.
أجمع السلف على إثبات صفة العلو والاستواء لله تعالى، وأثبتها أئمة السلف مثل الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري. الجهمية والمعتزلة كانوا أول من أنكر هذه الصفة.
كان السلف يحنقون على من ينكر علو الله تعالى، وقام بعض الأمراء بقتل بعض المخالفين. كما أثبت أئمة الأشعري مثل الباقلاني العلو والاستواء، مما يدل على توافقهم في تفسير بعض الصفات الإلهية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا مسألة العلو والاستواء، ولا شك ولا ريب أنها صفات ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. والعلو أيضًا بالفطرة. قال وقد ألف العلماء في مسألة العلو وفي أدلتها كتب كثيرة. ألف الإمام ابن القيم الصواعق، كلها معنى رد على الجهمية، أكثرها في مسألة العلو. وأيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رد في عدة كتب على الجهمية، منها في نقض التأسيس في رد على تلبيس الجهمية، وكذلك أيضًا في أكثر كتب الردود، وفي كتابه الذي ألفه في الرد على الرازي، وهو كتاب "تعارض العقل والنقل". صحيح أنه جاء بكل القواعد التي عند الأشاعرة خاصة، والتي ذكرها الرازي، ونقضها بكتاب الله، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكلام السلف، وأيضًا نقضها بالعقل. وأكثر ما تكلم في هذه المسألة في مسألة العلو. وألف أيضًا الإمام ابن قدامة كتابًا في العلو، ذكر الأدلة. وأيضًا ألف الإمام الذهبي رحمه الله كتابين في العلو، ألف كتاب "العلو للعلي الغفار"، وذكر فيه أدلة من الكتاب والسنة. كذلك ذكر الإجماع، ثم ذكر أقوال السلف الذين أثبتوا العلو لله عز وجل، علو الذات. أما علو القدر وعلو القهر فهذا لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنما حصل الخلاف في علو الذات. وأنكر الجهمية علو الذات، وأنكرته أيضًا المعتزلة، وكذلك معظم الأشاعرة. إلا أن بعض الأشاعرة المتقدمين، كأبي الحسن الأشعري نفسه، وكذلك تلميذه الباهلي، وكذلك تلميذ تلميذه أبو بكر الباقلاني رحمه الله أيضًا، أثبت العلو وأثبت الاستواء في كتبه. وحصل الانحراف عند الأشاعرة خاصة في العلو والاستواء متأخرًا. يقال إن أول من أنكر ذلك هو الإمام الجويني، وقيل غيره. فهذا ما أشبه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله. فهنا بيّن الشيخ أن هذا بإجماع السلف. وقد حكى إجماع التابعين الإمام أبو عمر الأوزاعي رحمه الله تعالى، قال: "كنا نقول والتابعون متوافرون: إن الله على عرشه مستو، ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات". هكذا قال أبو عمر الأوزاعي رحمه الله تعالى يحكي إجماع السلف، إجماع التابعين. وقد أدرك الأوزاعي عدة من التابعين، منهم قتادة، ومنهم سليم بن عامر وغيرهم من أهل الشام، ومنهم ثابت البناني وغيرهم من أهل مصر، وكذلك من أهل المدينة وغيرهم ممن أدركهم الأوزاعي رحمه الله. وكذلك ثبت عن جماعة من السلف من أئمة السلف، بل هم الذين يرجع إليهم العلم، ويرجع إليهم قدوة الأمة، مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وكذلك سفيان بن عيينة، وغيرهم من أئمة ذلك الوقت، عبد الرحمن بن مهدي، يحيى بن سعيد القطان، وغيرهم من هؤلاء، كلهم يقولون بعلو الله جل وعلا. وقد ذكر الإمام أبو حاتم، وكذلك أبو زرعة في كتابيهما "عقيدة الرازيين" التي ألفها عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: "أدركنا العلماء في الشام، واليمن، ومكة، والمدينة"، وذكروا عدة بلدان، قالوا: "أدركناهم يقولون هذا"، وذكروا من هذه المسائل الاستواء. فلا شك ولا ريب أن السلف أجمعوا على إثبات الاستواء والعلو، ولم ينكر هذا الاستواء والعلو إلا بعض المتأخرين، من اتبع الجهمية والمعتزلة. وأول من أنكر ذلك الجهمية. ولهذا ذكر الإمام البخاري رحمه الله في كتابه "خلق أفعال العباد" أن عن بعض السلف قال: "كنت مع الجهم بن صفوان"، وهو إمام الجهمية، قال: "فسمعته يقول: لما قرأت عليه ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قال: لو استطعت أن أحك هذه الآية لحككتها بيدي". أنا يقول: لو استطعت أن أمسح هذه الآية بيدي لأمسحتها من المصحف. فانظر إلى أين وصل هؤلاء. ولهذا حنق عليه سالم بن أحوز لما سمع هذه المقالة، أن كانت هذه المقالة غريبة جدًا. لما سمعها خالد بن عبد الله القسري، مع أنه فيه ظلم وفيه تعسف في إمرته وفي حكمه، إلا أنه لما سمع هذه المقالة من الجعد بن درهم، فجاء به إلى يوم النحر، فذبحه، وقال: "ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا". وهكذا لما سمع سالم بن أحوز وكان من الأمراء في زمن بن العباس، سمع أن الجهم بن صفوان يقول هذه المقالة، وينكر العلو، وينكر الأسماء، ثم إن جهم بن صفوان هذا خرج مع حارث بن سريج من الخوارج، فعلم سالم بن أحوز أن جهم كان معهم، فأرسل الجيش الذي أرسله معهم، وطلب منهم أن يأتوا له بالجهم، فأسروا الجهم، وجاءوا به إلى سالم بن أحوز، وقال: "والله لما سمعت هذه المقالة أنها صدرت منك، عاهدت الله عز وجل أني لا ألتقي بك إلا وأقتلك". ثم قتله. فهذه المقالة كانت منكرة جدًا في عهد السلف، أنكرها الأمراء فضلًا عن العلماء. ونقل الإمام البخاري رحمه الله في "خلق أفعال العباد" عن حماد بن زيد أنه كان يقول: "إنا لنحكي قول اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي قول الجهمية من إنكار العلو، وغيرها من هذه الدواهر التي جاءوا بها". فلهذا أجمع السلف على علو الله عز وجل، مستو على عرشه. وأن هذه المقالة ما أنكرها إلا بعض الجهمية والمعتزلة، ثم بعدهم الأشاعرة المتأخرين. وليس كما قلنا الأشاعرة الذين تقدموا لم ينكروا هذه المقالة، بل كما قلنا أثبتها أبو الحسن الأشعري في ثلاثة من كتبه، في "رسالة إلى أهل الثغر"، وأيضًا في "مقالات الإسلاميين"، وأخيرًا ذكره في "الإبانة". وكذلك أيضًا أبو بكر الباقلاني وغيرهم من أئمة الأشعري أثبتوا العلو والاستواء.