التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 45

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 45

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 45، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خمس مسائل مستنبطة من قصة نذر البوانة

يستعرض المقطع خمس فوائد علمية مستفادة من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار وسؤاله للرجل الذي نذر النحر ببوانة. ومن هذه الفوائد بطلان العبادة في المواضع المبنية على معصية، وتأثير المعصية والطاعة في حرمة البقاع، وقاعدة رد المسألة المشكلة إلى البينة بالاستفصال، ووجوب استفصال المفتي، وجواز تخصيص البقعة بالنذر بشرط خلوها من الموانع.

أحكام النذر في أماكن العبادة الجاهلية والأعياد

يشرح المقطع موانع النذر في البقاع التي كان فيها وثن أو عيد جاهلي حتى بعد زوالهما، مبيناً أن النذر فيها يعد نذر معصية لا يجوز الوفاء به وتجب فيه كفارة اليمين. كما يؤكد أن التشبه بالمشركين في أعيادهم محرم بمجرد الفعل ولو لم يقصد الناذر التشبه، مستدلاً بأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين.

أحكام النذر في المعصية وما لا يملك

يوضح المقطع أن النذر في معصية ينعقد ويلزم صاحبه الكفارة دون الوفاء به، وأن النذر فيما لا يملكه الإنسان شرعاً أو قدراً لا يصح. وتكون كفارة النذر لله ككفارة اليمين: عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة لمن لم يجد.

خاتمة الباب والتمهيد لباب النذر لغير الله

أعلن المتحدث الانتهاء من الباب الحالي، وأشار إلى أن الحلقة القادمة ستتناول باباً من أبواب الشرك وهو النذر لغير الله. ثم شكر المشاهدين على المتابعة وحسن الاستماع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام المفسر، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد": المسألة الأولى: تفسير قوله: "لا تقم فيه أبداً". وعرفنا معنى هذا النهي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي الله في هذا المسجد، ولكن هذا المسجد لما بني على غير تقوى من الله، وإنما بني ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، نهى ربنا عز وجل نبيه أن يقوم فيه وأن يصلي فيه. وهكذا لا يُعبد ربنا سبحانه وتعالى في مكان يُعصى الله فيه، ومن ذلك النذر في مواطن الشرك والوثنية وأعياد أهل الجاهلية. المسألة الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة. المعصية تؤثر فتحرم هذه الأرض بسبب هذه المعصية العبادة عليها والطاعة فيها. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سأل هذا الرجل: هل فيه وثن من أوثان أهل الجاهلية؟ فلو كان فيه وثن، منعه النبي صلى الله عليه وسلم من أن يعبد الله عز وجل في هذه الأرض، وأن يذبح لله في هذه الأرض. وكذلك الطاعة تؤثر على هذه الأرض، فانظروا إلى بلد الله الحرام، لما كانت أرض طاعة وفيها المسجد الحرام، كم يتردد إليها من العباد ومن المسلمين من بين راكع وساجد وطائف وخاشع وداعٍ. فالطاعة تؤثر على الأرض كما أن المعصية تؤثر على الأرض، فتأثير المعصية بهجران هذه الأرض، وتأثير الطاعة بالإقبال على هذه الأرض. قال الشيخ ابن عثيمين: لما كانت هذه الأرض مكان شرك، حرُم أن يعمل الإنسان ما يشبه الشرك فيها لمشابهة المشركين، كما تقدم معنا. المسألة الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال. وهذا مأخوذ من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل. الآن هذا أمر مشكل، ما هو هذا الأمر المشكل؟ تخصيص هذا الرجل للنذر في هذا المكان، هذا أمر مشكل، لماذا لا يعني اختار هذا المكان وخص هذا المكان بالنذر؟ "إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة"، هذا أمر مشكل. فأرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأمر البين، فاستفصل منه: هل فيه وثن من أوثان أهل الجاهلية؟ هذا الاستفسار رد المشكل، أو رد نعم المشكل إلى البين، رد المشكل إلى البين، يريد أن يتبين منه من أجل أن يزول هذا الإشكال الذي علق في الذهن، وهو تخصيص هذا المكان من دون غيره من الأماكن. فهذا معنى قوله: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال. وهذا في كل مسألة تشكل عليك، لابد أن تتبين فيها حتى ترد المشكل من هذه المسألة إلى البين مما عرف من هذا الدين. المسألة الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك. يعني المفتي ما يفتي مباشرة، خصوصاً في المسائل المشكلة، وإنما ينبغي عليه أن يستفصل: لماذا كذا؟ ولماذا كذا؟ حتى يتبين له صورة السؤال، صورة السؤال. فلو لم يستفصل ربما أفتى فوقع في الخطأ، لأنه لم يفهم السائل ولم يعلم مراده وكذلك مقصده. فهذا أمر مهم جداً في الفتوى أن يستفصل المفتي من المستفتي. المسألة الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمضى هذا النذر مع أنه خصصه في مكان، فلا بأس أن تنذر مثلاً في مكان، لكن بشرط كما تقدم أن يخلو من الموانع. ما هي الموانع؟ لا يكون هذا المكان فيه وثن من أوثان الجاهلية، أو فيه عيد من أعيادهم، أو فيه عيد من أعيادهم. مثلاً: نذر أن يذبح نذراً في طيبة، هو من الشحر مثلاً، قال: أريد أن أذبح وأنذر، نذرت أن أذبح كبشاً في طيبة. لا بأس، فالشيء ما، عندنا يذبح هنا، ما فيه هنا لا وثن ولا عيد من أعياد الجاهلية ولا شيء، فلا بأس أن يذبح. لكن الشيخ العثيمين أيضاً ذكر مانعاً آخر غير ما ذكر في الحديث، فقال: لكن لو يخشى أن العوام يعتقدون أن في هذا المكان مزية، لكان ممنوعاً. المكان هذا طيبة مثلاً، ما فيه وثن وما فيه يعني عيد من أعياد الجاهلية، لكن لو رأى العوام أن الناس يتحرون يتذبح في طيبة، يقولون: إذن هذا طيبة لها ميزة، وهذا طيبة فيه سر، يعني ليش الناس يذبحون إلا في طيبة؟ فربما يعتقدون أن النذر في طيبة أفضل من غيره، فالكل يأتي ويذبح في طيبة، تصير طيبة مثل يعني ماذا؟ المزار يزار ونحو ذلك. لا، هذا كذلك يمنع، هذا يعد مانعاً إذا كان هناك فتنة لعامة الناس. هذا معنى كلام الشيخ عثيمين عليه رحمة الله. المسألة السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله. نعم، قد يقول قائل: هذا الزمان كان هنا وثن، لكن ذهب هذا الوثن وخلاص، لا يوجد له أثر. قال: لا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هل كان فيه وثن؟ هل كان فيه...؟" كان هذا فعل ماضٍ، يعني هل كان في الزمن الماضي فيه وثن من أوثان الجاهلية، والآن ما يوجد فيه؟ فهكذا لو زال هذا الوثن، فيبقى أنه يبقى أنه عن النذر في هذا المكان، ولو بعد زواله. المسألة السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله. قالوا: كان زمان الناس يجتمعون في هذا المكان للعبادة مثلاً، أو لاعتقاد في هذا المكان، أو لمشهد أو نحو ذلك. كان لا، أيضاً يمنع منه، يمنع من النذر في هذا المكان، ولو زالت تلك الأعياد وانتهت. المسألة الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة، لأنه نذر معصية، لأنه نذر معصية. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنه لا نذر في معصية الله». ذكر هذا بعد ماذا؟ بعد استفصال النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الرجل في سبب تخصيصه النذر في هذا المكان. فهذا يعد من نذر المعصية، ليس من نذر الشرك، لأنه هو نذر لله، نذر لله، لكن من نذر لله في مكان يعبد فيه غير الله، فهذا يعد من نذر المعصية، من نذر المعصية. ففيه كفارة اليمين، ولا يجوز الوفاء به. لو قال قائل: أنا نذرت أن أذبح لله، أن أذبح لله في موقع زيارة هود، وليس في وقت الزيارة، في زمن آخر، في وقت آخر. يقال له: هذا ما يجوز، هذا نذر معصية، هذا نذر معصية، لأن هذا المكان فيه عيد من أعياد أهل الجاهلية، فلا يجوز النذر فيه، لا يجوز النذر فيه، ولو كان هذا النذر لله. المسألة التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده. قال: نص شيخ الإسلام على أن حصول التشبه هذا، الشيخ ابن عثيمين أضاف وشرحه، فقال: نص شيخ الإسلام على أن حصول التشبه لا يشترط فيه القصد، لكنه مع القصد يكون أشد إثماً. هذا فيه رد على بعض العوام، رد على بعض العوام الذين يقولون: نحن نذهب إلى هذا المكان ونذبح من باب النزهة، ليس قصدنا التشبه، لا نقصد التشبه بهؤلاء، لأن هناك مثلاً في مكان نبي الله يوجد ظلال، أو يوجد بناء، أو يوجد ماء، أو نحو ذلك، فنحن نذهب فقط من أجل أن نزهة، وفي غير الزيارة. فيقال لهم: هذا لا يجوز، لا يجوز هذا، لأن فيه تشبه بالمشركين. نحن ما نقصد التشبه، يقال: ولو لم تقصد التشبه، ولو لم تقصد التشبه، فالقصد ليس شرطاً في النهي، وإنما مجرد الفعل يكون صاحبه متشبهاً. على سبيل المثال: مثلاً في اللباس، إنسان مثلاً حلق حلاقة لأحد الكفار، تشبه به في هذا، فلما نصح قال: أنا بس أردت الزينة، عجبتني هذه الحلاقة فحلقتها، ما أقصد التشبه، ما أقصد أني أتشبه بفلان، ولا خطر هذا في بالي، وإنما عجبتني هذه الحلاقة فحلقتها. فيقال له: ولو لم تقصد، ولو لم تقصد، فالتشبه حاصل بمجرد الفعل. هذا معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فالتشبه لا يجوز بأي حال. من هذا الحديث فيه الحذر من مشابهة المشركين. طيب، هذا الرجل الآن الذي نذر أن ينحر إبلاً ببوانة، ما قصد التشبه، صح؟ لو قال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل فيه وثن؟ قال: نعم، لكن أنا نذرت لله وما قصدت التشبه، فهل سيجيز له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ ما يجيز له ذلك، ولو لم يقصد التشبه، ولو لم يقصد التشبه، مجرد الفعل يكون تشبه. المسألة العاشرة: لا نذر في معصية. قال الشيخ المعثمين: المعنى أن النذر ينعقد ولكن لا يوفى، وقد مر معنا في تفصيل وجدولة أنواع النذر هذا المعنى. أن نذر المعصية ينعقد، بمعنى ينعقد يلزم صاحبه بالكفارة، ولو لم يُعقد لما أُلزم بذلك، لما أُلزم بذلك. ولكن لا يجوز له الوفاء، نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، لكنه ينعقد، فينتقل صاحبه من الوفاء به لأنه معصية إلى النذر، إلى الكفارة، إلى الكفارة. فهذا دليل على ماذا؟ على انعقاده، ولو لم يكن منعقداً لما أُلزم بالكفارة، لما أُلزم بالكفارة. هذا معنى كلامه رحمه الله. المسألة الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، أي لا وفاء، يعني لا يجوز له الوفاء بالنذر الذي نذره وهو لا يملكه. قال: وما لا يملكه قسمان، الذي ما يملكه ابن آدم في نذره قسمان: شرعاً، يعني لا يجوز له أن يفعل ذلك شرعاً، أما قدراً قد يكون، لكن شرعاً لا. مثاله قال: كما لو قال: لله علي نذر أن أعتق عبد فلان، فلا يصح لأنه لا يملكه. أنا عندي عبد، قال أحدكم: علي نذر أن أعتق عبد أبي معاد. طيب، أنا هذا عبدي، مش عبدكم، كيف أنتم تعتقونه؟ أنتم ما تملكون هذا، ولم أأذن لكم بذلك. فهذا لا يملكه ابن آدم شرعاً، لأن العتق مما حث عليه الشرع، لكن حث عليه الشرع في من يملك، لا فيما لا يملك، لا في من لا يملك. نعم، هذا معنى قوله: شرعاً لا يملكه الإنسان شرعاً. والنوع الثاني: لا يملكه الإنسان قدراً، لا يمكن هذا في قدر الله، بمعنى ليس للإنسان أن يفعل ذلك قدراً، لأنه ليست من قدرته ولا من جبلته، فلا يستطيع أن يفعل ذلك إلا أن يشاء الله، والله على كل شيء قدير. لكن المراد قدراً فيما هو يجري على عامة الخلق، على عامة الخلق من الأقدار. مثال ذلك قال: كما لو قال: لله علي نذر أن أطير بيدي. إنسان قال: علي نذر أن أطير بيدي. يقول: لا يطير يا شاطر، إيه تفضل، هل يستطيع؟ لا يستطيع، لأن هذا ليس من قدرة الإنسان. إنسان قال: علي نذر أن أمشي على البحر برجلي. هل يستطيع ذلك؟ لا يستطيع، إذا كان يملك الجن والعفاريت يمكن يفعل ذلك وهو كاهم، أما من طبيعة البشر لا، يغرق الإنسان إذا مشى على رجليه، ولا يسبح، يغرق. فهذا لا يستطيعه الإنسان، ولا يملكه الإنسان قدراً، فهذا لا يجوز أن ينذر به الإنسان. قال الشيخ: كفارة النذر لله كفارة اليمين. كفارة النذر لله كفارة اليمين. ومعنى كفارة اليمين هذا إذا كما تقدم عجز عن النذر، نذر لله. انظر قوله: كفارة النذر لله، أما كفارة النذر لغير الله هذا تقدم معنى أنه شرك، وأنه لا ينعقد، وهو كالحلف بغير الله، فليست فيه كفارة، وإنما فيه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. لكن الكلام هنا على كفارة النذر التي هي لله، أو كفارة النذر لله لكنها في معصية كما تقدم معنى. فهذا لا يوفى بها، وعلى صاحبها كفارة اليمين. فكفارة النذر لله ككفارة اليمين. وما هي كفارة اليمين؟ يخير بين عتق رقبة مسلمة، وهذا لا يوجد في زماننا، أو إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الإنسان أهله، أو كسوة هؤلاء العشرة من أوسط ما يكسو به نفسه وأهله. فإن لم يستطع الإطعام انتقل إلى الصيام، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، نعم، في آية الكفارة: ﴿فَإِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾. وتكون هذه الثلاثة الأيام ثلاثة أيام متتابعة، جاءت قراءة تفسيرية: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ﴾، فاشترط الفقهاء في هذه الأيام الثلاثة أن تكون متتابعة متوالية، لا يفرق بينها. طيب، وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، ويوم قد إن شاء الله ندخل في باب من الشرك: النذر لغير الله. إلى هنا، والله تعالى، شكراً للمشاهدة.