شرح كتاب التوحيد 180

شرح كتاب التوحيد 180

الدرس في شرح كتاب التوحيد 180، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

خطورة إرضاء الناس بسخط الله ومقدمة الحديث

يبدأ المقطع بتوضيح خطورة إرضاء الناس بسخط الله، ويشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين أن من يسعى لإرضاء الله بسخط الناس يرضي الله عنه ويرضي عنه الناس. يُوضح أن الخوف من الناس قد يدفع البعض لإرضائهم على حساب سخط الله.

أهمية السعي إلى رضى الله والابتعاد عن سخطه وتفسير الحديث

يشرح الحديث أهمية السعي إلى رضى الله والابتعاد عن سخطه، ويبين أن رضى الله مقدم على رضى أي أحد من خلقه، وأن الجزاء من جنس العمل. يُفصل في معنى الحديث وأثر اتباعه في حياة المسلم.

الجزاء من جنس العمل وتطبيقه العملي

يشرح أن الجزاء من جنس العمل، فمن جعل هم الآخرة همه الوحيد كفاه الله هم الدنيا، ومن تشعبت به الدنيا لم يبال الله به في أي أودية هلك. العمل الصالح يجازي به الله في الدنيا والآخرة، والعكس بالعكس.

ختام وأهمية إدراك أثر العمل الصالح

يختم الخطيب كلامه بضرورة إدراك المسلم لأثر العمل الصالح، ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله، ويصلي على النبي محمد. يُبرز أهمية الختام بالدعاء والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من التمس رضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس»، ورواه ابن حبان في صحيحه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو في ختام مبحث الاستدلال على هذا الباب، وهو باب الخوف من الله جل في علاه، فأورد وختم الباب بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، والذي رواه ابن حبان. وهكذا رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، وذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الترمذي، فهو صحيح الإسناد. وهذا الحديث كما هو موضح ومبين من كلامه عليه الصلاة والسلام: أن من سعى في رضى الله جل وعلا، رضي الله تعالى عنه وأرضى عنه الناس، ومن سعى في سخط الله جل وعلا، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. ووجه الشاهد من هذا الحديث: قد يقول قائل وأين ذكر الخوف في هذا الحديث؟ المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن من أعظم الأسباب التي توقع الناس في أنهم يسعون إلى رضى الناس على حساب أن يسخط الله عليه هو مقام الخوف، الخوف منهم. بعض الناس من شدة خوفه من الخلق، أنه يحسب لهم ألف حساب أعظم مما يجعله لله، فيخاف على ماله، يخاف على منصبه، يخاف على أي نوع من أنواع الأذى، فلهذا يسعى في رضاهم ولو أدى ذلك الرضا إلى جلب سخط الله. وانظر مثلاً، يا عبد الله، إلى ما وقع بهرقل عندما علم بمبعث رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل وتحقق لديه بأن محمد بن عبد الله هو رسول الله حقاً وصدقاً، فإذ به يجمع قومه وجمعهم في قصره الكبير، وأدخل الرعية من القواد والكبراء والوجهاء والعامة، وأمر بإغلاق الباب عليهم، ثم قام فيهم قائلاً: «يا معشر الروم، يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم؟ فتبايعوا هذا النبي». فاجأهم مفاجأة ما توقعها، يتوقع هذا الشعب النصراني: تريدون الفلاح والرشد، عليكم بهذا النبي فتبايعوا هذا النبي. إذ بقومه صاحوا وهاجوا صيحة الحمر، نفروا وأنفوا، فإذ بهم ضج الشغب وأرادوا أن يخرجوا من الأبواب، فإذ بالأبواب مغلقة. حينها علم هذا الملك أن قومه لن يتركوه، لن يسلموا برسول الله، ولن يتركوه، فخاف على ماذا؟ على منصبه. فقال: «ردوهم عليه»، فأمر بإرجاع شعبه. فلما رجعوا، قال لهم: «إنما قلت ما قلت آنفا إلا لأختبر شجاعتكم على دينكم، أنا ما أردت منكم أن ألزمكم بالإسلام، لا، لكن أردت أن أختبركم كيف أنتم؟». فأرضى الناس، أرضى شعبه على حساب أن يتصخط الله عليه. ما الذي أوداه إلى ذلك؟ الخوف من زوال ملكه، ومن زوال منصبه. وهكذا الناس، كثير من الناس، من لربما يفعل هذا، يلجأ إلى أنه يرضي الناس على حساب سخط الله بحجة الخوف، يخاف على ملكه، يخاف على تجارته، يخاف على سمعته. أذكر والله أناسا، عندما جاء من جاء من أهل الغربة، أي من الاغتراب، أتوا أناس من المغتربين إلى البلاد، قد أتوا من المملكة وأتوا من دول الخليج، وكلهم كانوا على عقيدة صحيحة، تربوا هناك على العقيدة التوحيدية وعلى السنة النبوية، ما يعرفون إلا هي. لكن لما جاءوا فوجدوا أن الموج هنا مع أهل البدع، وعلم أن المطاف سيرغمه إلى أن يقف أمام التيار، هو بعقيدة التوحيد سيقف أمام هذا التيار الجارف في البلاد، وهو التيار البدع والمحدثات والعلماء الضلال، فوجد أنه لا يقوى على المواجهة، جبن، ضعف، خاف، فماذا فعل؟ ركب معهم الموجة، أصبح معهم، يأتي بما يأتون، يزور الذي يزورون. غير ما الذي أجعلك يا عبد الله على هذا الحال؟ الخوف. لكن هل هذا خوف مجدي؟ لا، ليس بمجدي، فهذا صنف، وهم كثر، لا كثرهم الله، لربما يسعى إلى أن ينال رضى الناس على حساب أن يجلب على نفسه سخط الله، وهذا من أشغى خلق الله، للأسف. هذا الحديث، إخواني في الله، فيه بيان لهذا، ولهذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب: أن من أعظم ما يجعل الناس طلبا لرضى الناس الخوف. وهذا الحديث كذلك، وإخواني في الله، فيه مسائل أحب أن أعرج عليها. ومن هذه المسائل: أن من أعظم ما ينبغي أن يسعى له الإنسان أن يسعى إلى رضى الله، يسعى إلى رضى الله، وأنا من أعظم ما يسعى له الإنسان في الابتعاد عن أن يبتعد عن سخط الله جل في علاه. لكن هذه المساعي الحميدة، الالتجاء إلى رضى الله والابتعاد عن سخط الله، يحتاج إلى سبب، يحتاج إلى عمل. وهذا قد جاء به مصرحا في هذا الحديث، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «من التمس رضى الله»، تلتمس، تبحث يا عبد الله عن أشياء تؤدي إلى أن تنال رضى الله. وبالمقابل، الابتعاد عن سخط الله يحتاج كذلك إلى عمل. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن التمس رضى الناس بسخط الله»، فدل على أن الرضى، مقام رضى الله جل وعلا، يحتم عليك أن تتلمس هذا الباب. فليس كافٍ مثلا أن بعض منا لربما صحيح يلح على الله بالدعاء: «اللهم ارضى عني، اللهم ارضى عني، اللهم ارضى عني، اللهم اجعلني من عبادك المرضيين»، فلا يزال يسأل ربه الرضى، لكن يا عبد الله، كيف عملك مع الله؟ كيف عملك؟ لربما كان هذا الداعي قاطع لأرحامه، كان هذا الداعي عاق لوالديه، لربما كان هذا الداعي مفرط، تجده في المجال، نسأل الله يرضى عننا يا رب، اللهم ارضى عنا، وهو متكلم، هذا تارك للصلاة، من أين تأتيك رضى الله يا عبد الله وأنت محاد لدين الله؟ فهذا الحديث فيه بيان على أن من أراد رضى الله جل وعلا عليه أن يلتمس الأعمال ويبحث عن الأعمال التي توصله إلى رضى الله، فليس رضى الله مقام ينال بالدعوة وإنما يقام وينال بالالتماس والعمل. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: أن الإنسان عليه أن يعلم أن رضى الله مقدم على رضى أي أحد من خلقه، هذا الأصل، على أن رضى الله هو الأصل، مقدم على رضى أي أحد من البشر كائنا من كان. ليس هذا فحسب، بل لو أن رضى الله سيجلب عليك سخط الناس، وهذا المقام الأرفع، حينها اعلم أن رضى الله هو المقدم، الأصل أنك تسعى إلى أن تنال رضى الله. لكن أحيانا، الوصول إلى رضى الله جل وعلا ببعض الأعمال الصالحة والعبادات، لربما كان ذلك عن طريق ماذا؟ عن طريق أن يقف بينك سخط، الضيق، العداوة من الناس، يجلب عليك سخط الناس، حينها أنت يا عبد الله في مفترق الطريق، إما أن ترضي هؤلاء على حساب هذا أو حساب هذا، على حساب هؤلاء. المؤمن من الذي يفعل؟ يقدم رضى الله في السلم وفي الحرب، في الشدة وفي الرخاء، في السراء والضراء، رضى الله هو الأصل، سواء كنت يا عبد الله في العلانية أو كنت في السر، سواء كنت في حال السراء أو كنت في حال الضراء، اجعل رضى الله جل وعلا هو المقدم، إن فعلت ذلك نلت يا عبد الله أعظم الرضى والثواب من الله سبحانه وتعالى. الفائدة الثالثة مستفادة من هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، الجزاء من جنس العمل، الله يجازي العباد على ما يكون من تعاملهم معه، الله يعاملك على قدر ما تتعامل مع الله، الجزاء من جنس العمل. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «الثواب والعقاب إنما يكونان من جنس العمل، فإن هذا من العدل التي قامت عليه السماوات والأرض، هذا هو العدل عند الله، من عامل الله بصفة عامله الله جل وعلا بنفس هذه الصفة، خيرا أو شرا، خيرا أو شرا». فمن كان كما قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لقاء الله»، ما الجزاء؟ المثل، أحب الله لقاءه. ومن حفظ حدود الله، كما في حديث ابن عباس: «يا غلام، احفظ الله»، ما الثمر؟ المثل، يحفظك الله. وهكذا، من التمس رضا الله، فالله جل وعلا يرضى عنك ويجعل الخلق يرضون عنك، يعاملك الله بالمثل، فمن التمس الرضا جعل الله له الرضا، ومن عامل الله بالتماس أسباب السخط، عامله الله بالمثل، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. ولهذا، المسلم، إخواني، إذا أراد أن يعلم ما الذي عنده عند الله، فلينظر ما الذي فعل لله، فالله يعاملك بالمثل، والله لا يظلم أحدا، والله لا يظلم أحدا. وهكذا في تعاملك مع الدين، على قدر تعاملك مع دين الله، فالله يعاملك، من بنى لله مسجدا، الجواب: بنى الله له بيتا في الجنة، الجزاء من جنس العمل. قال عليه الصلاة والسلام: «من جعل الهموم هم واحدا، هم آخرته، كفاه الله هم دنياه»، الجزاء من جنس العمل، إذا كنت تصبح وتمسي في الدنيا وما شغلك هم كهم الآخرة، تخاف من الله جل وعلا، ما تدري من الذي أعده الله لك؟ هل أصبحت هذا اليوم وأنت على رضا من الله؟ هل أصبحت وأربك قد سخط عليك؟ لا زال قلبك معلق بالآخرة، من كان همه هم أصبح، وهم جعل الهموم هما واحدا، كل الهموم عنده لا شيء سوى هم الآخرة، هذا يعامله الله بالمثل. من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هم دنياه، إذا كنت اهتم بأمر الآخرة، فالله جل وعلا يرفع عنك هم الدنيا، تجد ما يهمك من الفقر والضيق والشدة والمحنة في الدنيا، يرفعها الله عنك ويكفيك الله شرها. والعكس بالأكس، قال عليه الصلاة والسلام: «ومن تشعبت به الدنيا، ومن تشعبت به الهموم في الدنيا، لم يبال الله به في أي أوديتها هلك»، الله ما يبالي بك، إذا كنت يا عبد الله ما تهتم بآخرتك ولا بدينك، فالجزاء من جنس العمل، وهذا الحديث يدل على ذلك. الفائدة الأخيرة التي أختم به هذا المقام من فوائد هذا الحديث: أن الجزاء والثواب الذي يعده الله لعباده، لا تظن يا عبد الله أنه مدخر في الآخرة فقط، وإن كان هذا التطلع الأكبر عند أهل الإسلام والإيمان، أن الله جل وعلا يجازيهم بالنعيم المقيم، يجازيهم بالمغفرة العظيمة، بالتكفير عن السيئات والعفو عن الزلات، كل ذلك نتطلع عليه في الآخرة. لكن هل ثمرة العمل الصالح إنما هي محصورة مقصورة في اليوم الآخر؟ الجواب: لا، بل ربما جعل الله لك من أثر الثواب للعمل الصالح ما تجده في دنيا قرة عين لك، قرة عين لك. فالأجر للعمل الصالح يكون في الآخرة ويكون كذلك معجل في الدنيا، والعكس بالعكس، والعمل السيء من القبائح والذنوب والسيئات، تجد إن لم تتوب وأمرك إلى الله، تجد أن العقوبة في الآخرة، وكذلك تعجل عليك في دنياك. كهذا الحديث، أخبر عليه الصلاة والسلام: أنه من سعى إلى رضا الله، ما الثمر؟ رضي الله عنك وأرضى عنك الناس، هذا أين ستجده؟ الرضا في الدنيا، تجد أن الله جعل لك القبول وحب الناس واحترام الناس وتعظيم الناس. والعكس بالعكس، من التمس سخط الله برضى الناس، فلو فعل المعاصي والذنوب على أساس أن الناس يحبون، من الذي سيجنيه؟ سيجنيه ثمر في هذه الدنيا، ثمرته أن الله سخط عليه وأسخط عليه الناس. من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، قال العلماء: أن هذه الحياة الطيبة يجدها المسلم في الدنيا، من راحة البال، من شرح الصدر، وطمأنينة القلب، وسعة الأرزاق، وستر الأحوال، تجدها. لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يبسط له في رزقه وأن يمد له في عمره فليبر والديه وليصل رحمه»، بر الوالدين وصلة الأرحام، لها أجر في الآخرة، ومع ذلك لها ثواب معجل في الدنيا. وهكذا في باب الرضا، إذا كنت يا عبد الله تسعى إلى رضا الله، فالله يرضى عنك، وكذلك يرضى عنك الخلق. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب عبده نادى جبريل: يا جبريل، إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض». قال العلماء: كالإمام النووي وغيره، القبول: ما يجده المسلم من ميل الناس وحبهم له، هذا من أين يا عبد الله؟ كان هذا من فعلك للعمل الصالح فيما بينك وبين الله، تجد أثره في أحوالك. والعكس بالعكس، من كان مقيما على المعاصي والذنوب، لربما جلب على نفسه سخط الناس، فقط لا، وأيضا سخط الناس، تجد الهجران والفرقة. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما تواد اثنان ثم افترقا إلا على ذنب يصيبه أحدهما»، معصية وقعت، زلة حصلت بين أحدكما، أدت إلى ماذا؟ إلى سخط فيما بينكما. وبهذا نرجع الكثير من المشاكل الأسرية التي تقع في البيوت، تجد أن أكثرها كان لبعدها عن الله جل وعلا، لما ابتعدوا عن طاعة الله وإقامة شرع الله، من الحرص على الواجبات وترك المنكرات، جلب الله عليهم السخط، فصخط الله عليهم وأسخط أنفسهم بأنفسهم، فوقعت حالات الشقاق والفراق والطلاق. لهذا، إخواني في الله، فليعلم المسلم أثر العمل الصالح. هذا ما أذكر إخواني في الله في هذا المقام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.