شرح كتاب التوحيد 207

شرح كتاب التوحيد 207

الدرس في شرح كتاب التوحيد 207، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في طاعة العلماء والأمراء

يبدأ المؤلف بشرح أهمية طاعة العلماء والأمراء في الإسلام، مستدلًا بقول الله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. يُظهر أن صلاح هاتين الطبقتين أساس لصلاح المجتمع الإسلامي.

ضوابط ومعايير طاعة أولي الأمر

يُناقش المقطع ضوابط طاعة العلماء والأمراء، مشيرًا إلى أنها ليست مطلقة بل مشروطة بعدم مخالفة أوامر الله ورسوله. يستند في ذلك إلى أدلة من القرآن والسنة النبوية.

أقسام الناس تجاه طاعة أولي الأمر والعذر بالجهل

يُصنف الناس إلى أقسام تجاه طاعة أولي الأمر، ويشرح مفهوم العذر بالجهل في الشريعة الإسلامية. يُبين أهمية معرفة أحكام الدين وآثار الجهل على المسلمين.

  • 22 جمادى الأولى 1445هـ - 04/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وهي من الأبواب الجديدة في كتاب التوحيد. وقال العلماء: إن مناسبة إيراد هذا الحديث في كتاب التوحيد، إذ أن هذا من لوازم التوحيد. قد مر معنا في دروس سابقة أن المؤلف رحمه الله تعالى كان يتتبع الواجبات والمكملات للتوحيد، وها هنا رحمه الله تعالى يذكر لوازم التوحيد. من كان موحدًا لله جل في علاه يظهر ذلك في أقواله وأفعاله، فها هنا رحمه الله تعالى أشار إلى هذه المسألة: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله. في رواية: فقد اتخذهم أربابًا. قوله رحمه الله تعالى: باب، أي هذا مدخل، هذا مدخل لمعرفة الحكم الشرعي لهذه المسألة التي بين أيدينا. باب من، من أسماء الشرط، وقد مر معنا تكرارًا أن أسماء الشرط تفيد العموم، فهذا الحكم يدخل فيه كل أحد، ولهذا ينبغي العناية ورعاية، لأنك مخاطب بهذا الحكم، أنت لست في معزل عنه، لربما قد تبتلى أو تتورط به، أو لربما قد تريد أن تعرف الحكم الشرعي فيه، فهذا حكمه. قال: باب من أطاع، الطاعة مأخوذة من امتثال الأمر، هذا معنى الطاعة، امتثال الأمر يقال عنه طاعة، هذا طائع لوالديه، أي امتثل أوامرهم، هذا طائع لربه، مطيع لله، فامتثال الأوامر تسمى طاعة. قال: باب من أطاع العلماء والأمراء، أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى صنفين من الناس، وهذا الاختيار منه رحمه الله تعالى لمعرفة المؤلف رحمه الله على أن هذه الطبقات تعتبر أعظم الطبقات تأثيرًا في المجتمع الإسلامي. ليس فقط من باب العرف الذي تعارف عليه الناس، لا بل إن الشرع حرص على العناية بهاتين الطبقتين: بطبقة العلماء وطبقة الأمراء، فإن صلاح العباد يكمن في صلاح هاتين الطبقتين، في صلاح علمائهم وصلاح أمرائهم يكمن الصلاح بهما. لماذا؟ لأن بصلاح أهل العلم يصلح الدين، وبصلاح الأمراء تصلح الدنيا، فصلاح الدين والدنيا يكمن في هاتين الطبقتين، في هذين الصنفين من الناس: العلماء والأمراء. ولهذا من تأمل في أدلة الشريعة يجد كم هي الأوامر التي يأمر فيها ربنا جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام بضرورة الطاعة للعلماء والأمراء، كما سيأتي معنا حتى في قول ربنا جل وعلا: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، من هم أولي الأمر؟ قال العلماء على خلاف بينهم. من أهل العلم من ذهب إلى أن أولي الأمر في الآية هم الأمراء، نقل هذا عن جمع من الصحابة، حتى أن بعضهم نسب هذا القول إلى الجمهور. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن أولي الأمر الذين أمرنا الله بطاعتهم منهم من قال أنهم العلماء، هم المعنيون في الآية، وهذا ثبت عن ابن عباس وعن جابر وعن طائفة من أهل العلم. والتحقيق والصحيح من أقوال المرجحين من أهل العلم أن هذه الآية تشمل العلماء والأمراء، لأن الكل من أولي الأمر، فهؤلاء أولي الأمر العلماء في الدين، وهؤلاء أولي الأمر في الدنيا، كما رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وابن القيم، والمفسر ابن كثير، وجماعة على أن هذه الآية: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ أي العلماء والأمراء، ما بهم أمر الله بطاعتهم. لماذا خصهم الله بالطاعة؟ لعظيم تأثيرهم وأثرهم، فإن بصلاحهم صلاح المجتمعات والأفراد لصلاح الدين والدنيا، والعكس بالعكس، إذا فسد العلماء أو فسد الأمراء فسدت الأحوال، لأن بفساد الأمراء فسدت الدنيا واضطربت الأمور على أهلها، وبفساد العلماء يفسد علينا الدين، فماذا بقي لنا؟ ومن هنا جاء الوعيد الشديد في عدم الخروج والمشاقة والمعارضة لأقوالهم. بل قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: «من استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالعلماء ذهبت آخرته»، من استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالعلماء ذهبت آخرته، فلا استخفاف ولا استهانة في التعامل مع هاتين الطبقتين، لا لذواتهما بل لعظيم أثرهما. فالحاصل أن المؤلف رحمه الله تعالى أشار في هذا التأليف لهذين الصنفين العظيمين من أصناف المجتمع المسلم، فقال رحمه الله تعالى: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله. هذه مسألة أخرى، إذا وصل الحال بالطاعة والانقياد والامتثال لهذين الصنفين إلى درجة التقنين والتشريع من دون الله جل وعلا، حتى وصل الأمر إلى تحليل ما حرم الله. أي أن أمرًا قد حرمه الله فيأتي هؤلاء وهؤلاء ويحلونه، يأتي من يأتي من علماء السوء فيحلل ما حرم الله، أو يأتي من يأتي من أمراء الجور فيحلل ما حرم الله، أو العكس أنهم يحرمون ما أحل الله، هناك أمور أحلها الله وشرعها الله وأجازها رب العباد ورخص بها، فيأتي من يأتي من علماء السوء فيحرمونها أو أمراء الجور فيمنعونها، فإذا وصل الحال بهذا قال المؤلف: قد اتخذهم أربابًا، أي لا يجوز. وبهذا نعلم إخواني في الله مع القول بضرورة الطاعة والانقياد والامتثال للعلماء والأمراء، إلا أن هذه الطاعة ليست مطلقة، وإنما طاعتهم مقيدة، وإنما الذي له الطاعة المطلقة هو الله جل في علاه سبحانه، لا أحد يزاحمه في هذا المضمار. ولهذا فإن وجدنا أن عالمًا أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله لا يتبع، أو كذلك أميرًا من الأمراء أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله لا يتبع. وقد صحت في ذلك الأحاديث، كما جاء في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة في المعروف»، هذا هو الضابط في الطاعة في المعروف. وجاء كذلك بلفظ في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا سمع ولا طاعة في معصية الله»، لا سمع ولا طاعة في معصية الله. جاء بلفظ: «أسمعوا وأطيعوا ما لم تؤمروا بمعصية الله، فإن أمرتم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة»، لا سمع ولا طاعة لأي أحد كائنًا من كان. رضى الله جل وعلا هي الغاية، وأما رضى المخلوقين تبع، فطاعة العلماء وطاعة الأمراء هي التبع لطاعة الله، ليس بطاعة مستقلة، بل هذه الآية التي أوردناها قبل قليل فيها هذا المعنى، كما أشار إلى ذلك أهل العلم في قول ربنا عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، تأمل في فعل طاعة: أطيعوا، أين جعل؟ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، الطاعة لله، وأطيعوا الرسول لأن طاعة الرسول من طاعة الله. أطيعوا لما جاء أمر ربنا عز وجل في اتباع أولي الأمر لم تذكر هنا كلمة أطيعوا، ما ذكرت: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، لماذا عريت؟ لماذا عريت كلمة أولي الأمر من كلمة طاعة؟ قال العلماء: حتى يفهم منها أن طاعة أولي الأمر هي تبع من طاعة الله وطاعة رسوله، ليست بطاعة مستقلة. فإذا كان طاعة الأمير أو طاعة الحاكم أو طاعة العالم أو طاعة الفقيه تبع لطاعة الله ورسوله يتبع، وإن كانت مشاقة ومعارضة فلا سمع ولا طاعة. ومن هنا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أحوال الناس في هذه المسألة على صور وعلى أقسام في مسألة طاعتهم للعلماء والأمراء فيما هو فيه معارضة لحكم الله ورسوله. إن كان من أخذ بتحليل الحلال أو تحليل الحرام أو تحريم الحلال من أمير أو من عالم وهو يرى أن حكمهم أفضل من حكم الله، وأن لهم حق التشريع مع الله، فهذا كفره كفر أكبر مخرج من الدين والملة، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، فالله جل وعلا هو المشرع لا أحد سواه. فمن نازع الله في قضية التشريع والتحليل والتحريم ويرى نفسه أو أن غيره يرى أنه ند لله في هذا الباب، فهذا قد خرج عن الدين والملة كما كان عليه اليهود والنصارى، طوائف منهم كانوا يتخذون الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله يتبعونهم في التحليل والتحريم من دون الله. والصورة الثانية: من اتبع أحدًا في تحليل الحرام أو تحريم الحلال وهو يعلم أن هذا لا يجوز، وأن حكم الله هو الحكم الفصل وهو الحكم العدل، وإنما وافق على ذلك لهوى في نفسه، فهذا فاسق فاجر أوبق نفسه وأهلكها، لأنه يعلم أن الله له حق التشريع، وأن الله هو الذي يحلل ويحرم، ويعلم أن هذا الأمر خطأ. لكن كما عليه كثير من العصاة الآن، عندما يأتي الحاكم أو يأتي القاضي فيفسد في القضية فيعطي الباطل لغير أهله، لرشوة ولمال واتباع الهوى، ويعلم أن حكم الله على خلاف ذلك، يتبع الهوى كما بلغنا عن بعض القضاة، لربما أنه يحكم طمعًا للمال رشوة، فكان يُعطى شيئًا من المال في بعض القضايا. فلما أخذ يقول: إيش هذا المال؟ يقول: هذا خلاص يا قاضي، ما الشيء؟ يقول: هذا والله ولا غمس في نار جهنم، يعلم أنه بحكمه الجائر الفاسد سينغمس في نار جهنم، يعلم بهذا، يقول لجمال أصحاب: يقول: هذا ولا غمس في نار جهنم، يدفع فيجعل يعلم أن حكم الله هو العدل، ويعلم به، لكنه يتبع هواه، فلربما أعطى الحق لغير أهله، ولربما الحرام جعله حلالًا، وهكذا يتلاعب بشرع الله حاكمًا كان أو عالمًا، فهذا إن كان على هذا الوصف فقد أفسد دينه ودنياه. وأما الصورة الثالثة فهو في حق الجاهل، وهذا قد يقع في حق من كان بعيدًا عن مواطن العلم، لو ربما يسأل عن أمر دينه فيجاب بإجابة، ويرى أن هذه الإجابة هي التي فيها موافقة لشرع الله، وما علم بالخطأ إلا بعد حين، علم أن هذه الفتوى خطأ، وأنه سار على أمر على غير ما يرضي الله عز وجل. بل أن هذه الفتوى فيها التحريم لما أحل الله أو التحليل لما حرم الله، أو أن القضية في ذلك مع خلاف شرع الله، لكنه إنما فعل ذلك جهلًا، ليس كالأول وليس كالثاني، وإنما جهلًا. فقال علماء: هذا يُعذر بجهله، يُعذر بجهله، لكن يُنظر بعد ذلك هل استفرغ جهده في معرفة الحق؟ هل بذل ما يستطيع على بذله من الحرص على إصابة الحق؟ هذا أمر آخر. لأن من الناس من يدعي الجهل وهو في الحقيقة ليس جاهلًا بل معرضًا، على العموم إن كان عذره أنه جاهل، والله ما يدرى بشرع الله إلا الآن، فهذا يُعذر بجهله. فالحاصل أن هذا التبويب سيذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وسيجعل تحته بعض الآثار والآيات والأحاديث التي تفيد في هذا المبحث، وهي من المسائل المهمة التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.