شرح الأصول الثلاثة 14

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 14، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أركان الإيمان: الرسل والكتب واليوم الآخر

يستعرض هذا المحور أركان الإيمان بالرسل والكتب السماوية واليوم الآخر، مبيناً أعداد الأنبياء والرسل وأصناف أولي العزم والكتب المنزلة. كما يفصل أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والجنة والنار، وما يتعلق بفتنة القبر ونعيمه.

الإيمان بالقدر ومراتب الدين الثلاث

يتناول المقطع الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، ثم يشرح مراتب القدر الأربع: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق. كما يستعرض أركان الإيمان الستة مستدلاً بالقرآن، ويختتم بمراتب الدين الثلاث مع التركيز على الإحسان ومرتبتيه.

تفصيل مراتب الإحسان وأنواعه في حديث جبريل

يشرح هذا المحور مراتب الإحسان: المشاهدة القلبية (عبادة الله كأنك تراه) والمراقبة (علمك بأن الله يراك)، ويقسم الإحسان إلى إحسان مع الخالق وإحسان مع المخلوقين. كما يستعرض حديث جبريل عليه السلام الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام والإيمان والإحسان وعلامات الساعة.

الانتقال إلى الأصل الثالث: معرفة النبي صلى الله عليه وسلم

يختتم المتحدث الأصل الثاني بالإشارة إلى جبريل عليه السلام معلماً الدين، ثم يعلن الانتقال إلى الأصل الثالث وهو معرفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويختم المقطع بالدعاء والحمد لله رب العالمين.

  • 27 جمادى الأولى 1445هـ - 09/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرحباً بكم في الدرس الماضي. كان الكلام حول ما يتعلق بالأصل الثاني من الأصول الثلاثة لشيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وكان الحديث حول مراتب الدين. وتكلمنا حول المرتبة الثانية من هذه المراتب، ألا وهي مرتبة الإيمان. وتطرق رحمه الله تعالى لأركان الإيمان، وذكر أنها ستة. أولها: الإيمان بالله عز وجل. وسبق معنا أن الإيمان بالله عز وجل يتضمن أربعة جوانب وأربعة أمور: أولها الإيمان بوجوده، ثانياً: ربوبيته، ثالثاً: ألوهيته، ورابعاً: بالأسماء والصفات. وهكذا أيضاً تكلمنا حول الإيمان بالملائكة. والملائكة كما سبق: عالم غيبي، خلقهم الله عز وجل من نور، وهم عباد أبرار أطهار، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وعددهم كثير لا يعلمه إلا الله جل وعلا. ونؤمن بهم جملة: ﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ ﴾ [البقرة: 285]، وهكذا تفصيلاً بمن ذكر لنا باسمه، وذكر لنا بوظيفته وعمله، فنؤمن بهم جملة وتفصيلاً. والركن الثالث: هو الإيمان بالرسل. والرسل جمع رسول، وهو من أرسله الله عز وجل وبعثه بشرع، وأمره بتبليغه. وسبق معنا أن الرسل والأنبياء نؤمن بهم جملة وتفصيلاً: من ذكر لنا باسمه وشخصه، ومن لم يذكر لنا. ﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285]، ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ [النساء: 164]. الذين ذكروا في القرآن: كم الذين ذكروا في القرآن؟ كم عددهم؟ خمسة وعشرون نبياً ورسولاً. وعدد الأنبياء: كم يا أبا محمد؟ كم عدد الأنبياء؟ كم عدد الأنبياء الذين ورد ذكر عددهم، ليس أشخاصهم لكن مجموع عددهم؟ ممكن مائة وأربعة وعشرين ألف، وممكن... ماذا؟ أو خلاص، جواب واحد، ممكن زائد أو أنقص. طيب، أحسن أبا سعد، عندك شيء؟ السؤال عن الأنبياء: عدة الأنبياء مائة وخمسة عشر... ثلاثمئة وخمسة عشر نبي؟ والرسل؟ أحسنت، كما قال أبو محمد: الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلاثمئة وخمسة عشر رسولاً، كما سبق معنا في حديث أبي ذر، وهكذا جاء نحوه من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، جمعاً غفيراً. وأفضلهم خمسة، يُقال لهم: أولو العزم من الرسل. فمن هم الخمسة؟ خمسة، هات الذي تستحضره. طيب، لا بأس، يا بأحذيفة: نوح، وعيسى. أحسنت: إبراهيم، موسى، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. من يرتبهم ترتيباً زمنياً من الأول فالذي بعده؟ نعم: نوح عليه السلام، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد صلى الله عليه وسلم. رتبهم. لكن من ناحية الفضل؟ نعم: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إبراهيم... أبو طاهر يقول كذا: موسى، عيسى، نوح. أحسنت، هذا ترتيبهم من حيث الفضل. من حيث الفضل: قبله الإيمان بالكتب. والكتب جمع كتاب، والمقصود بها: التي أنزلها الله عز وجل على أنبيائه ورسله. وقد ذكر الله عز وجل لنا منها بعضاً. ذكر ربنا عز وجل منها بعضاً. يا أبا البراء: بعضاً، ما هي الكتب التي ذكرت لنا بأسمائها؟ الزبور، وأنزل على من؟ على داود. أحسنت: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [الإسراء: 55]. وأيضاً من الكتب التي سماها الله عز وجل: الزبور على داود، وماذا؟ التوراة على من؟ على... أحسنت، التوراة. نعم، لا، التوراة على من؟ على موسى. والإنجيل على عيسى. ماذا بقي يا أبا محمد؟ الصحف على إبراهيم، والقرآن الكريم على نبينا صلى الله عليه وسلم. والقرآن كما سبق يعتبر خاتمها وناسخها، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: 48]، يعني ناسخاً له، ناسخاً له. قال: والإيمان باليوم الآخر. واليوم الآخر هو يوم القيامة، وهو اليوم الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء. وسُمي باليوم الآخر قالوا: لأنه لا يوم بعده، لا يوم بعده. ففيه يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ولاحظوا أن لليوم الآخر أسماء عديدة، وهذه قاعدة عند العرب: إذا تعددت أسماء الشيء دل ذلك على ماذا؟ إذا تعددت أسماء الشيء دل ذلك على ماذا؟ أحسنت: يعني على أهميته وعظمته، على أنه شيء عظيم. ولهذا ليوم القيامة أسماء عديدة، فمنها: يوم القيامة، اليوم الآخر، يوم الحساب. من أسماء يوم القيامة: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، يوم الدين: أي يوم الجزاء. وهكذا من أسماء يوم القيامة: يوم الدين أي يوم الجزاء، يوم الحساب. طيب، لا بأس، أيضاً غيره: المعاد. لا بأس، يعني من أوصافه. وكذلك أيضاً هناك مجموعة من السور سميت بأسماء يوم القيامة، فمنها: الطامة، الكبرى، القارعة، الحاقة. ذكرت: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾ [الواقعة: 1]، فأسماء كثيرة يا إخوان ليوم القيامة. والإيمان باليوم الآخر يتضمن أموراً، فمنها: الإيمان بالبعث الذي يكون بعد الموت، وهو عبارة عن إحياء الموتى. فينفخ إسرافيل النفخة الأولى التي تسمى نفخة الصعق، فيموت من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله، كما قال تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ [الزمر: 68]. ثم نفخ فيه أخرى، النفخة الثانية، قال: ﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ [الزمر: 68]. هذه النفخة تسمى نفخة البعث، نفخة البعث. ويحشر الناس حفاتا، عراتا، غرلا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأنكر المشركون البعث بعد الموت، كما قال تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [التغابن: 7]. أيضاً الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بالجزاء والحساب عند الله تبارك وتعالى. يحاسب ربنا عز وجل العباد ويجازيهم على أعمالهم: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8]. ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]. وهكذا أيضاً يتضمن الإيمان بالجنة والنار، وأن الجنة أعدت للمتقين، والنار أعدت للكافرين، وأنهما مخلوقتان موجودتان الآن، مخلوقتان موجودتان الآن، كما دل على ذلك الآيات، وهكذا أيضاً الأحاديث النبوية. والإيمان يا إخوان بما يكون في عرصات القيامة من: الصراط الذي يمر عليه الناس على حسب أعمالهم، وهكذا ما يتعلق بتطاير الصحف ونشر الدواوين، وهكذا الشفاعة والحوض، الشفاعة والحوض والميزان، وغيرها مما يكون في تلكم العرصات العظيمة. ويلحق بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وهي سؤال الملكين: منكر ونكير: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27]. أيضاً الإيمان بعذاب القبر ونعيمه: هناك عذاب في القبر، وهناك نعيم في القبر، فالقبر قد يكون روضة من رياض الجنة، وقد يكون حفرة من حفر النار. الإيمان بضمة القبر، وأن للقبر ضمة، لو نجى منها أحد لنجى منها... من لو نجى أحد يا إخوان من ضمة القبر لكان من الذي ينجو منها؟ نعم: سعد بن معاذ، سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه. فهذا وغيره مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر. الإيمان باليوم الآخر: قال: وبالقدر، خيره وشره. وتؤمن بالقدر خيره وشره. والإيمان بالقدر: والمقصود بالإيمان بالقدر هو الإيمان أن الله تبارك وتعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام. الله عز وجل قدر مقادير الخلائق. والإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب: الأولى: العلم، والثانية: الكتابة، والثالثة: المشيئة، والرابعة: الخلق. أربع مراتب للقدر. الأولى: العلم. ومعنى العلم يا إخوان: هو أن الله عز وجل علم مقادير الخلائق، علم مقادير الخلائق قبل أن يخلق الخلق، قبل أن يخلق الخلق. قال ربنا عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: 7]. وهكذا قوله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: 70]. وخالف في هذا القدرية، القدرية يا إخوان أنكروا علم الله عز وجل، قالوا: الله تبارك وتعالى لا يعلم بالشيء إلا إذا وقع، إذا وقع علمه الله عز وجل. وهؤلاء الذين... ماذا؟ ظهروا في البصرة، أصحاب معبد الجهني، وأتى إلى المدينة أو إلى مكة من يسأل عنهم من أهل البصرة، فذكر ابن عمر هذا الحديث الطويل، حديث جبريل، عن أبيه، لكي يستدل به على الإيمان بالقدر. المرتبة الثانية: الكتابة. ومعناها: أن الله كتب أعمال العباد في اللوح المحفوظ، كتب أعمالهم، كتب أعمالهم، كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ ﴾ [الحج: 70]. وهكذا قوله: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ﴾ [القمر: 52]. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». وهكذا حديث عبادة: «أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، إلى قيام الساعة». فكتب الله عز وجل مقادير الخلائق. المرتبة الثالثة: المشيئة. ومعنى المشيئة: الإيمان بأن هذا الكون لا يقع فيه شيء إلا بمشيئة الله عز وجل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما لم يشأ لم يكن. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾ [القصص: 68]. وهكذا أيضاً ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [التكوير: 29]. فنحن لنا مشيئة، لكن هذه المشيئة ماذا؟ المشيئة متعلقة بمشيئة الله عز وجل، متعلقة بمشيئة الله عز وجل. كيف ذلك يا إخوان؟ العبد له مشيئة، لكن هذه المشيئة ماذا؟ متعلقة بمشيئة الله عز وجل. أنت مثلاً تريد غداً أن تذهب وتسافر إلى عدن، إلى عدن، وربطت لحزمك، وجمعت الأمتع، وقطعت في الباص تذكرتك. طيب، متى ستسافر؟ إذا وافقت مشيئتك مشيئة من؟ مشيئة الله عز وجل، يسهل لك أمور السفر، وما هي إلا إثنتا عشرة ساعة وإذا بك في عدن. وإذا مشيئتك لم توافق مشيئة الله عز وجل: أنت تريد تذهب، والله عز وجل لا يورد لك الذهاب، أمتعة جاهزة، سيارة موجودة، تذكرة مقطوعة، وإذا بك لا تستطيع أن تذهب، تتأخر عن موعد الباص ويذهب، تلغى الرحلة في الباص، تحصل أحداث وأوضاع متوترة فتمنعك من السفر، فترجع بأمتعتك وحقيبتك. طيب، ليش ما ذهبت؟ الله عز وجل ما شاء لك الذهاب. إذن: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: 29]، إلا أن يشاء الله رب العالمين. ولا يقع شيء في هذا الكون إلا بمشيئته، إلا بمشيئته. المرتبة الرابعة: هي الخلق. ومعنى الخلق: أي أن الله تبارك وتعالى هو خالق جميع المخلوقات. الله خلقنا وخلق أعمالنا. ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات: 96]. وما تعملون. هكذا يقول الله تبارك وتعالى. وقال سبحانه: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [الفرقان: 2]، فقدره تقديراً. فليس هناك مخلوق في هذا الوجود إلا وربنا عز وجل هو الذي خلقه. فتبارك الله أحسن الخالقين، أحسن الخالقين. قال رحمه الله تعالى: قال: والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ [البقرة: 177]. هذه خمسة، باقي واحد. قال: ودليل القدر، أي السادس: قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49]، ﴿ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾. وما من واحدة يا إخوان من هذه الأركان إلا وتحتاج إلى مجالس، تحتاج إلى مجالس، لكن ليس هذا موضوعها. موضوع هذا الكتاب هو ماذا؟ نبذة مختصرة حول هذه الأركان. قال رحمه الله تعالى: قال: المرتبة الثالثة، أي من مراتب ماذا؟ المرتبة الثالثة من مراتب... من مراتب... المرتبة الثالثة من مراتب الدين. كم مراتب الدين؟ وهي: الإسلام، والإيمان، والإحسان. أفضلها وعلاها... أفضلها وأعلاها. قلت: الإسلام والإحسان... الإسلام. أحسنت: أفضلها وأعلاها. أبو عبد الرحمن يعطيك خط رجعة شوية لكي تستنكر: أعلاها، أعلاها وأفضلها: الإسلام. أحسنت. ثم ما شاء الله، نعم توافق يا محمد، كما يقول: أفضلها الإسلام. أحسنت. أنتم متفقون على أن أفضلها الإسلام، فماذا يا باحث؟ وظيفة الإحسان ثم الإيمان ثم الإسلام؟ واضح. صحح المعلومة. طيب، قال: المرتبة الثالثة: الإحسان. ركن واحد، ركن واحد، وهو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإنه يراك. قال: والدليل: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]. وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الشعراء: 217-220]. وقوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ [يونس: 61]، ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾. والإحسان يا إخوان كما سبق: أعلى مراتب الدين. والإحسان في اللغة معناه: الإتقان. يقول لك: أحسن عملك، أي: أتقنه. ماذا؟ أي: أتقنه. والإحسان له مرتبتان: المرتبة الأولى: مرتبة المشاهدة، أن تعبد الله كأنك تراه. الثانية: مرتبة المراقبة، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. إذن هاتان هما مرتبة الإحسان: المرتبة الأولى: مرتبة المشاهدة، مرتبة المشاهدة. المشاهدة يا إخوان ليست بالعين، يعني تتخيل لله عز وجل صورة معينة أو كيفية معينة، لا، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11]، لكنها مشاهدة قلبية من قوة اليقين الذي في قلبك، فإنك تعبد الله عز وجل كأنك تراه. ومن كان يرى الله عز وجل فسيجتهد في العبادة ويجد في الطاعة. قال: فإن لم تكن تراه، إن لم تكن من أهل المرتبة الأولى، مرتبة المشاهدة، وهي الأفضل والأعلى، فلا أقل من أن تكن من أهل المرتبة الثانية، وهي مرتبة... ليش؟ المراقبة. فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ [الشعراء: 217-218]. أنت لو كنت في ظلمات الليل وتوضأت ووقفت تصلي، لا ترى رقيبك، رقيبك ما تراه، لكن الله عز وجل يراك، فتراقب الله سبحانه. هنا يا إخوان ينمو الإخلاص، هنا تقوى الخشية لله عز وجل، لأنه لا يطلع على عملك أحد إلا الله سبحانه وتعالى. طيب، والإحسان: منه ما هو إحسان مع الخالق، ومنه إحسان مع المخلوقين. أما الإحسان الذي مع الخالق: فهو الإحسان في العبادة، كما مر معنا: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وأما الإحسان الذي يكون مع الخلق: فذكر ابن المبارك ثلاثة أشياء، قال: بذلوا الندى، وكفوا الأذى، وطلاقة الوجه. يعني: لخص حسن الخلق والإحسان مع المخلوقين في هذه الكلمات الثلاث: بذلوا الندى، أي: بذلوا الخير. الندى: أي: بذلوا الخير. بذلوا الخير: ديني أو دنيوي. ديني: مثل ماذا؟ تعليم جاهل، تنبيه غافل، نصيحة مسلم، إلى غيرها من أبواب المعروف. طيب، الخير الدنيوي: مثل ماذا؟ تعين شخص في حمل متاع، تدله على طريق، تصلح له آلة، إلى غير ذلك من صور الخير الدنيوي. قال: بذلوا الندى، وكفوا الأذى، أي: تكف أذاك عن الناس. المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. لا تؤذي أحداً، لا بيدك، ولا بلسانك، ولا بغيرهما، ولا بغيرهما. قال: وطلاقة الوجه، أي: تلقى الناس بوجه بشوش، وجه طليق. كما قال أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو...» ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، أي: وجه تعلوه أو يعلوه البشر والابتسامة. «تبسمك في وجه أخيك...» ماذا؟ صدقة. «تبسمك في وجه أخيك صدقة». فهذه من الإحسان الذي يكون بين الناس. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين، في كتابه مدارج السالكين، قال: «وَمِنْ مَنَازِلْ إِيَّاكَ نَعْبُدْ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ مَنْزِلَةُ الْإِحْسَانِ». قال: «وَهِيَا لُبُّ الْإِيمَانِ وَهِيَا مَاذَا؟ لُبُّ الْإِيمَانِ وَرُوحُهُ وَكَمَالُهُ». قال: منزلة الإحسان، «وَهِيَا لُبُّ الْإِيمَانِ وَرُوحُهُ وَكَمَالُهُ، وَرُوحُهُ وَكَمَالُهُ». قال: «وَهَذِهِ الْمَنْزِلَةُ، انْظُرُوا أَهَمِّيَّتَهَا، قَالُوا: هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ تَجْمَعُ جَمِيعَ الْمَنَازِلِ، قَالُوا: تَجْمَعُ جَمِيعَ الْمَنَازِلِ، فَجَمِيعُهَا مَنْطُوِيَةٌ فِيهَا، وَكُلُّ مَا قِيلَ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إِلَى هَاهُنَا فَهُوَ مِنَ الْإِحْسَانِ، وَكُلُّ مَا قِيلَ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إِلَى هَاهُنَا، مَاذَا؟ فَهُوَ مِنَ الْإِحْسَانِ». وهذا يا إخوان كلام عظيم يدل على أهمية الإحسان ومكانته في مراتب «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ». قال رحمه الله تعالى: قال: والدليل من السنة: حديث جبرائيل. يُقال: جبرائيل، ويُقال: جبريل. يُقال: ميكائيل، ويُقال: ميكال. واضح؟ طيب. قال: والدليل من السنة: حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه، عن عمر، أخرجه الإمام مسلم رحمه الله، وعن أبي هريرة متفق عليه. جاء عن أبي هريرة متفق عليه. ما معنى متفق عليه؟ البخاري ومسلم. وماذا؟ بس. ممكن نقول: أخرجه البخاري ومسلم، ولا نقول: متفق عليه؟ ما الذي يميز قولنا: متفق عليه، عن مجرد قولنا: رواه البخاري ومسلم؟ يعني: المتفق عليه أن يكون أخرجه البخاري ومسلم من ماذا؟ من حديث صحابي واحد. كلاهما عن أبي هريرة، يُقال: متفق عليه. أما إذا أخرجه البخاري عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم عن أنس، ما يُقال: متفق عليه، وإنما يُقال: أخرجه البخاري ومسلم، أخرجه البخاري ومسلم. لكن متفق عليه: البخاري ومسلم من حديث من؟ صحابي واحد، اشترك في إخراج حديثه. قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. إذن ماذا؟ هذه أوصاف غريبة يا جماعة، تدل على أن الشخص رجل غريب، وعلى أن أمره عجيب، وعلى أن أمره عجيب. قال: حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه. قيل: على فخذي نفسه، وقيل: على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: يا محمد. وهذا غريب، يعني: صحابي يخاطب الرسول بهذا؟ «لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا» [النور: 63]. يا محمد، لا، ما يصلح. طيب، لكن هذا شيء يبعث الغرابة والتعجب. قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله». كم هذا؟ كم أركان؟ واحد، مش تنين. أحسنت: ركن واحد. قال: «وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً». قال: أي السائل: صدقت. قال عمر: فعجبنا له، يسأله ويصدقه. لماذا تعجبوا يا إخوان؟ لأن عادة الذي يسألكم إيش؟ ما عنده جواب. فهذا يسأل، والرسول يجيب، ثم السائل يقول: صدقت. هذا يدل على أن الجواب موجود عند من؟ عند السائل. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: ماذا؟ «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: فأخبرني عن الساعة. قال: وما هو المقصود بالساعة؟ فأخبرني عن الساعة. نعم، مش الساعة ذا حقنا؟ لا. أحسنت: المقصود به يوم القيامة. قال: فأخبرني عن الساعة، يعني: متى تقوم؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». أي: النبي صلى الله عليه وسلم بيعلم من السائل؟ أي: جبريل. إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام وجبريل لا يعلمان متى الساعة، فغيرهما ماذا؟ من باب أولى، أو لا. قال: فأخبرني عن إماراتها، أي: علاماتها الدالة على قرب وقوعها. قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء...» أي: رعاة الغنم، يتطاولون في البنيان. المقصود بهم: الأعراب، البدو، يأتون من الكهوف والخيام، ويسكنون القرى والمدن، ويشيدون القصور والدور. قال: فمضى، أي: السائل. فلبثنا ملياً، أي: مدة من الزمن. فقال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. وهذا أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم. فأما بعد موته فيقول: الله أعلم. وأجاز بعضهم أن يقول: الله ورسوله أعلم، إذا كان في مسألة شرعية، مسألة دينية. قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا جبريل، أتاكم يعلمكم أمر دينكم». وبهذا نكون قد انتهينا من الأصل الثاني، ويأتي معنا إن شاء الله عز وجل الأصل الثالث: هو معرفة النبي صلى الله عليه وسلم. عفا الله عن الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.