شرح لمعة الاعتقاد 59

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 59، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الحشر وأنواعه

يشرح مفهوم الحشر يوم القيامة حيث يحشر الناس حفاة عراة غرلا، ويتناول أنواع الحشر. يشمل الحشر في الدنيا والحشر يوم القيامة وتفاصيل حشر الناس إلى الجزاء حسب أقسامهم.

تفاصيل يوم القيامة وموقف الحساب

يوم القيامة يتميز بالزحام الشديد حيث يحشر الناس والجن والبهائم في أرض بيضاء مستوية وتأتي الملائكة لتحيط بهم وتشكل حائطا حولهم مما يزيد من خوفهم.

أحداث يوم القيامة والشفاعة

يشرح أحداث يوم القيامة حيث يكون عرق الناس حسب أعمالهم ويذهبون إلى الأنبياء للشفاعة حتى يصلون إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام الذي يشفع لهم عند الله بإذنه.

شروط الشفاعة يوم القيامة

يشترط للشفاعة رضا الله عن الشافع والمشفوع له وإذنه للشافع، وتحتاج إلى رضا الله عن الشافع وعن المشفوع له ليأذن للشافع بالشفاعة.

  • 13 جمادى الآخرة 1445هـ - 25/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهمة، كما قلنا غرلا أي غير مختونين، وبهمة أي ليس معهم شيء، فيقفون في موقف القيامة. وذكرنا الحشر بنوعيه، الحشر الذي يكون في الدنيا، وقد ذكر القرآن حشرا آخر في سورة الحشر. والمراد تجميعهم. في قول الله سبحانه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، قال: إن شاء الله عز وجل، في سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، هذا حشر غير الحشر الآخر. معنى لأول الحشر أي تجمعهم، لكن الحشر المقصود به، وكما ذكرنا، الحشر الذي يكون قبل يوم القيامة، ويكون في الشام، فهي أرض المحشر. وتكلمنا بالعكس على الحشر الذي يكون يوم القيامة وما يكون فيه. وهناك ذكرنا أقسام الحشر، وهناك أيضا جاء القرآن بالتفاصيل في الأقسام الخمسة التي ذكرناها، كل قسم من هذه الأقسام فيه التفاصيل. لكن لو أتينا بكل قسم لطولنا، لكن أخذناها مجملة. وأيضا مقصود به بالحشر هنا المقصود به الثلاثة الأولى، الثلاثة الأولى وهي الحشر عند القيام من القبور، والحشر الذي يكون إلى مكان الحساب، وأيضا الحشر الذي يكون في محاسبته. فقلنا أن هناك خمس أحوال لهذا الحشر بعد قيام الناس من قبورهم، أول قيامهم من قبورهم، وذكرنا كيف يكون في ذلك الحشر، ثم حشرهم إلى الحساب، ثم محاسبتهم، وبقي أيضا الحشر إلى الجزاء أو إلى جزائهم، وأيضا حشرهم في مكان الجزاء إما جنة وإما نار. وذكرنا أن الله عز وجل ذكر وهذا باب الإجمال، وإلا هناك تفاصيل ذكرها ربنا جل وعلا في مسألة الحشر. وعلى سبيل المثال، مثلا قول الله عز وجل: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، حشر الذين ظلموا وأزواجهم، والمراد حشر الذين ظلموا وأزواجهم، ليس أزواجهم معنى زوجاتهم، أو أزواجهم معنى أشكالهم، ومن كان مثله، معنى المشرك مع المشرك، والتارك الصلاة مثلا مع تارك الصلاة، وصاحب الخمر مع صاحب الخمر، المرابي مع المرابون جميعا يحشرون معا، الزناة يحشرون معا، وهكذا أن كل واحد يحشر مع شكله ومع من كان مثله. وإن كان مثلا أتى بهذه كلها، فربنا جل وعلا هو الذي يعلم أين يضعه سبحانه وتعالى، يضع هذا الرجل، لكن العقل أنه كما قال الله عز وجل: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، فأزواجهم أي أشكالهم ومن كان من نوعهم. فكما قلنا الشراب، الخمر يكونون معا، وهذا الحشر يحشر إلى الجزاء، يحشرون إلى الجزاء، يفرقون، يعني أصحاب الخمر معا، أصحاب الربا معا، أصحاب الزنا معا، فكل واحد يحشر مع شكله، ثم بعد ذلك يجمعون في النار وغيره. وأيضا كذلك أهل الإيمان، أهل الصلاة يدخلون عن باب الصلاة، وهكذا الصيام يدخلون عن باب الصيام، وهكذا أهل الجهاد يدخلون من باب الجهاد، وأهل الزكاة يدخلون من باب الزكاة. وقد يدخل الرجل من الأبواب كلها كما جاء في حديث أبي بكر. قال بعد ذلك: قال حتى يشفع فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وكما قلنا أجملنا هذا لأجل أن فيها أشياء كثيرة ومسائل في مسألة الحشر، وأيضا طرق وأشكال وأنواع ذكرها ربنا جل وعلا، ولهذا سيطول المقام بذكره، لكن أخذنا باب الإجمال. قال حتى يشفع، وذكرنا قلنا أن من أراد التفصيل في هذه المسائل عنده كتاب التذكرة للقرطبي، وكذلك قبله كتاب الإمام عبد الحق الإشبيلي رحمه الله في يوم القيامة الذي ألفه في القيامة، كتاب جميل وحظيم. وقد نقل الحافظ ابن القيم أشياء كثيرة منه في الجواب الكافي وفي غيره. قال: فيقفون موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يشفع فيهم بعد أن يقفون في ذلك الموقف، وهذا الموقف هو كما ذكرنا الحالة الثالثة، وهي موقف الحساب، موقف الحساب. وهذا الموقف أولا يكون في أرض بيضاء كالخبزة، كما جاء في الأحاديث، أرض بيضاء ليس فيها علم لأحد، ليس فيها علم لأحد أبدا، أن أرض مستوية لا عوج فيها، وليس أيضا فيها علم لأحد، أي مكان معروف لأحد، مثلا يقال هذا مكان فلان، لا بل مكان مزدحم بالناس، وقد يكون أيضا بالجن والبهائم، كلهم يحشرون كما جاءت في الآيات، كلهم يحشرون في ذلك الموقف، فيكثر الزحام ويكثر الضيق. وتأتي الشمس، وقد جاء عند ابن جرير، وكذلك رواه البزار والطبراني وصححه الشيخ الألباني، أن الملائكة إذا حشر الله عز وجل الناس والجن، جاءت الملائكة، تأتي أولا ملائكة السماء الأولى فتحيط بهم، ثم تأتي ملائكة السماء الثانية وهم أكثر، فتحيط بهم، حتى يأتون ينزلون أهل السماوات السبع، ملائكة السماوات السبع كلها تحيط بهم، فيعملون مثل الحائط. وذكرها بعض أهل التفسير في قول الله جل وعلا: ﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾، معناه أين المفر أي من ذلك المكان، ما يستطيع أن يفر، ما يستطيع أن يهرب، ليس له مكان يهرب فيه، أولا زحام، وما يجد الرجل إلا موضع قدميه. وكذلك أيضا المكان محاط، المكان محاط بالملائكة، فسبع طبقات من الملائكة يحيطون بمن كان في الحشر، حتى وهذا من باب فقط إرهابهم، وأيضا كذلك من باب أيضا عدم تفكيرهم في مثل هذه الهرب، فيعلم أنه لا يستطيع أن يهرب، لا يستطيع أن يهرب، وإلى أين يهرب؟ فلهذا فهذا من باب التخويف، جعله الله عز وجل للناس لعلهم يرجعون، ولعلهم يتفكرون في هذه الحياة فيرجعون إلى الله جل وعلا. فلهذا ربنا جل وعلا يخوّف عباده بمثل هذه الأمور، وهذا من رحمته سبحانه وتعالى بعباده، أن خوفهم بهذه الأمور حتى يرجع، حتى يرجع إليه جل وعلا، ذلك يخوّف الله بعباده: «يا عبادي فاتقون». فلهذا في ذلك الموقف العصيب يكون فيه كما ذكرنا، كما جاء في الأحاديث، الشمس تدنو، ويعرق الناس، وكلهم بقدر عمله يعرقون بقدر عمله، فمنهم من يعرق إلى عقبيه، ومنهم من يعرق إلى ساقيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، وهكذا، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: ومنهم من يلجمه العرق، العرق الجامد الذي يغطيه العرق. وجاء في حديث: لكنه لا يصح، وإنه لتجري السفن في ذلك العرق، لكن لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن ما دام أنه يلجم الشخص، فهو مثل البحيرة. لكن الله عز وجل يجعل لكل أحد بعمله، معنى كل إنسان بعمله السيء يجعل له هذا العرق. مثل ما يكون أيضا كما سيأتي إن شاء الله وتعالى في الصراط، فإنه أيضا الناس يختلفون في الصراط، وكذلك أيضا يختلفون في الحشر، يختلفون أيضا في الحشر، وكذلك أيضا في ذلك المكان تتطاير الصحف كما سيأتي، ويكون الحساب. لكن هنا قدم المؤلف الشفاعة، قدم المؤلف هنا الشفاعة، وإلا أكثر أهل العلم على تأخير الشفاعة بعد الحساب، لأن ليس هناك أحد يعرف حاله إلا بعد الحساب، بعد أن يحاسبه الله عز وجل فيرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار، ففي ذلك الوقت يحتاجون إلى الشفاعة. لكن هنا ذكره الشيخ لأجل الشفاعة في الموقف، لأجل الشفاعة في الموقف، فإنهم لا يخرجون من ذلك المكان حتى يشفع لهم نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح. فيعرق الناس لذلك الموقف، فيأتون إلى آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، فنجينا من هذا المكان، أو فادع الله عز وجل أن ينجينا من هذا المكان، فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح، فهو أول الرسل، فيذهبون إلى نوح، وأيضا كذلك يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم، فهو أبو الأنبياء، فيذهبون إلى إبراهيم، ويقول إبراهيم: قد كذبت ثلاثة كذبات، فنفسي نفسي، ثم يذهبون إلى موسى، وهكذا إلى عيسى، فإلى أن يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول عليه الصلاة والسلام: أنا لها، فيدخل الله، قال: فأدخل على ربي فأسجد له، فيقول الله عز وجل: يا محمد، قم واشفع تشفع، قال: أو قال له جل وعلا: واشفع تشفع، إذا شفعت أشفعك في الذي تريده، فيشفع النبي عليه الصلاة والسلام في أهل الموقف، فيشفع الله عز وجل لهم. فالمهم أن هذا الشفاعة التي تكون في أهل الموقف، والشفاعة لا تكون إلا لمن أذن الله عز وجل له أن يشفع له، وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، فلا بد أن يرضى الله عز وجل عن الشافع والمشفوع له، ويأذن للشافع، ويأذن للشافع، الشافع يحتاج لإذن، وأيضا يحتاج لرضا، أن الله عز وجل يرضى عنه أنه يشفع، وكذلك يرضى الله عز وجل أن يشفع أيضا لهذا الذي سيشفع فيه. وهو من هذا الباب، ومن هذا، شاء الله نكمل في باب الشفاعة في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.