الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 7، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع مفهوم الزهد الحقيقي بأنه اجتناب الحرام والشبهات وإيثار الآخرة على الدنيا بالاعتدال لا تحريم الطيبات. ويستشهد بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الزهد مع التمتع بالمباحات ونهيه عن التشدد في العبادة.
يستعرض المقطع درجات الزهد الثلاث عند الإمام أحمد من ترك الحرام إلى ترك ما يشغل عن الله، ويربط ابن القيم الزهد بالورع ترك ما لا ينفع. وينقل عن الإمام الشافعي تفضيل الزهاد ووصفهم بأعقل الناس مع ذكر مكانة محمد بن الحسن الشيباني.
يبرز المقطع قول الإمام محمد بن الحسن الشيباني أن الزهد الحقيقي إتقان أحكام البيوع لتجنب الشبهات مع تعليق ابن عثيمين. وينصح طالب العلم بالاعتدال في المعيشة مستشهداً بزهد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وقناعته ورفضه المناصب داعياً للاقتداء به.
يختتم المتحدث المجلس بالاكتفاء بما ذُكر من فوائد وآداب طالب العلم. ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله ويحمد الله رب العالمين مفوضاً العلم له تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى في كتابه الماتع النافع "حلية طالبي العلم"، وهو يتحدث حول آداب طالبي العلم: قال رحمه الله تعالى: "سادساً: القناعة والزهادة". القناعة والزهادة؛ والقناعة هي مصدر قنع يقنع قناعة، وهكذا الزهادة مصدر زهد يزهد زهداً وزهادة. قال رحمه الله تعالى: "قال: التحلي بالقناعة والزهادة". قال: "وحقيقة الزهد: الزهد بالحرام، والابتعاد عن حماه". والابتعاد عن حماه قال: "بالكف عن المشتبهات، وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس". قال: "الزهد هو الزهد بالحرام"، يعني ما يقرب الحرام، والابتعاد عن حماه أي عن الأماكن المحمية التي تقرب من حدوده. ألا وإن لكل ملك حما، ألا وإن حما الله محارمه. هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "بالكف عن المشتبهات"، بالكف عن المشتبهات أي الأمور التي فيها شبهة، فيها شبه بالحلال البين، وفيها شبه بالحرام البين، ولأجل هذا الاشتباه قد يخفى حكمها على الكثير لا على القليل من الناس، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". ما معنى استبرأ؟ أي طلب البراءة لدينه من النقص، ولعرضه من الطعن، ولعرضه من الطعن. قال: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام"، الحديث. قال: "وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس"، أي الاستشراف وطلب ما عند الآخرين. إذن الزهد يا إخوان كما ذكر أهل اللغة هو ضد الرغبة؛ هذا يرغب وذاك يزهد، وذاك يزهد. والزهد هو ضد الرغبة وضد الحرص على الدنيا. وقد يرد الزهد بمعنى الرخيص، يقال: هذا زهيد، هذا زهيد، يعني رخيص، أو القليل، أو الحقير. ويكون الزهد يا إخوان بإيثار الآخرة على الدنيا، بإيثار الآخرة على الدنيا، وعدم التكلف؛ لا يتكلف في ذلك، لا يتكلف في ذلك، بل يكتفي بالحلال وبما يعينه على طاعة الله عز وجل، ولا يتكلف شيئاً يشغله عن الدار الآخرة. وليس الزهد يا إخوان في الدنيا بأن يحرم على نفسه الطيبات من المباحات، أو أن يكف النفس عنها. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أزهد الناس، ومع هذا، ومع هذا لم يحرم على نفسه شيئاً أباحه الله عز وجل له. بل ربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، والله غفور رحيم. فولما جاء أولئك النفر الثلاثة إلى أبياته، فسألوا أزواجه عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر أنه يصوم ويفطر، ويقوم من الليل وينام، ويتزوج النساء. فكأنهم تقالوها، أي رأوها قليلة، وقالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصوم النهار ولا أفطر، يعني سيصوم كل يوم. وقال الآخر: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام. وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، النساء مشغلة، والزواج مسؤولية. طيب، ما هو الحل؟ قال: خلاص، خليك عازب، خليك عازب يكون أسلم لك. وفي بعض الروايات قال: لا آكل اللحم. انظر: لا آكل اللحم. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر بخبرهم، هل فرحا أم غضبا؟ هل فرحا أم غضبا عندك يا أخانا محمد؟ محمد السليم: فرحا أم غضبا؟ أحسنت: غضبا، ولم يفرح. ولهذا صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا؟ أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له، أما إني أقوم من الليل وأنام، وأصوم من النهار وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فليس مني". وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه "مدارج السالكين في منازل أهل إياك نعبد وإياك نستعين"، حين أن تكلم عن الزهد، قال: "وقد قال الإمام أحمد بن حنبل"، والإمام أحمد كان إمام الزاهدين في عصره رحمه الله تعالى: "قال: الزهد على ثلاثة أوجه، على ثلاثة أوجه. قال: الأول: ترك الحرام". الأول: ترك الحرام. قال: "وهو زهد العوام". من الزاهد في العوام الذي يترك زنا، أغاني، خمر، دخان، ثمباك، قات، حشيش، كذب، إلى غيرها. ترك الحرام، قال: "وهو زهد العوام". الثاني: قال: "ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص". يعني يترك الفضول. إيش معنى الفضول؟ جمع فضل. وما معنى فضل؟ نعم يا أبا أحمد: ما زاد عن الحاجة. أكل بحسبه، ماذا؟ ما يكفيه، لا يزيد. شرب، إلى غيرها من الأمور. فماذا زهد؟ قال: "وهذا هو زهد الخواص، أنهم يزهدون في الزائد من الحلال". قال: "والثالث: تركوا ما يشغل عن الله عز وجل، تركوا ما يشغل عن الله عز وجل". قال: "وهو زهد العارفين، وهو زهد العارفين". إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى وغفر له. وقوله هاهنا: "وحقيقة الزهد"، كأنه... أو ذكر العلامة العثيمين في شرحه: قال: "كأنه أراد بالزهد هنا الورع". والمقصود به يا إخوان بعبارة مختصرة: قال: "هو ترك ما لا ينفع في الآخرة". ما هو الورع؟ قال: "هو ترك ما لا ينفع في الآخرة". فأي شيء لا ينفعك في الآخرة اتركه، فهذا يعتبر من الورع، هذا يعتبر من الورع. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي هريرة: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن". قال رحمه الله تعالى: "قال: ويؤثر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى". والمصنف يا إخوان كما أشار في الحاشية ينقل عن الزرنوجي من كتابه "تعليم المتعلم آداب التعلم"، آداب التعلم، وهو كما سبق في المقدمة كتاب قيم في هذا الباب. قال: "ويؤثر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى". ما اسم الشافعي يا إخوان؟ ما اسم الشافعي؟ ما اسم الشافعي؟ نعم: محمد بن إدريس الشافعي القرشي، أبو عبد الله. كان يلقب بلقب يا إخوان، ما هو هذا اللقب؟ الشافعي كان يلقب بلقب عظيم. نعم أحسنت: ناصر السنة. الشافعي كان يلقب بناصر السنة. كان يا إخوان محباً للسنة ومدافعاً ومنافحاً عنها، وكان مبغضاً للبدع وأهلها، مبغضاً للبدع وأهلها. وكان يقول: "حُكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك سنة رسول الله وأخذ بعلم الكلام". كان يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". فما أجل هذا الإمام! ولا يضره يا إخوان تملق وتمسح أهل البدع به. فما كان يقيم الموالد، وما كان يضرب على الطبول في المساجد، وما كان يقيم الختومات والبدع والمحدثات، وإنما كان على السنة، رحمه الله تعالى. قال: "ويؤثر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: لو أوصى إنسان لأعقل الناس، لأعقل الناس، قال: صرف إلى الزهاد". لو قيل: هذا البيت وقف على الزهاد، أو هذا المال يوزع على أعقل الناس، قال الشافعي: "ماذا؟ صرف إلى الزهاد". لماذا صرف إلى الزهاد؟ لأنهم أعقل الناس، لأنهم أعقل الناس. إن لله عباداً فطناء، طلقوا الدنيا وخافوا الفتناء. كما ذكر ذلك الشافعي رحمه الله تعالى. قالوا عن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى: ماذا تعرف عنه؟ ماذا تعرف يا أبا عبد الرحمن عن محمد بن الحسن الشيباني؟ تكرر معنا مراراً في درس العمدة، لا تستحضر. طيب، نعم، آه عندك يا أبا مصطفى: صاحب أبي حنيفة. كيف صاحبه؟ زميله، تلميذه. ومحمد بن الحسن الشيباني ومعه زميله أبو يوسف يعقوب، هما من خواص طلاب أبي حنيفة، وممن نشر مذهبه. من باب الفائدة يا إخوان: من أكثر العلماء خدمة لمذهب الإمام أبي حنيفة؟ منه أكثر العلماء خدمة لمذهب أبي حنيفة. فإذا سبق وأن ذكرته هو الإمام... أكثر العلماء خدمة لمذهب الإمام أبي حنيفة، صاحب "مشكل الآثار". أحسنت: الإمام أبو جعفر الطحاوي. وذكروا أن من أحسن من خدم مذهب الإمام الشافعي من هو؟ نعم، ها: الإمام أبو بكر البيهقي. وذكروا كذلك أن من أحسن من خدم مذهب الإمام مالك من هو؟ نعم: ابن عبد البر في كتابيه "الاستذكار" وكذلك "التمهيد". وذكروا في مذهب الإمام أحمد: الإمام الحافظ ابن رجب، وذكر بعضهم غيره. قال: "وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى، لما قيل له: ألا تصنف كتاباً في الزهد؟ قال: قد صنفت كتاباً في البيوع". قيل له: ألا تصنف كتاباً في الزهد؟ قال: قد صنفت كتاباً في البيوع. قال الشيخ بكر رحمه الله تعالى: "يعني الزاهد من يتحرز عن الشبهات والمكرهات في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والحرف، والحرف". انتهى كلامه، انتهى كلامه. وكأن هذا من كلام الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وليس من كلام العلامة المصنف رحمه الله تعالى. وعلق على هذا الشيخ العثيمين رحمه الله قال: "لأن من تعرف على البيوع وأحكامها، وتحرز عن الحرام واستحل الحلال، فإن هذا هو الزهد، فإن هذا هو الزهد". قال رحمه الله تعالى: "قال: وعليه"، أي على ما سبق ذكره، "فليكن، فليكن معتدلاً في معاشه". فليكن الضمير يعود إلى من؟ فليكن الزاهد طالب العلم. أحسنت: فليكن يعني طالب العلم معتدلاً في معاشه، بما لا يشينه، أي بما لا يسيء إلى دينه أو عرضه، وما يشوه سمعته. قال: "بحيث يصون نفسه ومن يعول، ولا يرد مواطن الذل والهوان، ولا يرد"، أي لا يقحم نفسه ويوقع نفسه في مواطن الذل والهوان. قال: "وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي، المتوفى أو المتوفي في سابع عشر من ذي الحجة عام ثلاث وتسعين وثلاثمئة وألف من الهجرة، رحمه الله تعالى، متقللاً من الدنيا". وسبق معنا يا إخوان في "شذرات البلاتين" في تراجم العلماء المعاصرين، في ترجمة الشنقيطي، ذكرنا باباً يتعلق بزهده رحمه الله تعالى، ونقلنا هذا الذي ذكره الشيخ بكر رحمه الله، وهكذا أيضاً ذكر غيره غير هذا. قال: "وقد شاهدته، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملات الورقية، العملات الورقية، ما يعرف أبو خمسمائة من أبو مئتين من أبو مئة، إلى غير ذلك". وأدركنا شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى على هذا، كان أحياناً يتلخبط في ماذا؟ في هذه العملات. وهكذا يا إخوان خواص العلماء. قال: "وقد شافهني بقوله: لقد جئت من البلاد". أي بلاد يا حمزة؟ أي بلاد؟ شنقيطي يقول: "وقد جئت من البلاد". أي بلاد؟ بلاد... طيب، نعم: أبو تميم. بلاد شنقيط، في أي بلد تقع اليوم؟ نعم يا أبا العباس: في إفريقيا، قارة تحتوي على بضعة وثلاثين أو نحوها دولة، ففي أي الدول اليوم يا أبا عبد الله؟ موريتانيا، قريبة من مالي أو بعيد؟ قريبة. طيب: موريتانيا. فالشنقيطي منها، وإقليم شنقيط إقليم معروف في تلك البلاد. قال: "لقد جئت من البلاد شنقيط، ومعي كنز قل أن يوجد عند أحد، قل أن يوجد عند أحد". قال: "وهو عندك يا محمد؟ القناعة، القناعة كنز". يا إخوان: إذا كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء، أنت والثري والغني والملك والوزير أنت سواء، بل أنت قد تكون خيراً منهم، خيراً منهم. قال: "وهو القناعة، ولو أردت المناصب لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب"، أي لغرب الدنيوية. قال: "فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، آمين". وذكروا عنه يا إخوان أنه كان أحياناً لربما يلبسون عليه مختلفين، هذا أحمر، هذا أزرق، ويمشي والدنيا بخير. من لاحظ غترته وعباءته وثوبه يرى فيه علامات الزاهدين، علامات الزاهدين. وهكذا يا إخوان طالب العلم، وهكذا طالب العلم ينبغي أن يستفيد من تراجم هؤلاء العلماء، سواء السابقين أو المتأخرين، ويتحلى بمثل هذه الآداب. فنكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.