الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 75، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المحاضر حديث ابن عباس عن لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، مبيناً الفرق بين لفظتي "زائرات" و"زوارات" وتصحيح الألباني للثانية، ويستعرض أقوال العلماء في حكم زيارة النساء للقبور مرجحاً قول الجمهور بالمنع لعلة ضعف النساء وخوف الفتنة والنياحة، مع النهي عن الغلو في القبور بتجصيصها أو بناء المساجد عليها.
يستعرض المقطع أربعة أقوال للعلماء في زيارة النساء للقبور: المنع المطلق، والكراهة أو المنع من الإكثار، والاستحباب، والجواز دون استحباب، مع ذكر أدلة كل قول من السنة وآثار الصحابة، ويرجح أن مذهب المنع هو المعتمد لدى هيئة كبار العلماء والمشايخ ابن باز وابن عثيمين.
يناقش الخلاف الفقهي في زيارة النساء للقبور مرجحاً جوازها بشرط القلة وعدم الدوام مع مراعاة عدم وقوع فتنة أو نياحة، مستنداً إلى فعل عائشة وتعليم النبي لها، ورأي الألباني بتقييد النهي بلفظ «زوارات»، كما يبيح وضع السرج على القبور للمصلحة كإنارة الطريق أو الدفن ليلاً لا للتعظيم.
يُعلن المحاضر انتهاء المقطع الحالي والاكتفاء بما تم طرحه، مختتماً بالقول: والله تعالى أعلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، في بابه: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. ذكر الحديث الثالث: قال، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أهل السنن، يعني: الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي. وهذا الحديث صحيح، لكن من غير لفظ "زائرات القبور". فلَفظة "زائرات القبور" هذه اللفظة ضعيفة، ضعفها العلامة الألباني رحمه الله تعالى في "سلسلة الأحاديث الضعيفة"، وصحح بدلاً من هذه اللفظة لفظة أخرى وردت، ألا وهي: "زوارات القبور". "زوارات" بهذه الصيغة، وفرق بين الصيغتين. الفرق بينهما أن "زائرات القبور" تدل على أي عدد من أعداد الزيارة، ولو مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك. أما "زوارات" فهو صيغة مبالغة، لفظ "زوارات" صيغة مبالغة، فتدل على الكثرة، تدل على الكثرة بمعنى: كثيرات الزيارة. ولا شك أن المعنى يختلف بين اللفظتين. فلفظة "زائرات" يدل على أي عدد، ولو كان قليلاً. وأما "زوارات" فلا يدل على العدد القليل، بل يدل على الكثرة، مثل: غفار (أي كثير المغفرة)، وأكال (أي كثير الأكل)، وهكذا. ووجه الشاهد من الحديث: أن النساء نُهين عن زيارة القبور؛ لأن في ذلك من الغلو، فإن النساء ضعيفات، ضعيفات ورقيقات، فقد تؤدي زيارتهن إلى النياحة، أو شدة البكاء، أو ذكر محاسن الميت، أو نحو ذلك. هذا وجه. وجه آخر: والمتخذين عليها مساجد. فمن الغلو في القبور أن تتخذ مساجد، كما مر. وأيضًا: والسرج. والمراد بالسرج: أي أن يجعل عليها السرج للتعظيم، للتعظيم. تزين هذه القبور، سواء كان بالسرج، أو بالتجصيص والتلوين، أو بالأضرحة والمشاهد والقباب والسقائف. كل هذا مما نهي عنه؛ لأن فيه غلو في هذا القبر. مثلاً: الآن لو ذهبتَ مقبرة، رأيتَ أغلب القبور ما فيها شيء من هذا، ورأيتَ قبرًا أو قبرين فيه من التجصيص، أو فيه من التلوين، أو فيه من كذلك التحسين، يدل على ماذا؟ هذا أن هذا له شأن وله منزلة. فهذا من الغلو الذي نهانا نبينا عليه الصلاة والسلام عنه. بل قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، كما مر معنا في الحديث الذي رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى. وهنا مسألة يذكرها العلماء، وهي: حكم زيارة النساء للقبور. حكم زيارة النساء للقبور؛ لأنه جاء في هذا الحديث: "زائرات القبور". طيب، على ضعف هذه الرواية لا يستدل بهذا الحديث، لا يستدل بهذا الحديث. لكن هناك أحاديث أخرى. وعلى رواية "زوارات القبور": نعم، يستدل به، يستدل به؛ لأنه صريح في هذا، لأن فيه لعن، واللعن من ألفاظ دخول الملعون في الكبائر، لأن اللعن مما يدخل تحت ضابط الكبيرة، تحت ضابط الكبيرة. فعلى كل، اختلف العلماء في حكم زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال، على ثلاثة أقوال، وإن شئتَ قل: على أربعة أقوال. القول الأول: وهو قول جمهور أهل العلم، إمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد، ورواية عن الإمام الشافعي، وغيرهم من الفقهاء، ذهبوا إلى المنع، ذهبوا إلى المنع. لهذا الحديث، وللعلّة المتقدمة في أن النساء ضعيفات ورقيقات وعاطفيات، فلربما تؤدي زيارة المرأة للقبور إلى النياحة، وإلى كذلك ذكر محاسن الميت، والبكاء، والنحيب، ونحو ذلك. وكذلك لوجود الفتنة، هكذا عللوا. فالمرأة لو ترك لها هذا الباب، صار هناك من الاختلاط، لأن الموضع هذا موضع اختلاط، وهذا الواقع اليوم، هذا الواقع اليوم في بعض المقابر. الآن ظهرت عادة ما كانت تعرف في هذه البلاد، أن بعض العوائل في يوم الجمعة، بدلاً من أن يذهبوا بعد العصر إلى السواحل وإلى النزهة، يذهبون إلى المقابر، ونقوم نزور جدكم، أو نزور عمكم، أو نزور أباكم، المهم الميت، وتذهب العائلة بأكملها. تصور لو يعني عشرين، ثلاثين، أربعين عائلة ذهبت، وجاء الرجال، في هذا الموضع سيكون مثل النزهة، مثل ما يخرجون إلى ساحل البحر. فهم عللوا هذا أيضًا من علة النهي، من علة النهي عن زيارة النساء للقبور. ومع ضعف هذه الرواية، لكن يستدل لهم أيضًا برواية "زوارات". "زوارات". واختلفوا في لفظة "زوارات": هل هي كثيرات الزيارة، أو إخبار عن الحال؟ بعضهم قال: هذا إخبار عن الحال، لأن المرأة إذا فتح لها هذا الباب تكثر من زيارة القبور لعاطفتها، ولطبيعتها. ومنهم من قال: لا، إنما النهي عن الإكثار، أن لا تكثر المرأة من زيارة القبور. وأما إذا زارت زيارة ليست بكثيرة، فهذا لا شيء فيه. هذا يمكن نجعله قولًا ثانيًا، يعني: أن المرأة تمنع من كثرة الزيارة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "زوارات". هذا قال به بعض أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني عليه رحمة الله. هذان قولان. القول الثالث: الندب، الندب بمعنى الاستحباب. كما أنه يستحب للرجال أن يزور القبور لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك: «فإني قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها». فكذلك النساء يندب ويستحب لهن زيارة القبور. واستدلوا بعدة أحاديث، منها الحديث المتقدم، قالوا: هذا حديث عام: «نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة»، تذكركم الآخرة. فقالوا: هذا عام للرجال والنساء. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة، أن عبدالله بن أبي مليكة رآها قدمت من مكان، فقال لها: من أين قدمت يا أم المؤمنين؟ قالت: من المقبرة، زرت أخي عبد الرحمن بن أبي بكر. فقال لها: ألم ينهَ النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان ذلك في أول الأمر، ثم رخص في ذلك. فهذا قالوا: فعل عائشة، والحديث صحيح، صحيح، العلامة الألباني عليه رحمة الله. فحمله العلامة الألباني على القول المتقدم، أن هذا يحمل على القلة. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة في الصحيح، أنها قالت: يا نبي الله، رأيتُ، أزرت القبور، فما أقول؟ فعلمها النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين» إلى آخر الحديث. فقالوا: لو كانت المرأة تمنع من زيارة القبور لنبهها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علمها هذا الدعاء. مع أن الجمهور نازعوا في هذا الحديث، وقالوا: إنما يحمل هذا الحديث، حديث عائشة، على من مرت على القبور، من مرت مرورًا، كانت تمشي فمرت على مقابر، لم تقصد الزيارة، فلها أن تأتي بهذا الذكر. نعم، وهذا قول الحنفية، هذا قول الحنفية. وقول رابع: أنه يجوز لكن دون استحباب. من حيث الجواز يجوز، وذهب إلى هذا رواية عن الإمام الشافعي، اختارها الإمام النووي في كتابه "المجموع"، ذهب إلى الجواز. وكذلك رواية عن الإمام أحمد، لكن الرواية المشهورة عن الإمام أحمد المنع، ولذلك أغلب الحنابلة يذهبون إلى المنع من زيارة النساء للقبور، حتى المعاصرين منهم. فمذهب المنع من زيارة القبور للنساء هو مذهب الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وهيئة كبار العلماء، وغيرهم من علماء المملكة، يذهبون إلى المنع من زيارة النساء للقبور. واستدلوا بما ورد عن عائشة رضي الله عنها، يعني: لما زارت قبر أخيها، ولما علمها النبي صلى الله عليه وسلم كذلك دعاء زيارة القبور، ولم يقولوا بالاستحباب لورود الحديث الوارد في النهي. النهي عن زيارة النساء للقبور هو هذا الحديث، حديث ابن عباس: «لعن زوارات القبور» عليه الصلاة والسلام. والأقرب والله أعلم أن يتقيد بلفظ هذا الحديث، كما ذهب إلى ذلك العلامة الألباني، فيقال: المرأة يجوز لها أن تزور القبور، لكن بقلة، وليس على وجه الدوام، ليس على وجه الدوام. لفعل عائشة، ولكذلك تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لها حديث زيارة القبور. ولأن هذا اللفظ جاء بصيغة المبالغة. والعلة التي ذكرها الجمهور: إذا وجدت في بعض النساء تمنعنا، إذا كانت المرأة إذا زارت القبور لا تملك نفسها، أو إذا أكثر النساء من زيارة القبور يحصل الإفتتان بهن، فهنا يكون المنع. وإلا فالأصل الجواز، إذا كان على سبيل القلة، إذا كان على سبيل القلة؛ لأنه وردت أحاديث صريحة في ذلك. والله تعالى أعلم. والمسألة اجتهادية، والأحاديث كما سمعت فيها متكافئة، الأحاديث متكافئة، سواء كان أحاديث المنع أو أحاديث الجواز، أو أحاديث الجواز. فالوسط أن يقال: لا نستطيع أن نمنع لورود الأدلة على الجواز، لكن ليس بكثرة، ليس بكثرة. وهذه إشكاليات ترد كثيرًا، خصوصًا في الذهاب إلى الحج أو إلى العمرة، فتجد بعض النساء مثلاً تحب أن تكون مع الرجال في زيارة، مثلاً مقبرة الشهداء، شهداء أحد، أو في زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، أو غير ذلك، أو عند كذلك المرور ببعض المقابر، أو نحو ذلك. فلا يشدد في هذا الأمر، والله تعالى أعلم. أدام... أن أحاديث جاءت بالجواز، فيجوز بدون أن يكون في هذا الفعل منهن محظور شرعي، سواء كان من النياحة، أو من الغلو من قبلهن في القبور، كما يفعل بعض النساء الجاهلات في قبور بعض من يدعون فيه الصلاح، أو نحو ذلك، فهذا تمنع النساء من ذلك. أو حصل بزيارة النساء اختلاط وفتنة بين الرجال والنساء، فهكذا كذلك. قد يقول في زيارة مقبرة الشهداء أحد: فتنة، لأن اختلاط. قال: هذا في الحج والعمرة، أي النساء التي في المقبرة هن في المسجد، هن في المسجد. فاتق الله ما استطعت، فاتق الله ما استطعت. ما تستطيع أن تمنع في تلك الأماكن النساء من حضور الجماعات، أو من حضور مثل هذه المشاهد، والله المستعان. هذا بالنسبة لهذه المسألة في حكم زيارة النساء للقبور. أما لفظ "زائرات" فقلنا هي ضعيفة، لكن وردت بلفظ "زوارات". وأما السرج، كما تقدم، المراد بهذه السرج: إذا كان فيها تعظيم لصاحب القبر، تعظيم لصاحب القبر وتمييزه على غيره. أما إذا كانت السرج من أجل المصلحة، كإنارة الطريق، مقبرة يمر منها المار بجانبها، أو كذلك دفن ميت في الليل، هم يحتاجون إلى مثل هذه السرج، فلا بأس. أو كذلك دفع بعض الحيوانات، كالكلاب ونحوها، إذا لم يكن هناك إضاءة، ربما صارت المقبرة مثل المزبلة، فلا بأس إذا كان هناك مصلحة، ليس القصد من هذه السرج تعظيم القبر، وإنما مصلحة المارة، أو مصلحة دفن الميت، أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به، كما أفتى بذلك العلماء. هذا ما يقال في هذا الحديث، ووجه الشاهد منه ظاهر: أن من الغلو في قبور الصالحين النياحة عند هذه القبور، كما يفعل بعض النساء، أو ذكر محاسن الميت، أو اتخاذ هذه القبور مساجد، أو السرج عليها، أو السرج عليها، فإن هذا يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.