الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع مفهوم التبرك بالأماكن والأشياء وكيف يمكن أن يؤدي إلى الشرك بالله، حيث يعظم الناس هذه الأشياء دون إذن من الله. كما يوضح الفرق بين الصنم والوثن ويشرح معاني اللياذ والعياذ.
يشرح المقطع كيف يمكن أن يحدث الشرك بالله من خلال التبرك بالأماكن والأشخاص، مثل القبور والأشجار، ويبين أن طلب الخير أو دفع الشر من هذه الأشياء يعتبر شركا بالله. كما يوضح أن اعتقاد النفع أو الضر في هذه الأشياء دون إذن الله هو اعتقاد باطل.
الناس في الجاهلية كانوا يتبركون بالأشياء مثل القبور والأشجار، ويعتقدون أنها تجلب الخير أو تدفع الشر، وهذا اعتقاد باطل وشرك بالله. النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل هذه الأمور وأمر بالتوحيد.
يتم ختام الدرس الحالي على أن يتم استكماله فيما بعد، مع الإشارة إلى الدخول في موضوع الزيارة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، السلام علي رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحافظ الحكم رحمه الله قال: من الشرك فعل من يتبرك بشجرة أو حجر أو بقعة أو قبر أو نحوها. من الشرك فعل من يتبرك بشجرة أو حجر أو بقعة أو قبر أو نحوها، يتخذ ذلك المكان عيدا، وبيان أن زيارة تنقسم إلى سنية وبدعية وشركية. قال رحمه الله: هذا من أعمال أهل الشرك من غير ما تردد أو شك، ما يقصد الجهال من تعظيم ما لم يأذن الله بأن يعظم، كمن يلذ ببقعة أو حجر أو قبر ميت أو ببعض الشجر، متخذا لذلك المكان أيضا كفعل عابد أو ثاني. ذكر رحمه الله بعض أعمال أهل الشرك، هذا من أعمال أهل الشرك من غير ما تردد أو شك. معنى ما نشك في أنها شرك بالله، ليس هناك تردد بأن هذه الأعمال شرك بالله. ما يقصد الجهال من تعظيم ما لم يأذن الله بأن يعظم، هذا سبب من أسباب وقوعهم في الشرك، أنهم يعظمون ما لم يأمر الله عز وجل بتعظيمه من الأموات والأشجار والأحجار ونحوها. فتجد مثلا حجرة يجعلون لها تاريخا، وأنها فلان ابن فلان، لا فعل فيها كذا، أو أنه جلس تحتها فلان، فتجد أنهم يعظمون هذه الحجرة لأن فلان جلس عندها. وكذلك أيضا يعظمون بعض الأشياء التي حصلت، مثلا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مثل الشجرة التي بايع عندها شجرة الرضوان كما يظنون. معنى شجرة التي بايع عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عندها في الحديبية، فقطعها عمر رضي الله عنه لما رأى أناسا يتبركون بها أو يذهبون عندها يظنون أن هذا فيه أجر، فقطعها عمر رضي الله عنه. وهكذا أحيانا الغلو يجرهم إلى تعظيم ما لم يعظم الله عز وجل، بل يعظمونه كتعظيم الله، حتى يعتقدون فيه النفع والضر، حتى يعتقدون فيه النفع والضر، وهذا لا شك فيه بأنه شرك بالله جل وعلا. وهذا مثل اتخاذ أهل الشرك الآلهة من دون الله من الأصنام والأوثان. ما الفرق بين الصنم والوثن؟ الوثن أعم، والصنم أخص. لكن ما وجه الخصوص؟ له صورة. والوثن سواء كان بصورة أو بغير صورة. معنى الوثن أعم صحيح، الوثن أعم، لكن الصنم الذي له صورة يسمى صنم، والوثن قد يكون له صورة وقد لا يكون، قد يكون صنم، قد يكون حجر، قد يكون شجر، يسمى وثن. فعباد الأوثان كلمة شاملة لكل من يعبد غير الله من الأحجار والأشجار وغيرها، فهذا التعظيم الذي يحملهم على هذا الشرك. فذكر هنا بعد ذلك أمثلة، قال: من يلذ ببقعة أو حجر أو قبر ميت أو ببعض الشجر. يلذ من اللياذ، وهو اللجوء في طلب الخير. اللياذ هو اللجوء في طلب الخير، والعياذ هو اللجوء في دفع الشر. في البيت الذي قاله المتنبي في ابن عمه الملك أبي فراس الهمداني أو غيره، قال المتنبي: يا من ألوذ به فيما أؤمله، وأعوذ به مما أحاذره. يا من ألوذ به فيما أأمله الذي أأمله وأطلبه من الخير ألوذ به عنده، ويا من أعوذ به مما أحاذره ألتجئ إليه لدفع الشر. فاللياذ لجوء لجلب الخير، والعياذ لجوء لدفع الشر. فقال: هناك من يلذ ببقعة أو حجر، يريد طالب منها يطلب شيئا منها، يطلب ولد، يطلب رزق، يطلب كذا، يطلب من هذه الشجر أو هذه البقعة أو هذا الحجر أو هذا القبر. فقال: من يلذ ببقعة أو حجر أو قبر ميت أو ببعض الشجر، فيطلب منها ما يطلب من الله عز وجل، فيطلب منها ما لا يطلب إلا من الله، فهذا يعتبر من الشرك الصريح. بل بعضهم يقول: يا شيخ فلان، ويا فلان صاحب القبر، ينادي صاحب القبر: يا فلان جئنا إليك وكلنا ذنوب، وكأنه يغفر الذنوب. وبعضهم يفعل حيلة، يقول: فادع ربك أن يغفر لنا ذنوبنا، كأنه يخاطب هذا يجعله واسطة بينه وبين ربه جل وعلا. فكل من اعتقد في حجر أنه ينفع ويضر، فإنه يعتبر مشركا، بإذن الله من غير إذن الله، أو أنه يفعل ذلك بذاته، فيصرف له العبادة أو يطلب له منه الخير، فهذا يعتبر شركا. ليس شرطا مثلا أن يعتقد أنه ينفع بذاته، مثل ما يفعله بعض التصوف، يقولون: هذا الحجر ينفع بإذن الله. هذا الحجر ينفع بإذن الله، هذه حيلة، لأن كل شيء يكون بإذن الله، ما في شيء بدون إذن الله. لكن كيف ينفع بإذن الله؟ هل معنى ذلك أنه يجوز أن يعتقد فيه النفع؟ لكن النفع هذا الذي يعتقد فيه ليس لأجل أنه يخرج ثمر، وليس لأن الناس يستفيدون من أغصانه ومن جذوعه ومن كذا، هذا ما هو وجه الخلاف. فالآن أنت تجيز لكل أحد أنه يأتي ويطلب من هذه الشجرة أنها تنفع، فكيف تقول مثلا أنها تنفع بإذن الله؟ فمعنى ذلك أنه يجوز أن يعتقد فيها النفع، لكن النفع هذا الذي يعتقد فيها ليس لأجل أنها تخرج ثمر، وليس لأن الناس يستفيدون منها. هذا أمر لله عز وجل، لا يستطيع أحد أن ينفع أو يضر إلا بإذن الله سبحانه وتعالى. أما اعتقاد أنه ينفع، لكن تقول: بإذن الله هو ينفع، لكن بإذن الله، هذا ما تنفع بإذن الله، لأنه يعتقدون أصلا النفع فيه، يعتقدون أنه ينفع بذاته، لكن يقولون: ما يحصل إلا بإذن الله، فهذا كله باطل. وهذا أيضا اعتقاد المشركين، حتى أهل الشرك القدماء، ما كان يعتقدون أن هذه الأحجار بذاتها هي التي تنفع، لا يقولون هذا، وناس صالحون وكذا، الله عز وجل يعطيهم هذا الشيء، معناه كأنه بإذن الله. قالوا: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾، ما صرفنا لهم العبادة إلا ليقربونا إلى الله. فلما قال قوم موسى لما كانوا مارين وجدوا ناسا يعبدون الأصنام، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. نحن نريد إلها واحدا فقط، هم كثير. اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ولهذا أيضا هذه القصة حصلت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي واقد الليثي، وإسناده حسن، أنهم لما كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الغزوات، مروا على ناس يتبركون بشجرة، فيعلقون فيها أسلحتهم. أنا يعلق سلاحه، لأن الناس يعتقدون أن هذه الشجرة تحفظ هذا الأمر، فلا أحد يأخذ السلاح. مثل ما كان يفعلون هنا، كان في بعض القبور، إذا أراد الإنسان مثلا أن يحفظ ماله، عنده حديد، عنده خشب، عنده كذا، يذهب بهذا الخشب إلى عند القبر، خلاص يضعه عند القبر، خلاص ما في أحد يأخذه، لأن الناس يعتقدون أنه لو أخذه سيصيبه شيء. حتى السارق منهم الذي يسرق، ما يستطيع أن يسرق عند القبر، لماذا؟ يخشى أنه يصيبه شيء. فتجد كان قبر في منطقة، هذا ساحوت مشهور عندهم، تجد عنده ما شاء الله، كأنه يبيع، عنده الخشب، عنده الإسمنت، عنده الحديد، عنده أشياء كثيرة، عنده كأنه باع. كلهم يحفظون الذي يريد يحفظ ماله يضعه عنده، خلاص السرق، حتى هو قريب البحر، أصلا هو كان قرب البحر، الصيادون لما كانوا قبل، الصيادون يأتون بهذه الساردين، الساردين يأتون بكميات كثيرة، فيفرشوه في الأرض حتى ييبس، فيأتي العرب ويشترون. لكن بعض العرب ما عندهم مال، يأتون في الليل ويأخذون بدون مال، لأنه مفروش في الأرض. فكانوا يأتون يطلعون من البحر معهم هذا، كانوا شباك هكذا يضعون فيه هذا، كل واحد يطلع يجيبون ما عند القبر، يطرحون عند القبر. فيقول لك العرب: خلاص ما سيأخذون شيء من عند القبر، هذا اعتقاد باطل. معنا أداهم هذا الاعتقاد إلى مثل هذه الأمور. لكن لأن الناس كانوا في جهل، فكان حتى المجرم الذي لا يصلي أو السارق، ما يعتقد مثلهم، فيضعون في مثل الناس، في قلوب الناس مثل هذه الأمور. لكن لما توعى الناس وحصل سرقات، معنا الواحد يطرح خشبه يحصل ماشي، فتوعى الناس بعد ذلك، خلاص ما عاد يضعون شيء عنده. فلهذا لما مروا على هذه الشجرة يعلقون فيها الأسلحة، فقال بعض حديثي عهد بإسلام من أسلم قريبا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. هذا حصلت في حنين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة أسلم كثير من أهل مكة، دخل الإسلام، وكانوا حديثي عهد بالشرك، لا زالوا ما يعرفون شيء في الإسلام. فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم عند هذه الشجرة، وهم يعلقون هذه الأسلحة، قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: «الله أكبر، إنها سنن، لقد قلتم ما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة». فلهذا فمثل هذه الأمور تعتبر شركا. التبرك لعجل التبرك، بعض الصوفية الآن يقول: هؤلاء عباد القبور، يقول لك: النخلة بركة، شجرة مباركة، وجاء في الأحاديث أنها مباركة. طيب حتى لو صح مثلا أنها مباركة، هل معنى أن في ذاتها البركة؟ أن البركة في ذاتها لا، وإنما البركة يحدثها الله عز وجل في الشيء. فلهذا فطلبوا مثلا أشياء من هذه الشجرة أو من غيرها، فهذا لا يجوز، بل هو شرك بالله. فاعتقاد البركة في هذه الأشياء، وأنها تنفع في جلب خير أو دفع شر، فهذا من الشرك بالله. قال: متخذا لذلك المكان عيدا كفعل عابد أو ثاني. أنا أيضا يجعلونه عيد، يقولون: هذا المكان فيه تبرك بهذا القبر أو تبرك بهذه الشجر، فيجتمع الناس في يوم من الأيام أو في شهر من الشهور، فيقصدون هذا القبر ويتبركون حوله. طيب إن شاء الله نكمل بهذا بعد ذلك، دخل في الزيارة. طيب كافي درس، نلاحق إن شاء الله.