الدرس في عدة الباحث فيما تعلق باليوم الآخر من المباحث 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع أدلة القرآن الكريم على البعث والنشور، مستشهداً بآيات تتحدث عن إحياء الموتى. كما يذكر قصصاً قرآنية كقصة قتيل بني إسرائيل، والقوم الذين فروا من الموت، والرجل الذي مر على القرية الخاوية، دليلاً على قدرة الله على إحياء الموتى يوم القيامة.
يعرض المقطع أدلة البعث من القرآن كقصة عزير وإبراهيم، ومن السنة النبوية المتواترة، ويؤكد إجماع العلماء على كفر من أنكر البعث. ويفرق بين البعث وهو الإحياء بعد الموت، والنشور وهو الحشر والسوق إلى أرض المحشر، مبيناً أن الحشر يشمل الإنس والجن والحيوان.
يصف المقطع أحوال الحشر يوم القيامة حيث تُبدل الأرض بأرض بيضاء عفراء مستوية، ويحشر الناس حفاة عراة غرلاً لا يلتفت أحد لغيره لهول الموقف. ويُكسى إبراهيم أول الخلائق إكراماً له، بينما يحشر النبي محمد بثيابه، وتشهد المخلوقات للمؤذن بأذانه، ويقتص الله للبهائم من بعضها قبل حساب المكلفين.
الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد فتتمة لذكر بعض مباحث الإيمان باليوم الآخر وقد ذكرنا في الدرس الذي مضى شيئا مما يتعلق بالبعث والنشور وعلمنا أن البعث هو إحياء الله جل وعلا للأموات وكذلك أن الأدلة على إثبات ذلك كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله وأجمع على ذلك أهل الإسلام فالله جل وعلا يقول مخبرا عن حال هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم وهكذا أيضا قال ربنا جل وعلا ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ويقول الله عز وجل وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ويقول جل وعلا الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه وهكذا في آيات كثيرة ومنها أيضا ما أخبر الله عز وجل من تقريع هؤلاء الكفار عند دخولهم النار وأنه يقال لهم ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين وآيات كثيرة في هذا الباب فيها إقرار هؤلاء الكفار بمجيء الرسل وبإنذارهم وإخبارهم بهذا الأمر العظيم أن الله جل وعلا سيبعثهم وسيجازيهم على أعمالهم بل إن الله عز وجل قد ذكر لنا في القرآن أربعة حوادث وقصص ووقائع أحيى الله جل وعلا فيها الأموات بعد موتهم في الحياة الدنيا مما يدل على كمال قدرته سبحان وتعالى على ذلك ومن ذلك ما أخبر الله عز وجل به في قصة قتيل بني إسرائيل الرجل الذي قتل ولم يدرى من قاتله فأوحى الله عز وجل نبيه موسى عليه السلام أن يأمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها فلما شددوا شدد الله عليهم حتى فعلوا ذلك فضربوه ببعضها فأحياه الله قال له من قتلك قال فلان ثم رجع فمات قال الله عز وجل فقلنا ضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون آية عظيمة تدل على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى أحيى الله عز وجل هذا الميت في هذه الدار وفي هذه الحياة ثم أماته مرة أخرى وهكذا أيضا في قصة أولئك الذين خرجوا من ديارهم خوفا من الموت وهم ألوف ألوف من الناس فأماتهم الله ثم أحياهم ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت خوفا من الموت قيل من وباء أو غيره فقال الله فقالهم الله موت ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون خرجوا هربا من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم بعد موتهم وهكذا أيضا قصة ذاك الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ليس فيها أحد وقد دمرت مساكنها ومات أهلها فقال أن يحيي هذه الله بعد موتها قال الله جل وعلا فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه أي لم يتغير وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير هذا الرجل كما رجع الإمام السعد رحمه الله أنه ممن ينكر البعث لكن أراد الله عز وجل به خيرا فأراه هذه الآية العظيمة في نفسه وفي حماره وطعامه أن الله جل وعلا أماته مئة عام مئة سنة ثم بعثه أحياه بعد موته قال كم لبثت ما هي الفترة التي لبثت فيها قال يوما أو بعض يوم يعني جزء من يوم مرت عليه المئة سنة كيوم أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام مئة سنة أماته الله ثم أحياه قال فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه لم يتغير مئة عام طعامه وشرابه وهو باقي محفوظ لم يتغير ولم يتعفن ومعلوم أن الطعام والشراب من أسرع ما يتغير لكن حفظه الله سبحانه وتعالى من التغيير قال وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس فيها عظة وعبرة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وانظر إلى العظام كيف ننشيزها ثم نكسوها لحمة يعني يركب بعضها إلى بعض فرأى ذلك بعيني كيف أعاد الله عز وجل هذه العظام عظام حماره وركب بعضها إلى بعض ثم كساها لحما حتى أحيا له حماره فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير وهكذا أيضا إبراهيم عليه السلام لما أراد أن يبلغ درجة الوصول إلى عين اليقين إبراهيم موقن مؤمن لا شك وريب أن الله عز وجل يحيي الأموات بعد موتهم لكن أراد أن يبلغ درجة أعلى من ذلك أن يرى ذلك بعينه وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال الله عز وجل قذ أربعة من الطير فصرهن إليك صرهن إليك يعني اجمع هذه الأربع ثم قطعها واخلط بعضها ببعض اخلط بعضها ببعض دمها في دم الأخرى وريشها في ريش الأخرى قال فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء من الجبال القريبة منك ضع جزء في هذا الجبل وجزء في هذا الجبل قال ثم ادعوهن يأتينك سعيا تاتي تطير كما خلقها الله سبحانه وتعالى أول مرة واعلم أن الله عزيز حكيم ففعل ذلك وأراه الله عز وجل هذه الآية العظيمة هذه من دلائل عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى وهكذا في السنة أحاديث كثيرة في قوله عليه الصلاة والسلام وأن البعث حق وفي قوله في حديث جبريل المشهور في روايته بهريرة في الصيحين قال والبعث بعد الموت والبعث بعد الموت وفي مسند الإمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام بخن بخن خمس من مات وهو موقن بهن أدخله الله الجنة الإيمان بالله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث بعد الموت والحساب وأحاديث كثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام تدل على بعث الله جل وعلا للأموات بعد موتهم وأحيائهم بعد ذلك وإذا علمنا ذلك علمنا أن من أنكر البعث فهو كافر فهو كافر مرتد قال الله جل وعلا وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ونقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على كفر من أنكر البعث كالإمام عبدالبر وغيره فهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ما أنكر ذلك إلا طواف كما ذكرنا في الدرس الماضي من الملاحدة والزنادق والدهريين من يؤمن بالتناسخ الأرواح هؤلاء أنكروا ما يتعلق بالبعث بعث الأرواح وبعث الأجساد البعث الروحي والبعث الجسدي وهناك أيضا بعض مشركي العرب بعض مشركي العرب ممن أنكر ذلك ممن بعث فيه من نبي عليه الصلاة والسلام وبعضهم أقر بأمر البعث كما هو في أشعار بعضهم كحاتم الطائي وزهير من أبي سلمة وأمي من أبي الصلت وغيرهم وهناك أيضا من أنكر البعث الجسماني وأقر بالبعث الروحاني قال الأرواح تبعث وأما الأجساد لا تبعث الأجساد تنتهي لكن الأرواح تبعث وهذا قول جماعا من الفلاسفة ممن ينتسب إلى الإسلام كبن سيناء والفاراب ونحوهم ممن سار على طريقتهم ورد عليهم العلماء ومنه الإمام القيم رحمه الله في نونيته المشهورة أشار رحمه الله إلى قولهم هذا الباطل وأنهم أخذوه من أهل اليونان وأما أهل الإسلام وأهل السنة والجماعة فيؤمنون بأن الله عز وجل يبعث هذه الأرواح ويبعث هذه الأجساد هذه الأجساد التي كانت في الدنيا ثم ماتت فيحييها الله سبحانه وتعالى وينشئها نشأة أخرى سبحانه وتعالى وهو القائل عز وجل كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا وعدا علينا إنا كنا فاعلين وكذلك أيضا ما يتعلق بأمر النشور والنشور هو الجمع والسوق جمع بسوق ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام نار تحشر الناس أي تجمعهم وتسوقهم فلما نقول البعث والنشور البعث الإحياء بعد الموت والنشور الجمع والسوق أن الله عز وجل يجمع الخلائق ويسوقهم إلى أرض المحشر التي فيها يحشر جميع الخلق وأمر الحشر لا يتعلق بالمكلفين فقط بالإنس أو بالجن بل جميع المخلوقات الإنس والجن والحيوانات والطيور الجميع يحشر ويدل على ذلك قول الله عز وجل في الجن ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون إنهم لمحضرون وأما الوحوش فالله عز وجل وعلا يقول وإذا الوحوش حشرت وإذا الوحوش حشرت ويقول جل وعلا وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ثم إلى ربهم يحشرون وفي حديث ذكر أجر المؤذن قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمع أذان المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة إلا شهد له يوم القيامة معنى أنه سيكون موجودا يشهد له وكذلك يشهد لهذا المؤذن بأذانه وعلامه بدخول وقت الصلاة إلا أن هذه الحيوانات والمخلوقات التي هي غير مكلفة يحييها الله جل وعلا ويقتص فيما بينها من مظالم قال النبي عليه الصلاة والسلام لتؤدن الحقوق إلى أهلها قبل يوم القيامة حتى يقادل الشات الجلحاء من الشات القرناء يعني يقتص الله عز وجل لهذه الشات الجلحاء التي لا قرون لها من الشات القرناء التي لها قرون فناتحتها بقرونها ثم يقول الله عز وجل لها بعد ذلك كوني ترابا ولهذا يقول الكافر إذا رأى ذلك يا ليتني كنت ترابا ويبقى أهل التكليف الذين هم مكلفون من الإنس والجن يكون لهم الجزاء ولهم ماذا العذاب والعقاب إما إلى الجنة وإما إلى النار وحشر الخلائق طبعا يحشر الناس في أرض غير هذه الأرض هذه الأرض تبدل قال الله جل وعلا يوم تبدل الأرض غير الأرض تبدل إلى أرض أخرى أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي ليس فيها معلم لأحد يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء أرض بيضاء عفراء عفراء تميل إلى الحمراء تميل إلى الحمراء أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي أي كالخبز النقي الذي صنع من الدقيق الأبيض الخالص ليس فيها معلم لأحد ليس فيها علامة سكنة ليس فيها معالم ولا حدود ولا أركان ولا شيء أرض مستوية كما قال الله جل وعلا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا لا ارتفاع ولا انخفار يحشر الناس يوم القيامة حفاتا عراتا غرلا كما قال عليه الصلاة والسلام يحشر الناس يوم القيامة حفاتا عراتا غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم والحديث الصيحين من حديث عائشة وجاء أيضا من حديث ابن عباس ولما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله النساء والرجال ينظر بعضهم إلى بعض قال يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك الأمر عظيم ما يلتفت الرجل أن ينظر إلى المرأة ولا المرأة تنظر إلى الرجل الجميع يحشرون عرات أي بلا ثياب كما خلقهم الله سبحانه وتعالى حفاتا بلا نعال غرلا غير مختونين ولهذا قال الله عز وجل كما بدأنا أول خلق نعيده أول من يكسى من الخلائق إبراهيم عليه السلام أول من يكسى إبراهيم عليه السلام قال أهل العلم كيف يكسى إبراهيم عليه السلام أولا وأفضل الأنبياء والرسل هو نبينا عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم يكسى إبراهيم عليه السلام إكراما له لأنه عليه السلام قد ألقي في النار وجرد من ثيابه فيكرمه الله جل وعلا بأن يكسوه في أول الخلائق في يوم القيامة وقيل يكسى عليه السلام أول الخلائق لأن إبراهيم كان من أشد الناس خشية لله على ظهر هذه الأرض فيكرمه الله سبحانه وتعالى بذلك حتى يؤمنه من روع ذلك اليوم وقيل أن إبراهيم يكسى في أول الخلائق وأما نبينا عليه الصلاة والسلام فإنه يحشر بثيابه يحشر بثيابه ولا يحشر عاريا قال هذا بعض أهل العلم وإن كان ظاهر الأدلة أن هذا الحكم عام لجميع الخلق ومنهم الأنبياء والرسل فالله فالله أعلم بالحكمة التي لأجلها كسي إبراهيم عليه السلام قبل جميع الأنبياء والرسل فالمقصود أن الناس يحشرون على هذا الوصف عراتا حفاة غرلة الرجال والنساء جميعا على هذا الحال لكن لا يلتفت أحد إلى أحد لعظم ذلك الموقف وهولي ذلك اليوم وما ينتظر الإنسان أمامه من حساب وجزاء ومن جنة ونار ولذلك لا يلتفت أحد إلى أحد كل يريد أن يخلص من عذاب الله جل وعلا ومن شدة وفزع ذلك اليوم العظيم طيب نكتفي بهذا القدر صلى الله وسلم على نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين والله تعالى أعلم