الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 90، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حديث ابن عباس الناهي عن تعلم النجوم لكونه شعبة من السحر، مبيناً اشتراك التنجيم والسحر في ادعاء علم الغيب. كما يفصل في تقسيم علم النجوم إلى علم التأثير الذي قد يبلغ الشرك الأكبر أو الأصغر حسب اعتقاد المؤثر، وعلم التسيير المشروع للمواقيت والملاحة.
يبيّن المقطع علم التسيير بالاستدلال بالنجوم على الجهات والأوقات والقبلة، مقسماً إياه إلى جائز للعامة وواجب لمن تعذرت عليه المعرفة الشرعية في الصحراء. ثم ينتقل لذكر حديث النفث في العقد وبيان ضعفه سندا وصحة معناه، وربطه بالسحر والشرك الأصغر.
يُقرر المقطع أن النميمة تُعد نوعاً من السحر لتوافقهما في التفريق بين الناس، مع تفوق النميمة في سرعة التأثير وعظم إثم السحر لاشتماله على الشرك. كما يوضح أن البلاغة والبيان قد يكونان في حكم السحر لتأثيرهما الخفي، فيُحمدان في الحق ويُذمان في الباطل.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: يقول الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي بابه: بيان شيء من أنواع السحر: قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد». رواه أبو داود بإسناد صحيح، والحديث صحيح، صححه العلامة الألباني في عدة من كتبه، ومنها "صحيح أبي داود". ومعنى هذا الحديث: من اقتبس، أي: من تعلم. "شعبة من النجوم"، أي: طائفة وقطعة، طائفة وقطعة من النجوم، وما يسمى بعلم النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، أي: فقد تعلم شعبة من السحر. ومن تعلم السحر فقد كفر. وقوله: "زاد ما زاد"، معناه: كلما زاد من تعلم النجوم، زاد من السحر؛ بقدر تعلمه لعلم النجوم يكون قدر تعلمه من السحر. وكلما زاد من علم النجوم زاد سحرًا، وهكذا. فهذا معنى هذا الحديث. ووجه الشاهد من هذا الحديث: أن التنجيم من السحر، من جهة أن المنجم يستند لأمر خفي، لأمر خفي غيبي لا يصح اتخاذه، وكذلك الساحر، فاشتركا في ادعاء علم الغيب، وأيضًا في خفاء هذه الأمور؛ لأن الغيب سر الله لا يطلع عليه أحد إلا من شاء سبحانه وتعالى من خلقه. فلذلك هناك علاقة بين التنجيم وبين السحر من جهة الاستناد لأمر خفي لا يصح اتخاذه. وعلم النجوم ينقسم إلى قسمين، كما ذكر ذلك العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: ينقسم إلى قسمين: علم التأثير، وعلم التسيير. علم التأثير، وعلم التسيير. ما الفرق بينهما؟ لابد للمسلم أن يعلم الفرق بينهما؛ لأن بينهما فرق شاسع، فرقًا كبيرًا، كما ستعلم. فعلم التأثير: أن يستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية. إيش معنى هذا الكلام؟ يعني: يقول القائل: إذا ولدت في نجم كذا وكذا ستكون سعيدًا، سيكثر مالك. ومن ذلك ما يسمى بعلم الأبراج. علم الأبراج الذي يعتمد على علم النجوم، فيحكمون على الشخص بأنه سيكون تاجرًا أو فقيرًا أو غنيًا أو محظوظًا أو مشؤومًا. فهذا يسمى علم التأثير: يستدلون بما يقع في الأحوال الفلكية من نجومها وأفلاكها على ما يكون في الأرض من الحوادث. "في نجم كذا وكذا سيكون هناك سيل جارف، جارف عظيم". فهذا لا يجوز؛ لأنه الآن جعل هذا الأمر يستدل به على حوادث أرضية، على حوادث أرضية. فهذا يسمى علم التأثير. وأما حكمه والعمل به، فينقسم إلى قسمين: ينقسم إلى قسمين. القسم الأول: شرك أصغر. من تعاطاه فقد وقع في الشرك الأصغر. وهذا إذا اعتقد أن النجوم سبب، والله تعالى لم يجعلها سببًا في الاطلاع على الغيب. يقول: لا، اللبس فقط، هذا سبب. هذا النجم سبب في موت فلان، هذا النجم سبب في سعادة فلان، لكن المميت والمعطي هو الله سبحانه وتعالى، بس هذا سبب، هذا النجم سبب. فيقال: وقعت في الشرك الأصغر؛ لأنك جعلت ما ليس سببًا سببًا. والقاعدة كما تقدم معنا في الشرك الأصغر: أن يجعل ما ليس سببًا سببًا، سواء كان للشفاء أو لرفع ضر أو لجلب نفع أو نحو ذلك، كما مر معنا في التمائم والحروز ونحو ذلك. فكذلك في علم النجوم. في علم النجوم، فهذا يكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أن النجم سبب، وأن المؤثر والفاعل لهذا الأمر هو الله. فهذا قد وقع في الشرك الأصغر. وإذا اعتقد أن النجوم بذاتها مؤثرة، هذه النجوم بذاتها هي التي تؤثر على الحوادث الأرضية، وبيدها جلب المنافع أو دفع المضار، فهذا من الشرك الأكبر. فإذا اعتقاد علم النجوم صاحبه لا يخلو من إحدى أمرين: إما أن يقع في الشرك الأصغر، وإما أن يقع في الشرك الأكبر، كما تقدم بيانه وتفصيله. هذا بالنسبة لعلم التأثير. ما يسميه العلماء بعلم التأثير: عرفنا معناه، وعرفنا حكمه، والتفصيل في ذلك. والعلم الآخر يسمى بعلم التسيير. ومعنى: أن يستدل به على الجهات والأوقات، وجهة القبلة. فيقال مثلًا: في هذا النجم يكون الشتاء، في هذا النجم يكون الصيف. هذا النجم إذا طلع في الليل يطلع جهة القبلة. وكان أجدادنا وبعض كبار السن إلى يومنا هذا يعرفون جهة القبلة بالنجم، بل يعرفون وقت الفجر بالنجم. أنا أعرف عمي كبيرًا في السن، توفي رحمه الله، يقوم من الليل فيصلي، فإذا قرب وقت الفجر كف عن الصلاة. يقال له: كيف تعرف أن الوقت قد دخل؟ ما عنده ساعة. يقول: أعرفه بالنجوم. فالنجم إذا جاء في مكان معين يقول لك: هنا، خلاص، هذا وقت الفجر. يعرف هذا بالنجوم. هذا يسمى علم التسيير: يستدل بهذا النجم على الأوقات، أو على الجهات. عندنا الآن ثلاثة نجوم هكذا، لو تلاحظون، هذه جهة القبلة، صح؟ هذه جهة القبلة. فمن استدل بها، لا، بس هذا يسمى علم التسيير: يستدل بهذه النجوم على الجهات، وعلى الأوقات، وعلى جهة القبلة، ونحو ذلك. هذا يسمى علم التسيير. وهو أيضًا ينقسم إلى قسمين: منهما هو جائز، وهذا يستدل بها على الأزمان والأماكن، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾. يعرفون أن هذا النجم جهة طريق بلاد كذا، هذا النجم جهة طريق بلاد كذا. كان ما عندهم هذه الأجهزة الحديثة من البوصلات، ولا اتجاهات القبلة، ولا شيء من ذلك، فكانوا يستدلون على الأزمان والأماكن بالنجوم. وقسم آخر من علم التسيير واجب، وهو ما لا يتم الواجب إلا به، على قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهذا كمن يكون في صحراء، أو في فلات من الأرض، وأراد معرفة القبلة، فهنا يجب عليه أن يستدل بها، أي: أن يستدل بالنجوم، يجب عليه؛ لأن لو لم يستدل بها ويعلم ويتعلم هذه الأمور، لا صلى إلى غير القبلة مع إمكانية معرفة القبلة، وهذا لا يجوز، وهذا لا يجوز. فيجب على المسلم في الأوقات أن يتحرى الوقت الشرعي، سواء كان في الصلاة، أو في جهة القبلة، أو في الصيام. وهناك مسألة فقهية يذكرها العلماء: إذا قام الشخص من الليل وأكل، ثم أذن المؤذن وهو لا يزال يأكل، أو أكل وقد أذن المؤذن، فهذه المسألة فيها تفصيل. فإن كان مفرطًا، ما قام، نظر إلى الساعة، ولا نظر إلى النجوم، ولا نظر إلى وقت طلوع الفجر الصادق، مباشر قام وأكل، فهذا تفريط منهم. فينبغي للمسلم أن يتحرى في الأوقات. ومن التحرّي في الأوقات: لمن لم تكن عنده ساعة، أو لم يكن عنده آلة يعرف بها الوقت، أن يستدل على ذلك بالنجوم. فتعلم ذلك واجب؛ لأنه ينبني على ذلك القيام بالواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فانظروا كيف قعد العلماء هذه القواعد في هذه المسألة، مسألة علم النجوم: فمنه الشرك الأصغر، ومنه الشرك الأكبر، ومنه الجائز، ومنه الواجب، ومنه الواجب. على هذا التفصيل: علم التأثير منه شرك أصغر، شرك أكبر. وعلم التسيير منه جائز، ومنه واجب. ثم ذكر شيخ الإسلام حديثًا آخر، قال: وللنساء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: عليه الصلاة والسلام، باعتباره حديثًا مرفوعًا: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه». الحديث بهذا اللفظ ضعيف، ضعفه العلامة الألباني في "غاية المرام". ولبعض ألفاظه شواهد، ومنها: «ومن تعلق شيئًا وكل إليه»، فقد صحت هذه اللفظة من حديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه وأرضاه. وأما معناه فصحيح. "من عقد عقدة"، أي: ليسحر غيره، ثم نفث فيها؛ لأن من أعمال السحر النفث في تلك العقد، ويدل عليها القرآن: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾، ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾. فالحديث لا يثبت سندًا، لكن معناه صحيح. وجه الشاهد منه: أن عقد العقد والنفث فيها نوع من أنواع السحر، وهو من الشرك الأكبر؛ لأنه يستخدم في ذلك الشياطين، يستخدم في ذلك الشياطين. وقال: وعن ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا هل منبئكم ما العضه؟» ويجاء لفظ "الملعظة"، يجوز هذا وهذا. "الملعظة": هي النميمة، القالة بين الناس. رواه مسلم. ومعنى النميمة: يعني أن ترفع الكلام إلى آخر بقصد الإفساد، بقصد الإفساد. والنميمة عدت من السحر لتوافق السحر بالنميمة في التفريق، في التفريق. فكما أن السحر يفرق به بين المرء وزوجه، فكذلك النميمة يفرق بها، ليس بين المرء وزوجه بل بين الابن وأبيه، وبين الأخ وأخيه، وبين الجار وجاره. فلذلك عدت نوعًا من أنواع السحر، السحر من أنواع السحر. وهناك أثر جاء عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى أنه قال: "يفسد النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في شهر". هل هذا الكلام صحيح؟ يفسد النمام في ساعة واحدة ما لا يفسد الساحر في شهر. يعني: أن النميمة في التفريق أشد من السحر؛ لأن النميمة فقط جلسة واحدة، تنقل خبر، فإذا المنقول إليه قد اتخذ موقفًا مع خصمه، فتحصل الشحناء والبغضاء، والتهاجر والتقاطع، ونحو ذلك. وأما الساحر، ربما يعمل شهرًا كاملًا من أجل أن يفرق بين اثنين حتى ينجح في ذلك. أما النميمة، في ساعة واحدة، في لحظة، فإذا به تفرق بين الحبيب وحبيبه. وربما هذا التفريق لا يكون بين فردين، قد يكون بين جماعتين، وبين قبيلتين، وبين بلدين. فإذا النميمة أمرها أعظم من حيث التفريق. لكن من حيث الحكم، لا شك أن السحر أعظم؛ لأنه من الشرك. أما النميمة، فهي من الكبائر. أما النميمة، فهي من الكبائر. لكن المراد هنا التوافق بين السحر وبين النميمة في التفريق. وإذا قال: "القالة بين الناس"، يعني: ما ينقل من القول، من الكلام بين الناس، على جهة ماذا؟ على جهة الإفساد. وقال: ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، يعني: البخاري ومسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من البيان لسحرًا». ويراد بالبيان: البلاغة والفصاحة. فبليغ اللسان يستميل القلوب ويكسبها، فربما يجعل العدو صديقًا، فالعدو يجعله صديقًا. ففيها شبه بالسحر، سواء كان سحر العطف، أو سحر التفريق، أو نحو ذلك، من هذه الحيثية. والسحر، أو البيان، إذا كان في أمور الخير والدعوة وقبول الحق، فهذا ممدوح. البيان في هذا الباب ممدوح: أن يكون الواعظ أو الداعية فصيحًا بليغًا مؤثرًا، حتى يكسب الناس، وحتى يستميل الناس، وحتى يأتي بقلوب الناس إلى الحق. فهذا أمر مرغب فيه، أمر ممدوح. وقد تكون، أو قد يكون البيان في الشر، كدعاة البدعة والضلال والمعاصي والمنكرات. فقد يكون داعية الضلال والشر عنده بلاغ، وعنده فصاحة، فيستميل قلوب الناس إلى باطله، وإلى ضلاله. فهذا البيان مذموم، فهذا البيان مذموم. فكما ذكر العلماء: أن البيان حسنه حسن، وقبيحه قبيح. يعني: إذا كان في الأمور الطيبة فهو حسن، وإن كان في الأمور القبيحة فهو قبيح. مثل الشعر، مثل الشعر. وعرفنا، وعرفنا وجه التوافق بين البيان والسحر. فكما أن السحر يستميل القلوب، ويغير القلوب، ويفرق، أو يعطف، فكذلك البيان في الكلام، البلاغة، الفصاحة، لربما كذلك جعلت العدو صديقًا، والبعيد قريبًا، ونحو ذلك. فيكون فيها شيء من التأثير، التأثير الخفي. يكون فيها شيء من التأثير الخفي. وبهذا نكون قد انتهينا من باب: شيء من أنواع السحر. وإن شاء الله تعالى بعد رمضان، إن أطال الله عز وجل في أعمارنا، نشرع في باب: ما جاء في الكهان ونحوهم. فنرجو من إخوان المتابعين للدرس أن يضبطوا الوقف، يضبطوا هذا الوقف؛ لأن الفترة طويلة، أكثر من شهر، لعلنا لا نضبطه لله. إذا ركزتم عليه فافعلوا: وقف على المسائل. طيب، من عند المسائل؟ نعم، عند المسائل. بارك الله. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.