التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 89

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 89

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 89، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

استهلال باب أنواع السحر وحديث العيافة والطرق والطيرة

يستهل الشيخ باب بيان شيء من أنواع السحر بذكر حديث النبي ﷺ: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت"، موضحاً أن الجبت هو السحر. يفسر الراوي عوف العيافة بأنها زجر الطير أي التفاؤل أو التشاؤم بمسار طيرانه، وكيف كان أهل الجاهلية يتخذون قراراتهم بناءً عليه.

تفصيل معاني العيافة والطرق والجبت وعلاقتها بالسحر

يشرح المقطع معنى العيافة بأنها زجر الطير، والطرق بأنه الخط أو الحصى في الأرض، والجبت بأنه وحي الشيطان. يبين علاقتها بالسحر لكونها تستند إلى ادعاء علم الغيب وتعد من أعمال الشيطان.

مناقشة ضعف حديث الطيرة وشبهة الطرق بحديث معاوية بن الحكم

الحديث الوارد في الطيرة ضعفه الألباني لكن معناه صحيح ويدل عليه أحاديث صحيحة، والطيرة والعيافة من ادعاء علم الغيب. أما حديث معاوية بن الحكم في صحيح مسلم عن النبي الذي يخط، ففهم بعض الناس أنه يبيح الطرق، والصواب أن النبي علق الإباحة بشرط مستحيل وهو موافقة خط ذلك النبي الذي كان يفعله بوحي ومعجزة.

خاتمة الشرح وبيان استحالة القياس على النبي المخط

يختتم الشيخ شرحه للحديث مؤكداً أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أمراً مستحيلاً لا يمكن الوصول إليه وهو موافقة خط النبي المخط بالوحي. يكتفي بما ذُكر من فوائد ومعانٍ مختتماً الجلسة بقوله: وإلى هنا والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قول شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن نجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب "بيان شيء من أنواع السحر". ومناسبة ذكر هذا الباب بعد باب "ما جاء في السحر" ظاهرة، وهو أنه لما ذكر السحر بيّن لك شيئاً من أنواعه لتعلم أنه أنواع وتتجنبها، وكأنه يقول: علمت خطورة السحر، وعلمت كذلك حكم السحر، فما هي أنواعه؟ ما هي أنواع هذا السحر؟ ففي هذا الباب بيان لذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف، عن حيان بن العلا، قال: حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه. وقد يستغرب أحدنا: لماذا في هذا الحديث أورده بسنده؟ في الأبواب المتقدمة يذكر صحابي الحديث عن أبي هريرة عنه ثم يذكر الحديث، فلماذا في هذا الحديث ذكره بسنده؟ السبب أن أحد رواة الحديث فسّر بعض ألفاظه، فسّر بعض ألفاظ هذا الحديث، فذكر السند حتى يذكر هذا الراوي وهو عوف في تفسيره لبعض ألفاظ هذا الحديث. نعم، قال: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت». وعرفنا المراد بالجبت: أي السحر، أي السحر. فما هي العيافة؟ وما هو الطرق؟ وما هي الطيرة؟ قال: قال عوف، وهو أحد رواة الحديث كما تقدم في سنده: العيافة، العيافة زجر الطير. ومعنى زجر الطير: أي تركه، يقال: عاف الشيء إذا تركه. وكان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً أو زواجاً أو شيئاً أتى بطير، فهيّج هذا الطير على الطيران، فيطير هذا الطير، فإذا اتجه هذا الطير نحو اليمين مضى أحدهم في حاجته، مضى أحدهم في حاجته، فسافر إذا أراد السفر، وتزوج إذا أراد الزواج، وهكذا. وإذا أخذ الطير ذات الشمال، ذات اليسار، أحجم هذا الشخص عن حاجته، فإذا أراد السفر لم يسافر، وإذا أراد الزواج لم يتزوج. فهذا هو معنى زجر الطير، زجره يعني تهييجه على الطيران، يأتي بالطير مثلاً وينشه، يقال عندنا: ينش الطير حتى يطير، فلا شك أنه إما يذهب ذات اليمين أو يذهب ذات الشمال، فهذا يسمى العيافة، من عاف الشيء إذا تركه. وعلاقتها بالسحر: لماذا هنا هي نوع من أنواع السحر؟ قالوا: من جهة أنها شيء خفي، شيء خفي، فأثره في النفس، أثره في النفس، جعل هذا الشخص يتقدم أو يتأخر، يقدم أو يحجم، فما هو سبب إقدامه أو سبب إحجامه؟ هذا شيء خفي، غيبي، ما يدرى، ليس له علاقة بهذا الطير، فهو مثل السحر في خفائه، في خفائه، فهذا هو وجه كون العيافة من السحر، كما أن السحر أمره خفي، فكذلك العيافة أمرها خفي. وقوله ها هنا: والطرق، الخط يخط بالأرض، والخط يخط بالأرض. وقوله: الطرق، من وضع طرق في الأرض، وهي وضع خطوط في الأرض. طرق يعني خطوط، يجعل خطوطاً في الأرض، ثم يمسح بعضها، يمسح بعض هذه الخطوط، ليستدل بذلك على الأمور الغيبية، والذي يقوم بهذا يسمى رمال، أيضاً يسمى رمال. أحياناً يكون الطرق بالحجر، بالحصى الصغير، لن يأخذ مجموعة من الحصى ويطيرها، ثم تذهب ذات اليمين وذات الشمال وهنا وهناك، فيستدل بحركاتها وبوضعها في مكان معين على ما أراد من الإخبار عن أمور الغيب، عن أمور الغيب، فهذا يسمى الطرق، إما باستخدام الخط أو باستخدام كذلك الحصى، أو الخط بالعود أو بالأصبع، نحن نسموه هنا الرمال عندنا، وأيضاً قد يكون بصدف البحر، يأتوا بصدف البحر ويرمون به، فيزعمون أن رميه في مكان معين يدل على كذا وكذا، أمور غيبية، أمور غيبية. وعلاقتها بالسحر: لأنها نوع من الكهانة، يدعي بها صاحبها علم الغيب، والسحر فيه شيء من ذلك، فهي تستند لأمر خفي، الطرق يستند لأمر خفي، فمن أجل هذا كان نوعاً من أنواع السحر، كان نوعاً من أنواع السحر. هذا هو الطرق. وقوله: والجبت، قال الحسن: رنة الشيطان. ومعنى رنة الشيطان: أي وحي الشيطان، وحي الشيطان، بمعنى من السحر، لأن الساحر إنما يوحي إليه من الشيطان، ويتعامل مع من؟ مع الشيطان، فهذه الأعمال كلها من أعمال الشيطان، ومن وحي الشيطان، والمراد به السحر. قوله: إسناده جيد، إسناده جيد، ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه. وهذا الحديث مختلف فيه، وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في بعض كتبه، ومنها "رياض الصالحين"، لكن معناه صحيح، معناه صحيح. فالطيرة المراد بها التطير، قد وردت فيه أحاديث ستأتي معنا في باب التطير، في باب التطير: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». وأيضاً الطرق واضح جداً أنه من ادعاء علم الغيب، والعيافة هي بمعنى الطيرة، العيافة بمعنى الطيرة، لأنها زجر الطير، لأنها زجر الطير. فهذا الحديث معناه قد دلت عليه أحاديث أخرى صحيحة، أحاديث أخرى صحيحة. وهنا شبهة يوردها البعض في حديث ورد في صحيح مسلم، وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، ومنا رجال يخطون، يعني يفعلون هذا القَطّ الذي هو الطرق، الذي هو... الطرق، وهذا في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كان نبي من الأنبياء يخط، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ... فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ، يعني وَافَقَهُ وَخَطَّهُ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكُ». فبعضهم ربما يستدل بهذا الحديث على أن الطرق قد كان من فعل نبي من الأنبياء، بل وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من فعل ذلك ووافق خطه خط النبي فذاك، يعني: فهذا لا بأس به. قد يفهمون هذا الحديث هذا الفهم، وهذا فهم خاطئ. والرد عليه والجواب عليه: يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم علّق الإباحة بأمر مستحيل، لما قال عليه الصلاة والسلام: «فمن وافق خطه فذاك»، هذا أمر مستحيل، وهي معرفة تلك الطريقة التي فعلها هذا النبي. هل يستطيع أحد أن يعرف ما هي الطريقة التي فعلها هذا النبي حتى يوافق خطه خط هذا النبي؟ لأن هذا النبي إنما يفعل ذلك معجزاً من الله، ووحي أوحاه الله عز وجل إليه، لأن الله عز وجل يطلع بعض خلقه على شيء من أمور الغيب، كما قال الله عز وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. فهذا النبي إنما يفعل ذلك بأمر من الله، وهي معجزة لهذا النبي، فهل يستطيع أحد غير هذا النبي أن يفعل فعله، وأن يعرف هذه الطريقة التي هي من وحي السماء؟ إنما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر مستحيل، في أمر مستحيل لا يمكن لأحد أن يتوصل إليه. طيب، هذا هو الكلام على هذا الحديث وما فيه من الفوائد والمعاني، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.