الدرس في ذو الحجة مسائل وأحكام 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يوم عرفة يوم شريف يتجلى فيه رحمة الله تعالى، ويشرع فيه الصيام والتكبير والدعاء. يكفر صيام يوم عرفة ذنوب سنتين ويجاب الدعاء في هذا اليوم.
يوم النحر يوم عظيم يأتي بعد يوم عرفة، ومن أعماله إراقة الدماء و صلاة العيد في المصلى، وهي سنة مؤكدة للرجال والنساء. يشرع فيه التنظف والاغتسال والتجمل.
آداب صلاة العيد تشمل الذهاب ماشيا والتكبير ومخالفة الطريق. صلاة العيد تتميز بعدد التكبيرات الزوائد ورفع اليدين أثناء التكبير.
تم تقديم خلاصة للمسائل المتعلقة بيوم النحر والإشارة إلى مناقشة أيام التشريق في دروس سابقة. تم التأكيد على انتهاء الدرس والدعاء للنبي وآله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فإننا نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا الحضور لمثل هذه المواسم والأيام، لا بحولنا ولا بقوتنا، وإنما هو فضل محض من ربنا أن أخذ بنواصينا ومد بأعمارنا لكي نحضر مثل هذه الأيام الفاضلات. إخواني في الله، فإن مما جرت به العادة باستقراء العلماء على أن الأيام الفاضلة والأزمان المباركة أن آخرها أفضل من أولها، من تأمل في يوم الجمعة يجد أن آخره أفضل من أوله، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى في آخر ساعة من ساعات عصر الجمعة وقت استجابة. وأيضا كذلك مما يمثل به ما يتعلق بعبادات الليل، فإن آخر الليل أفضل من أوله، ولهذا كان هو محل النزول الإلهي، ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل. وهكذا قل في رمضان، فإنه في رمضان العشر الأواخر منه أفضل من أوله. والعبرة والعلة في هذا الباب، إخواني في الله، أن المواسم تختم بخير أعمالها، وذلكم حتى تجعل العابد يستمر، لربما يأتيه التعب، يأتيه الملل، لكن عندما ينظر إلى نهاية الأعمال، نهاية المواسم، فإنه يستمر حتى يصل إلى المنتهى. وأيضا في هذه الخاتمة، الخاتمة في المواسم المباركة، أن فيها استدراك المتقاعس، كم وكم من إنسان، إخواني في الله، تأتي عليه المواسم في أولها وهو في غفلة، في بعد، لا يرفع لها رأسا، ولا يلقي لها بالا، ثم بعد ذلك يستحضر على أن هذه أزمان فاضلة، فيعض على أصابع الندم. فالشرع يتيح له الفرصة، قل انتظر في الأخير، كذلكم في الأخير فيه ما فيه عوض، فلله الحكمة البالغة. وهكذا ما نحن فيه في هذه الأيام العشر من ذي الحجة، إخواني في الله، فإن آخرها أفضل من أولها. ها نحن في اليوم التاسع من ذي الحجة، فيه يوم عرفة، وما أدراك ما يوم عرفة، يوم خصه الله جل وعلا بالشرف وعلو المنزلة، يوم فاضل شريف منيف، يوم تتجلى فيه رحمة الرحمن سبحانه وتعالى، بما فيه فتح لأبواب المغفرة والغفران. كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عبدا من النار، يوم عرفة». هذا اليوم ما له أي نظير، هذا اليوم ليس له مثيل في أيام الله، من كثرة عتق الله لعباده أهل الإسلام والإيمان، ما له نظير. يعتق ربنا سبحانه وتعالى ما لا يخطر على بال، وهذا مننا لله عز وجل، مننا لهذه الأمة المحمدية. فالإنسان، إخواني في الله، يتعرض لهذه النفحات الإيمانية بأن يقبل على ربه سبحانه وتعالى، لا يعترض، ولا يبعد، ولا يعرض عن طاعة الله جل وعلا. فكل ما دانى من ربه أعطاه الله عز وجل من آلائه ورحمته. وهذا اليوم، إخواني في الله، فإن مما يشرع فيه الصيام، فانظر يا عبد الله، صيام يوم عرفة، ما كان من فضله وجزائه، أن الله عز وجل يكفر ذنوب سنتين، سنة ماضية وسنة مستقبلة. سنة ماضية قال العلماء: يدخل في هذه الذنوب الصغائر دون الكبائر، الكبائر تحتاج إلى توبة وإنابة، لكن الصغائر فإن الله يمحيها، محو مدة طيلة سنة ماضية، بهذا الصوم، فيمحي ربنا عز وجل الصغائر. تأتي مسألة: طب إن لم تكن هناك صغائر؟ قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: رجى أن يخفف من الكبائر، رجى أن يخفف من الكبائر. طيب، فإن كان الإنسان لا صغائر ولا كبائر، ويمكن الرجل طريح الفراش، صام عرفة وهو مقعد، ما في أيامه ولياليه بعيد عن المعاصي والذنوب، عن خطى الناس، لا وقع في كبائر، ولا وقع في صغائر، فماذا عسى أن ينفعه صيام يوم عرفة؟ قال العلماء: إذا ما وجد الصغائر يمسحها، ولا كبائر يخففها، فإنها ترفع من درجاته، سبحان الله، ترفع من درجاته. هذا في العام الذي مضى. وأما العام الذي يستقبل، قال العلماء: فهكذا بالمثل، فإن صوم يوم عرفة من جزاه أن الله عز وجل يبعد ويمحي ما سيأتيك في سنتك من صغائر ذنوبك. قال: أو إذا قد تأتي مسألة وهي أن الإنسان قد لا يفعل شيئا من الصغائر، قال العلماء: يوفقه الله جل وعلا لأن يعمل أعمالا صالحة خلال سنته، يوفقه الله عز وجل لأن يعمل أعمالا صالحة خلال سنته. كل ذلك يا عبد الله تتحصل عليه في صيام يوم واحد، وهذا هو الفضل، وهذا هو الإنعام الذي ما بعده إنعام، الذي منى الله به على العباد. كذلك في هذا اليوم، إخواني في الله، يشرع التكبير المقيد، قد هل علينا شهر ذي الحجة بالتكبير المطلق، في مدخلنا ومخرجنا، وفي مضجعنا، وفي مقعدنا، وفي دخولنا وخروجنا، وصباحنا ومسائنا، إلى أن يأتي هذا اليوم، تضاف كذلكم بعد الصلوات، من صلى جماعة، بل حتى منه من قال: من صلى لوحده شرع له التكبير، يكبر. فحينها في هذا اليوم يجتمع معنى التكبيرين، المطلق والمقيد، فيكون المسلم في كل وقته مشتغل بتكبير الله جل وعلا. في هذا اليوم، إخواني في الله، كذلك يكون إجابة الدعاء، لقوله عليه الصلاة والسلام: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»، وفي لفظه: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة». فما هناك دعاء خير، ولا أفضل من هذا اليوم. ولهذا قال العلماء، كابن عبدالبر رحمه الله تعالى، وجماعة: بأن الدعاء في هذا اليوم مجاب في الأغلب، في أغلب أحواله، أن الله لا يرد طالبه، ولا يرد داعيه. فألح على الله يا عبد الله بما في خاطرك، فها هو اليوم متاح لك إلى المغرب، إلى غروب الشمس، تدعو بما يخطر على بالك، تدعو لنفسك، تدعو لأهلك، تدعو في دنياك، تدعو لأخراك، تدعو لكل شيء، تدعو لكل أحد، تدعو لكل من له حق عليك، من والديك، من أقارب، من أصحاب، من مرضى، وهكذا. لا تنسَ، عبد الله، الدعاء لعامة المسلمين، فإن من استغفر للمسلمين والمسلمات كان له في كل مسلم ومسلمة حسنة، تخيل في كل مسلم ومسلمة حسنة. وهكذا الدعاء لإخواننا المستضعفين من أهل الإسلام في هذه الأزمان، في بلادنا خاصة، وفي سائر بلاد المسلمين، تدعو الله عز وجل بأن الله يفرج همهم، وأن يكشف كربهم، إلى آخر ذلك. يا عبد الله، تدعو وتدعو، ولا بأس أن تكرر من الدعاء، كرر يا عبد الله، لح على الله عز وجل بالدعاء، لعل الله يعطيك في هذا اليوم ما هو الفرج، ما هو الفرج الذي لطالما انتظرته. وحاول يا عبد الله أنك تتأدب بآداب الدعاء، من الثناء على الله، ومن كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في أوله، وفي وسطه، وفي آخره، فإن الدعاء لا يكاد يرد إذا بدأ وختم بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا، إخواني في الله، ينبغي على الإنسان أن يحرص في مثل هذه الأوقات على هذه الأعمال. ثم إخواني في الله، ما إن ينتهي هذا اليوم، وهو اليوم التاسع، حتى يأتي الخاتمة، خاتمة الأيام العشر، ألا وهو يوم النحر، هو اليوم الأغر، يوم الحج الأكبر، يوم النحر. هذا اليوم الذي ما هنالك يوم يدانيه، ولا يوازيه، ولا يساويه، قال عليه الصلاة والسلام: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر». أعظم الأيام. ولهذا، إخواني في الله، لو تنظر الآن، تعيد ما نحن فيه من هذه المواسم، من بدء العشر إلى يوم عرفة إلى يوم النحر، تجد أنها أيام مليئة مليئة بالفضل. ولهذا تذكرون المسألة التي ذكرناها في أول الدروس، اختلف العلماء: أيما أفضل، هذه ولا عشر أخيرة في رمضان؟ بل بعضهم يرى أن هذه أفضل من عشر أخيرة من رمضان، لأنها مليئة مليئة بالفضل، مليئة بالأجور العظيمة التي ما اجتمعت إلا في هذا الموسم فقط. فهي أيام معدودات، أيام معلومات، استغلها يا عبد الله، اغتنمها بكثرة الذكر والدعاء والإقبال والإخبات على الله سبحانه وتعالى. فهذا اليوم، إخواني في الله، يعد من أعظم أيام الدنيا، ألا وهو يوم النحر. في هذا اليوم، إخواني في الله، تأتي عندنا أعمال، وقد أشرنا إلى أهم أعمال يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم غد، وهو يوم العيد. من أعظم، أعمال هذا اليوم، إراقة الدماء، وهي الأضاحي، وقد أشرنا إلى مسألة الأضاحي في دروس خلت. المسألة الثانية: ما يكون من الخروج لصلاة العيد، وهذه المسألة قد أشرنا إليها إشارة إجمالا، وهي أن صلاة العيد تعتبر من السنن المؤكدة التي ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم ومسلمة، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أمرهن بأن يخرجن إلى المصلى، أن يخرجن للصلاة. فما ظنك يا عبد الله بالذكور، بالرجال؟ فهو من باب أوجب وأكد. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن صلاة العيد في حق الرجال واجبة، وما ينبغي أن يتخلف عنها متخلف إلا لعذر، إلا لعذر. وأما في حق النساء، فإنها من السنن المؤكدة. وأيضا مما يذكر، إخواني في الله، في آداب صلاة العيد: أنها تؤدى في المصلى، أنها تؤدى في المصلى، فهذا الذي دلت عليه الأدلة، وهو الذي عليه العمل في عهده عليه الصلاة والسلام، أن خرج الناس إلى المصلى، المصلى. فالإنسان يحاول، ولا يجوذ، أو لا ينبغي أن يصلي في المساجد إلا لعذر، كأمطار، ورياح، وما يخشى ضرره، فلا بأس حينها بالصلاة. أما ترك الصلاة في المصليات والصلاة في المساجد، فهذا ترك للأولى، والسنة، والسنة في المصلى. إخواني في الله، أن الحاجة إن دعت إلى تعددها، فلا بأس بتعدد المصليات، إذا احتاج الناس إلى ذلك، إذا اتسعت الرقعة، ووجد الناس من المصلحة إقامة مصلى هنا، ومصلى هنا، إذا دعت الحاجة، فلا بأس بذلك. وعلى هذا فتاوى العلماء، كبار العلماء، قديما وحديثا. وهذه مسألة، الحمد لله، البحث فيها حاصل بين أهل العلم. وما ينبغي، وما ينبغي أن تستغل مثل هذه المسألة في أن تكون محل جدل ونقاش، وأخذ وعطاء، وإقامة خطب، وإرسال مقالات، لهذا أمر، أمر ما يحتاج، يا عبد الله. هذا بالعكس، أنت تريد أنك بتوحيد المصلى جمع الشمل، وأنت بفعلك، وإنكارك، تفرق الصف، لا تغير بين الصدور، يا عبد الله. إذا دعت الحاجة، احتاج الناس في منطقة بعيدة عن المصلى، بعيدة من وطنهم، وقد ضاق بأهلها، فلهم أن يفعلوا مصلى آخر. وقد أفتى العلماء بهذا، أفتى العلماء بهذا. فهكذا الحكم في الجمع، وهكذا الحكم في الجمع. فالأصل أن الإنسان في قرية، وفي بلدة، يقتصر على جمعة واحدة، لكن إذا احتاج الناس إلى تعدد الجمع، فلا بأس بإقامة جمعة ثانية، وثالثة، لمصلحة الناس. ولا يحتاج هذا الأمر، إخواني في الله، إلى إثارة جدل. والعجيب والغريب، إخواني في الله، العجيب والغريب: أن تجد أن بعض المساجد قد أقيمت فيه جمعة، ثم بعدهم بفترة أقيمت جمعة قريبة، وما كان الناس بحاجة إليها، وما كان الناس بحاجة إليها، بفترة وجيزة، ومسافة قريبة، أقيمت جمعة. ومع ذلك ما رأينا نكير، وما رأينا تحذير، وما رأينا خطب، وما رأينا مقالات تنشر، أو توزع في إنكار هذا الصنيع، إقامة جمعة بعد جمعة، كافية. لكن لما تقام جمعة، أو مصلى على غير أهلها، يقام النكير، لا، يا عبد الله، حلال لكم، حرام عليكم، هذا تقوى، هذا فتوى. الفتوى تحتاج إلى دين، وعلم، وورع، وإنصاف، وإنصاف. فالحاصل، إخواني في الله، السنة أن الإنسان يصلي في المصلى، وإذا احتاج الناس إلى تعداد المصلى، يأت هنا، وهنا، لضيق أهله عليه، وهكذا لو بعد المسافة، فلا بأس. ومما يشرع، إخواني في الله، في آداب العيد: ما يكون من التنظف، والاغتسال، والتجمل، وهذا محل إجماع، وهذا محل إجماع عند العلماء، أن تتزين، وأن تتجمل، وأن تتنظف، لكن بما شرع الله عز وجل، لا بما يخالف الدين والشريعة. ليس من باب التجمل: ما يكون من حلق اللحى، هذا ليس من التجمل، وهذه تتزين بمعصيتها، لا يحبها الله من عبده، أنك تأتي بهذه المخالفة في شرع، أمر بإعفاء اللحى. وأيضا كذلك ما كان من الألبسة، لا تلبس يا عبد الله من الألبسة ما فيه تصاوير، أو تصاليب، أو كذلك في حق البنات ما فيه نوع من التفسخ، أو ما يكون فيه التشبه بالكفار والكافرات. وإن الله الحمد ما ضيق الله على عباده في باب اللباس والزينة، فالبس يا عبد الله من غير السرف، ولا مخيلة. وهكذا مما يذكر، إخواني في الله، في مسألة الخروج، وآداب العيد: أن من أراد أن يخرج بصلاة عيد الأضحى، فإنه لا يأكل، لا يأكل، وخاصة من كانت معه أضحية، حتى يأكل من أضحيته. أما في عيد الفطر، فقد كان نبي يأكل قبل أن يخرج إلى المصلى. وهكذا من آداب صلاة العيد: من ذهب إلى طريق، يحبذ أن يرجع من طريق آخر، وهذا لفعله عليه الصلاة والسلام، كما ثبت ذلك من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخالف الطريق، يذهب، ثم يرجع من طريق. مخالفة. والغرض من ذلك، كما قال العلماء: لعدة أقوال، قيل: لكي يسلم النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الطريقين، قيل: أنه يتحصل على بركة الطريقين، قيل: لكي يقضي حوائج الناس، لربما هنا أناس عندهم حوائج، قضاها مع المرجع، هناك طريق آخر، هناك أناس عندهم حوائج، قضاها. فيلتمس حاجيات الناس عليه الصلاة والسلام. وهكذا أنت يا عبد الله تنظر في طريقك، ذهابا وإيابا. وأيضا في هذا الفعل: إظهار لشعائر الدين، إظهار لشعائر الدين. وأيضا فيها التكثير لشهادة البقاع، لأن الأرض تشهد لك، فكل خطوة تخطوها، هذه البصمة لك يوم القيامة. فإذا كانت هذه البصمة لأمر صالح، فإن هذه البقعة تشهد لك يوم القيامة. فإذا ذهبت إلى طريق، ثم رجعت إلى طريق، فإن هذه البقاع مع كثرتها تشهد لك يوم القيامة، عند الله: بأنك قد وطأتها لعبادة الله، ولإعلاء شعيرة من شعائر الدين. وهكذا يستحب كذلك لمن أراد أن يذهب إلى العيد أن يذهب ماشيا، لا راكبا، أن يذهب ماشيا، لا راكبا، هذا لفعله عليه الصلاة والسلام، كما ثبت ذلك في صحيح الجامع: كان رسول الله يخرج إلى العيد ماشيا، ويرجع ماشيا. لكن من احتاج إلى ذلك، لبعد المسافة، أو مع أسر وعوائل، وصغار، لا يستطع أن يتحملهم، أو كذلك لمرض، فحينها لا بأس أن يستعين بمركوب. وهكذا من أخرج لصلاة العيد، عليه، إخواني في الله، أن يغتنم وقته بالتكبير، يكبر، ويكبر، ويكبر، حتى يأتي إلى المصلى. فإذا وصل المصلى، فإنه أيضا يكبر، فهذا هو اليوم الذي به يجتمع التكبير المطلق والمقيد، تكبر الله عز وجل. وأنت في هذا المقام، ومزيد التنبيهات في هذا الأمر: لا ينبغي من حضر المصلى أنه يكتفي بسماع غيره السماع، وإن كان خير، لكن الأولى والأفضل والأحسن والأجر يبلغك إذا أنت الذي قمت بذكر الله. فاشتغل، عبد الله، بالتكبير، كبر، ارفع صوتك بالتكبير. بعض الناس يرى أن السماعات، أو الميكروفونات، قد شغلت بالتكبير، فإنها تكفيه المؤنة، لا، يا عبد الله، هؤلاء يؤجرون، وأنت يا عبد الله تنظر إلى من توزع لهم الأجور، أنت لك حصة من هذا الأجر، كبر. فإن تعبت، خذ قسطا من الراحة، ثم واصل. وهل يشرع في هذا الساعة، وهذا الوقت، قراءة القرآن؟ هل يمكن لأحد أن يقرأ وهو جالس في مصلى، أن يقرأ القرآن؟ لأنه أيام فاضلة. قال علماء: لم يرد هذا، وهذا خلاف الأولى، هذا خلاف الأولى، الأولى أنك تشتغل بتكبير الله سبحانه وتعالى. وهكذا قال علماء: من آداب صلاة العيد: أن تأتي إليها مبكرة، حتى تدنو من الإمام، وتدخل في انتظار الصلاة، فإن المرأة في صلاة من تنتظر الصلاة. وهكذا من آداب، إخوان في الله، صلاة العيد، كما ذكره العلماء رحمه الله تعالى: أن صلاة عيد الأضحى يبكر لها، بمعنى في إقامتها، بخلاف عيد الفطر، فإنه يؤخر في إقامتها. فعيد الأضحى تكون سريعة مقارنة بعيد الفطر، لأن المسلم يحتاج إلى أن يرجع بدم مبكرا، حتى ينحر الأضاحي، من كانت له أضحية. وهكذا مما يذكر من مسائل العيد، إخوان في الله: ما يتعلق بالتكبيرات الزوائد الذي يفعلها الإمام، والناس له تبع. وهذه التكبيرات الزوائد مما قد خصت به صلاة العيد، بخلاف غيرها من الصلوات. وكم يكبر الناس فيها؟ الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، مع تكبيرة الإحرام، في ركعة الثانية، على الخلاف الحاصل بين أهل العلم. والصحيح في الأولى: السبع، وفي الثانية: خمس. وهل يدخل في ذلك تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الانتقال؟ المسألة فيها خلاف، المسألة فيها خلاف. وأنت يا عبد الله، يا من تكون مأموما، تابع الإمام، فإذا كان الإمام يرى أن السبع مع تكبيرة الإحرام كانت كذلك، وإذا لم يرها فيكبر تكبيرة الإحرام، ثم يكبر السبع بعدها. وهذه مسألة يسع فيها الاجتهاد، كباقي المسائل. لكن مما يذكر: لا ينبغي، ولم يثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام: أنه كان يخلل بين التكبيرات بذكر، ما هناك ذكر بين التكبيرات، وإنما واصل التكبير، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، تباشر التكبير. وهل يرفع يديه عند التكبير، أو لا يرفع يديه؟ في هذا خلاف بين العلماء، ثبت هذا عن الصحابة، فمن رفع فله ذاك، ومن لم يرفع فالأمر في ذلك واسع، ولا غضاض في هذه المسائل. وإذا نسي الإنسان، سواء كان الإمام، أو كان المأموم، نسي تكبيرات الزوائد، فهذا لا يضره، لأنها بالإجماع من المستحبات، لا تصل إلى الواجبات. وبعد صلاة العيد، إخواني في الله، يشرع، ويمكن للمصلي أن يسلم، وبعد الخطبة أن يسلم، طبعا. وبعد صلاة الخطبة، يحرص الإنسان على الجلوس، وعلى المكث فيها، فإنها من ذكر الله، فإنها من ذكر الله، يستمع لخطبة الخطيب، لعله يستفيد موعظة، أو مسألة، أو حكما، أو إرشادا لما سيأتيه من أيام فاضلة. وهي من عموم ذكر الله جل وعلا. وبعد الخطبة، يشرع التهنئة بين الناس، يهنئ بعضهم بعضا، كقول بعضهم، كما أثر عن بعض السلف: «تقبل الله منا ومنكم». وهذا يقول: هل يجوز التكبير بعد صلاة الجنازة؟ مسألة فيها خلاف، كما قلنا، هذه مسألة اختلف فيها العلماء بعد صلاة الجنازة، وكذلك بعد صلاة النافلة. ولكن الكلمة اتفقت بعد الفرائض، ومن كان قاضيا يقضي الفريضة، نعم، هذا يكبر. وما ذلك، ومعد ذلك، وقع الخلاف بين أهل العلم في عموم الصلوات. فهذا، إخواني في الله، خلاصة المسائل التي تذكر في يوم النحر. وأما أيام التشريق، فقد مرت معنا مسائلها في دروس خلت. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.