الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 89، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يختم الشيخ بكر أبو زيد حلية طالب العلم بذكر نواقضها محذراً من إفشاء الأسرار والنميمة والصلف واللسانة. كما ينبه إلى آفة الإكثار من المزاح ودخول الفضولي في حديث اثنين بغير إذن داعياً لضبط المزاح كالمِلح في الطعام.
يحذر المقطع طالب العلم من ذنوب الخواص كالحقد والحسد وسوء الظن ويؤكد على اجتناب مجالسة المبتدعة. ويبين أن نقل الخطى إلى مواضع تثير الريبة يخرم حلية طالب العلم ويضر بسمعته.
يؤكد المقطع على ضرورة تحلي طالب العلم بمكارم الأخلاق وتجنب مواضع التهم والآثام مستشهداً بالحديث النبوي وأقوال العلماء. ويختم بالدعاء بالتقوى وحسن العاقبة محذراً من أن العلم بلا عمل كالحمار يحمل أسفاراً.
يبدأ المقطع بتسبيح الله وحمده ثم يشهد بوحدانية الله ويختتم بطلب المغفرة والتوبة إليه. وهو دعاء مختصر يُقال بعد الفراغ من الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع خاتمة هذه الحلية المباركة، حلية طالبي العلم للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وها نحن ذا نأتي على مسك الختام لهذه الحلية، ويعز على الشخص أن يفارق هذه الدرر وهذه الجواهر الثمينة التي أودعها رحمه الله تعالى هذا المصنف العظيم، حلية طالبي العلم. فينبغي علينا كطلاب علم أن نكرر وأن نردد قراءة مثل هذه المصنفات التي تزيدنا حسناً وجمالاً وأدباً وخلقاً عظيماً. والمصنف رحمه الله تعالى ختم هذه الحلية بهذا الفصل السابع، وهو عبارة عن محاذير، وختم هذا الفصل بنواقض هذه الحلية. وذكر رحمه الله تعالى كلمة عظيمة بين يدي هذه النواقض، فقال: «يا أخي، وفقنا الله وإياك، أو وقانا الله وإياك العثرات. إن كنت قرأت مثلاً من حلية طالبي العلم وآدابه، وعلمت بعضاً من نواقضها، فاعلم أن من أعظم خوارمها المفسدة لنظام عقدها». وذكر من هذه النواقض: أولاً: إفشاء السر. ثانياً: قال: «ونقل الكلام من قوم إلى آخرين». الشيخ رحمه الله كأنه يعيش في أوساط طلاب العلم، فأخبر عما ينتشر في أوساطهم ويتساهل فيه بعضهم. إفشاء الأسرار من اليوم يا إخوان، يحفظ السر إلا من رحم الله عز وجل، وقليل ما هم. وهكذا نقل الكلام من قوم إلى آخرين. وهكذا ذكر الصلف واللسانة. الصلف واللسانة، وقلنا: الصلف هو قلة الخير، قلة الخير. وهكذا يعني أن يكون صلفاً في معاملته للآخرين، ثقيلاً، سرعان ما ينكر، وشديد الإنكار والتعجرف على الآخرين. وهكذا يدعي ما ليس عنده. وهكذا اللسانة، فإنها تعتبر ماذا؟ مذمة. وقال: «فلان لسن»، وماذا؟ ويذم بسبب ذلك أنه يتظاهر بالفصاحة، أو أنه كثير الكلام لغير ما حاجة. وقال: «وكثرت المزاح». ما قال: «والمزاح»، لأن المزاح ينبغي أن يضبط كما سبق معنا: إن زاد أضر، وإن قل أضر. الشخص الذي دائماً جاد وشديد في تعامله آذى، لا يجالس ولا يصاحب. وكثير المزاح كذلك أيضاً لا يحب الناس مجالسته، فتخرم مروءته. لكن كن دقيقاً في المزاح كالمِلح تضعه على الطعام: إن قل أو زاد أضر. وماذا؟ لم يرغب فيه الناس. وذكر خامساً: قال: «والدخول في حديث بين اثنين». اثنان يتكلمان، يأتي الفضولي ويدخل بينهم، يقول: «ماذا يقول هؤلاء؟ ماذا تقولون أنتم؟» لا تتكلم معالك ربع ساعة، ماذا كنتما تتحدثان عنه؟ طيب، وش دخلك أنت؟ وش دخلك؟ فمن تدخل فيما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه. من الأدب يا إخوان: إذا كان اثنان يتحدثان، ينتظر حتى ينفض الحديث أو يقوم أحدهما، فيأتي ويدخل الثالث. وهكذا ذكر الحقد والحسد وسوء الظن. وهذه يا إخوان هي ذنوب الخواص، ذنوب طلاب العلم. طالب العلم قد لا يزني، ولا يشرب خمراً، ولا يتعامل بربا، ولا كذلك أيضاً يقتل، لكن انظر: الشيطان يأتي له بذنوب يستسهلها. قد يحقد على أخيه وزميله، قد يحسده على ثوب يلبسه، على كتاب اشتراه، على قلم يكتب به، على كرسي يجلس عليه، على فهم، على حفظ، على ذكاء، إلى غيرها مما وهبه الله إياه. وهكذا سوء الظن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، نحن طلاب العلم ينبغي أن نستشعر هذا الأمر، أن الله يخاطبنا فيقول: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾، لماذا يا رب؟ قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. فمتى ما وجدت لأخيك من الظن الحسن فلا تتركه وتذهب إلى إساءة الظنون. وآخر ما تكلمنا عنه هو مجالسة المبتدعة. مجالسة المبتدعة، ثم ختم بالعاشر فقال: «ونقل الخطى إلى المحارم، ونقل الخطى إلى المحارم». وعلق العلامة العثيمين رحمه الله تعالى على هذا بقوله: قال: «أي مما يخرم هذه الحلية نقل الخطى إلى المحارم». قال: «يعني أن يمشي الإنسان إلى المحرمات، فإن هذا من خوارم هذه الحلية. فينبغي لطالبي العلم أن يجتنب هذا». بل أن بعض العلماء يقول: «يتجنب الخطى إلى أمر ينتقده الناس فيه، ليس شرطاً أن يكون سيذهب إلى حرام، بل لو سيذهب إلى أمر يعاب عليه ويساء الظن فيه بسبب ذلك». قال: «كما لو ذهب طالب العلم إلى أسواق النساء، إلى أسواق النساء». قال: «فهذا مما يذم عليه، يمشي في سوق النساء، هذه تدقه وتلك تزاحمه، وإذا كان عنده حياء يستحي أن يراه أحد في هذا الموضع، إلا أن يكون متزوجاً ومعه أهله أو معه بعض محارمه، فهذا لا بأس». بل اليوم حتى لو معك أهلك أو معك بعض محارمك تستحي، ما تستطيع أن تمشي وتتجول هناك. قال: «ويقال: فلان طالب العلم يذهب إلى أسواق النساء». قال: «حتى لو قلت: أنا أريد أن أذهب إلى أسواق النساء لأشتري لأهلي من هذه الأثواب». قال الشيخ العثيمين: «قلنا: وكل من يشتري عنك، أما أنت فطالب علم ينتقد عليك هذا الفعل، ويقتدى بك، أو يقتدى بك من نيته سيئة». قال: «فربما يأتي إلى هذه الأسواق من نيته سيئة، ثم إذا قيل له في ذلك قال: رأيت طالب العلم في هذه الأسواق». قال رحمه الله تعالى: «فنقل الخطى إلى المحارم مما يخرم حلية طالب العلم. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ﴾، كذلك نقول: فليفعل خيراً أو ليترك، لأن المعنى واحد، لأن المعنى واحد». وماذا ينبغي على طالب العلم؟ أن يترفع عن المواضع التي قد تجر إليه الظنون السيئة، ويرمى بالتهم، ويرمى بالتهم. فهذه كلمات عظيمة من الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى. ثم ختم الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد هذه الحلية بقوله: «فاحذر هذه الآثام، أي التي ذكرت، وأخواتها، أي ليس هذه فحسب بل لها أخوات، يعني مثيلات لها، لا يليق بطالب العلم أن يكون من أهلها. قال: واقصر خطاك عن جميع المحرمات والمحارم، فإن فعلت، وإن لا فاعلم أنك رقيق الديانة، رقيق الديانة، يعني ضعيف الدين. قال: رقيق الديانة، خفيف، لعاب، مغتاب، نمام». قال: «فأنا لك أن تكون طالب علم يُشار إليك بالبنان، منعماً بالعلم والعمل». ودائما نكرر يا إخوان: إن مثل هذه المراكز تربية قبل أن تكون تعليم. هذه مرحلة ينبغي أن يهتم كل منا بتربية نفسه على مكارم الأخلاق وجميل العادات، ويبتعد عن سفاسف الأمور. وهكذا ما يكون سبباً لعدم انتفاعه بهذا العلم، عدم انتفاعه بهذا العلم. وعلم لا ينتفع به صاحبه، هذا قلنا كشخص يحمل على ظهره الرمل ولا يستفيد إلا الجهد والمشقة والتعب والتعب. وانظروا ما وصف به ربنا عز وجل اليهود، إذ قال عنهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾، تعلموا لكن لم يعملوا بالعلم، ما مثلهم؟ قال: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، أي على ظهره أسفار، أي كتباً. ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال رحمه الله تعالى: «سدد الله الخطى، ومنح الجميع التقوى وحسن العاقبة في الآخرة والأولى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم». بكر بن عبد الله أبو زيد. وكان تأليفه لهذه الحلية في الخامس والعشرين من شهر شوال لعام ألف وأربعمائة وثمانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان انتهاؤنا من التعليق على هذه الحلية المباركة في ليلة التاسع من شهر جمادى الآخرة لعام ألف وأربعمائة وست وأربعين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بما قرأنا وبما سمعنا، وأن يجعلنا أو يجعل هذه المجالس حجة لنا لا حجة علينا يوم نلقاه، وأن يرزقنا الآداب والأخلاق الحسنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.