الدرس في أصول وركائز تتعلق بتربية الأولاد 7، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المقطع أن القدوة الحسنة ركيزة أساسية في التربية لأن الأطفال بالفطرة يقلدون من يعظمون، والوالدان هما أقرب قدوة لهم. وينقل عن ابن القيم تحذيره من إهمال تعليم الأولاد فرائض الدين مستشهداً بحديث «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» وقصة الغلام اليهودي.
يسرد المقطع قصتين تبيّنان أثر الوالدين في مصير الأبناء: غلامٌ يُشهّد حين يأمره أبوه بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم فينجو، وأبو طالب يرفض النطق بالشهادة عند الموت تحت ضغط أبي جهل فيموت على الشرك. تظهر القصتان سرعة تأثر الأبناء ببيئتهم الأسرية وتوجيه آبائهم.
يروي المقطع موقف أبي طالب عند الموت حيث رفض قول "لا إله إلا الله" وأصر على البقاء على ملة أبيه عبد المطلب، فنزلت آيات تحرم الاستغفار للمشركين وتقرر أن الهداية بيد الله. ثم ينتقل إلى أهمية القدوة الأبوية مستشهداً بقصة مالك بن دينار الذي قال عن أبناء رجل يسيء صلاته: "هو كبيرهم".
استشهد المتحدث بمثل عربي عن تأثير رب الأسرة على أهل بيته، ثم أعلن استئناف الدرس بعد الصلاة. ختم المجلس بالدعاء بأن يوفق الله الجميع وصلى على النبي محمد وآله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا مجلس من المجالس التي نتذاكر فيها أصولًا وقواعد وركائز في تربية الأبناء. وسبق معنا أن تربية الأبناء والعناية بهم تعتبر أمانة، وهكذا تعتبر مسؤولية يجب على الآباء، ويجب على المربين والمعلمين القيام بها. والخطأ كل الخطأ إهمال هذا الجانب. سبق معنا ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «تحفة المودود بأحكام المولود»، قال: «فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فرائض الدين وسننه». فمن هذه الركائز وهذه الأصول العظيمة التي ينبغي الاهتمام بها: القدوة الحسنة. فالقدوة الحسنة لها أثر عظيم جدًا في العملية التربوية، وهكذا أيضًا لها أهمية بالغة في تربية الأبناء وتنشئة الأجيال، وتنشئة الأجيال. وانطلاق التربية من خلال القدوة الحسنة يعتبر من أنجح الوسائل وأعظمها فائدة. لماذا يا إخوان؟ لأن الأطفال بطبيعتهم يحبون التقليد ويحبون المحاكاة، يعني يمثلون أدوار شخصيات بارزة في نظرهم، ويتقمصون هذه الشخصيات التي أصبحت معظمة في أذهانهم. تلاحظون أنهم حين يتابع الأطفال أفلام الكرتون فيها مضاربة، يخرجوا ويقلدوا هؤلاء الذين تابعوهم. أو مثلًا رأوا فيلمًا رياضيًا، فإذا لعبوا كرة يقلدون ما رأوه، وهكذا في غيرها من المجالات. هذه يا إخوان غريزة موجودة لدى الأطفال، أنهم ماذا؟ أنهم يقلدون من يرون فيه القدوة. وأقرب الناس يا إخوان إلى الأطفال لكي يشبعوا هذه الغريزة: هما الوالدان. هما الوالدان. فالوالدان يا إخوان هما المثل الأعلى، وهكذا القدوة لهؤلاء الأطفال. وسرعان ما يتأثر الأولاد بالوالدين. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة». لاحظوا: على الفطرة. قال: «فأبواه يهودانه» أي يجعلانه يهوديًا، «أو ينصرانه» أي يجعلانه نصرانيًا، «أو يمجسانه» أي يجعلانه مجوسيًا، أي يجعلانه مجوسيًا. وهذا وهذا يا إخوان، إن دل على شيء، دل على أن الأبناء سرعان ما يتأثرون بهذا المجتمع الصغير المحيط بهم، وهو مجتمع الأسرة، وفي مقدمته الأب، وهكذا أيضًا الأم. وهكذا أيضًا الأم في قصة ذلكم الغلام اليهودي الذي دخل النبي صلى الله عليه وسلم يعوده. غلام يهودي، قيل كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مرض عاده النبي صلى الله عليه وسلم لكي يدعوه إلى الإسلام. فوقف عند رأسه، ثم قال عليه الصلاة والسلام لهذا الغلام: «يا غلام، قل لا إله إلا الله». ماذا فعل الغلام؟ أي جماعة، ماذا فعل الغلام؟ نظر إلى أبيه. أبوه كان موجود. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا غلام، قل لا إله إلا الله»، فنظر الغلام إلى أبيه كأنه يستشيره. فقال أبوه: «أطع أبا القاسم» صلى الله عليه وسلم. فتشهد الغلام بشهادة التوحيد. خرج عليه الصلاة والسلام وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». لو قال له أبوه: «لا، لا، لا تطع محمد، ابق على دينك»، فكم يا إخوان سيكون لهذه الكلمة من أثر على هذا الولد؟ في حديث المسيب بن حزن في صحيح الإمام البخاري: لما حضرت الوفاة أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، جاءه النبي عليه الصلاة والسلام، فوجد عنده رجلين من المشركين، وهما: أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي، وأيضًا عبد الله بن أبي أمية المخزومي. أما أبو جهل يا إخوان فأهلكه الله في غزوة بدر، مات على الشرك والكفر والعداوة لهذا الدين. أما عبد الله بن أبي أمية فأسلم وحسُن إسلامه، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأخته. فمن هي أخته؟ تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأخته، فمن هي أخته؟ من أمهات المؤمنين: أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ووقف عند رأس عمه يدعوه يا إخوان، آخر لحظات عاشها أبو طالب في هذه الدنيا. مع أنه كان في تلكم السنوات الماضية كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا زال على دين قومه عبادة الأصنام. فهو الذي يروى عنه أنه قال: ولقد علمت أن دين محمد ** من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة ** لوجدتني صرحًا بذاك مبينا والله لن يصل إليك بجمعهم ** حتى أوسد في التراب دفينا يقول: لولا الملامة يا عباه، يقول بعد الشيبة هذا والسن هذا، تترك دين الآباء والأجداد وتتبع محمد ومن معه من الصباح، أو حذار مسبة يتجرأ عليه السفيه وغير السفيه، قال: لوجدتني صرحًا بذاك مبينا. والله لن يصل إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا. ما يستطيع واحد يمسك ما دمت أنا حي، حتى أوسد في التراب دفينا. ومع هذا يا إخوان، انظروا إلى أثر الآباء والقدوة بهم. جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». ماذا قال أبو جهل وصاحبه؟ قالا لأبي طالب: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» من عبد المطلب، من عبد المطلب. «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» جد النبي صلى الله عليه وسلم. وماذا يكون لأبي طالب أبوه؟ أبو أبي طالب. «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» تترك دين أبيك الذي كان سيد قريش. فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عم»، يعني ما عليك من هؤلاء، «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وأبو جهل وصاحبه يعيدان هذه الكلمة: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟». آخر شيء قاله أبو طالب قبل أن تفارق روحه أو روحه جسده، قال: «هو» يعني نفسه «على ملة عبد المطلب»، على ملة عبد المطلب. قال المسيب بن حزن: «وأبى أن يقول لا إله إلا الله». أدى آخر شيء تلفظ به أبو طالب قبل الوفاة، قبل الوفاة، قال: «هو على ملة عبد المطلب». وأبو طالب قال: «أنا على ملة عبد المطلب». لكن لما كانت الكلمة قبيحة وسيئة، فالمسيب بن حزن نسبها إلى أبي طالب، قال: «هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله». فقال عليه الصلاة والسلام: «لا أستغفرن لك ما لم أنهَ عنك». فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. قيل في تفسيرها قولان: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي من أحببته يا محمد، وقيل: ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي أحببت هدايته، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فهذا يا إخوان مما يدل على أهمية القدوة، وأن الأبناء سرعان ما يتأثرون بالآباء. وهكذا أيضًا يتأثرون بالأمهات، ويتعلمون منهم، ويتعلمون منهم. أخرج الإمام أبو نعيم في كتابه «حلية الأولياء» عن الفضيل بن عياض، الفضيل بن عياض قال: رأى مالك بن دينار أحد أعلام السلف، رأى رجلًا يسيء في صلاته، رجل يسيء في صلاته. فقال مالك بن دينار: «ما أرحمني بعياله»، يعني قلبي مليء بالرحمة لأولاد هذا الذي يصلي ويسيء في صلاته. فتعجب الناس، قالوا: «يا أبا يحيى، رجل يسيء في صلاته، وأنت تقول: ما أرحمني بعياله؟» انظروا ماذا قال يا إخوان. قال مالك بن دينار: «قال هو كبيرهم». يعني هذا الأب هو كبيرهم، ومنه يتعلمون. هو كبيرهم، ماذا؟ كبير البيت، البيت وأهل البيت يتعلمون منه. إذا كان هذه صلاة الكبير، فما ظنك ببقية أهل البيت؟ إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا فشيمة أهل البيت الرقص، كما ذكر العرب في أشعارهم. طيب، نكمل إن شاء الله عز وجل بعد الصلاة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.