الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 17، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس علامات أهل السنة ومسلكهم في التعامل مع الخلاف بين علمائهم، ويبين أهمية حبهم لأئمة السنة. يجب التعامل بالعدل مع علماء السنة وعدم الطعن فيهم بسبب الخلافات.
ينبغي التعامل بالعدل مع علماء السنة والمخالفين لهم، مع ضرورة التحذير من أهل البدع والضلال. يجب الحذر من الشحناء والبغضاء والفرقة بين أهل الحق والتصرف بحكمة في الخلافات.
يتناول الدرس أهمية التمسك بالسنة النبوية في آخر الزمان، حيث يشير إلى أن أهل الحق سيكونون قليلين ويضاعف الله الأجر لمن يتمسك بالسنة. يجب تعظيم أخبار رسول الله وتلقيها بالقبول والتسليم.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السابع عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الصابوني رحمة الله تعالى في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث" قال: "وإحدى علامات أهل السنة حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار ويدلون أصحابهم على دار البوار". وقد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة ونورها بحب علماء السنة فضلا منه جل جلاله. هذا الموضع من هذه العقيدة العظيمة، عقيدة السلف أصحاب الحديث، التي هي مأخوذة من أدلة الكتاب والسنة وما نقل عن سلف الأمة، فيه هذا الموضع من علامات أهل السنة التي تميزوا بها عن غيرهم، وهذه العلامة هي حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأنصارها وأوليائها. فالسني الذي قد وفق للطريق الصحيح تجده يحب أئمة السنة وعلماءها وأنصارها وأوليائها، فإذا ضعف هذا الحب أو وجد معه ما ينافيه ففي منهجي وصدق تمسك هذا السني باسم ما عنده من السنة خلل ما. أنا لا يخفى علينا أن علماء السنة وإمامتها وأنصارها وأوليائها ليسوا بمعصومين، لا يسلم الواحد منهم من خطأ وتقصير، ولكنه مغمور بجانب ما عندهم من الخير والطاعة والتوحيد والاعتناء بالسنة، فلذلك لا يحملون غلا ولا حقدا ولا حسدا ولا بغضا ولا نقمة على أهل السنة. ولا يعني ذلك أنهم يدافعون عن الباطل، بل إذا ثبت الخطأ عن الكبير فضلا عن الصغير، فيقولون: نحفظ له كرامته وإمامته وعلمه ومنزلته، أو إن لم يكن من العلماء والوجهاء نحفظ له سنيته وولايته ونصرته وإكرامه لأهل السنة، ولا نوافقه على الخطأ الذي وقع فيه، هذا هو العدل. أما أنك تهمز وتلمز بعلماء السنة وإمامتها وأنصارها وأولياءها لأجل خطأ صدر، أو لتعصب لعالم آخر نزغ الشيطان بينه وبين ذاك العالم مما لا يسلم منه البشر، فتقيم الولاء والبراء الضيق لأجل الأشخاص، ثم تلبسه بلباس السنة والولاء والبراء، فهذا كذب في التمسك بالسنة وخطأ في مسلك من يدعي التمسك بالسنة. وقد وجد مثل هذا في زمن أئمة، فحذر العلماء علماء السنة من هذا المسلك في كتبهم، وهذا منهج. فمن كان من علماء السنة ينبغي أن تحفظ له كرامته ومنزلته، وكذلك إمامته وعلمه، وإن كان من عامة أهل السنة أو طلبة العلم فيها تحفظ له نصرته وولايته وسنيته، وإن وقع شيء من الخطأ من كبيرهم أو صغيرهم وثبت عن غيرهم من العلماء بيان هذا الخطأ، فأنت لا تتابع على هذا الخطأ مع إبقاء الكرامة. كلهم علماء سنة، علماؤنا وشيوخنا، حتى ولو تكلم فيك أحدهم، فلا تجعل كلامه فيك يغير العدل الذي أمرت به، فتنقلب من محب إلى عدو ومبغض، وتنقلب من مثني إلى جاحد لما عندهم من الفضل. وكذلك طاعن أبدا، حتى ولو تكلم فيك بحق أو بباطل، فأنت تقول كما قال علماؤنا وسلفنا: لما وقعت الفتنة في زمن الصحابة والخلاف، جاء بعض الناس يسألون بعض الصحابة رضي الله عنهم، كما يروى عن علي رضي الله عنه فيما وقع قبل الجمل وبعدها، فجاءوا يسألونه رضي الله عنه: أرضاه عن عائشة؟ لأن عائشة كانت ناقمة على علي رضي الله عنهما، فماذا قال؟ قال: "أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه، ابتلاكم الله بكلامها"، يعني: أنتم صانعون؟ "فإن أنتم قبلتم كلامها فيه فوقعتم في الخطأ، وربما الظلم من يطعم في واحد من الصحابة فهو على شفا هلكة، أو دافعتم عني فوقعتم فيها". فكذلك هذا، إشكال، وصاحبه على شفا هلكة، لكن الصواب هذا التعبير اللطيف من هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه، وروي معناه عن عدد من الصحابة، بل ونحوه عن عدد من العلماء، ولا سيما الإمام أحمد رحمه الله، وذكر له بعض أفاضل أهل السنة وعلمائها وأنه تكلم فيه، فقال: "رجل صالح، ابتلاكم الله بكلامه فيه"، ما قال: "قال فيها كذا"، إذن هو كذا وكذا، لا، حفظ له منزلته وكرامته وإمامته وعلمه، ولكن بين العدل. ما أحد يسلم من الخطأ، والواجب أن نحفظ لعلماء السنة وإمامتها كرامتهم، تكلم عالم في آخر، تقول: "كلهم مشايخنا، كلهم علماؤنا، ونقبل من الجميع الحق، ولا نجامل في الباطل"، هذا هو العدل. أما أنك تنقلب على عالم من علمائها وإمام من أئمتها، كبيرا كان أو صغيرا، بسبب أنه لم يوافقك أو تكلم فيك أو تكلم في شيخك، فهذا هو الولاء والبراء الضيق الذي هو خلل في سلوك طريق السلف وأتباع الحديث. فينبغي أن ننتبه لهذا، بل ربما إذا غالى صاحبه خرج من طريق أهل السنة، لأنه أنشأ ولاء وبراء ضيقا، كما فعل الخوارج. الخوارج كانوا من الصحابة، كانوا مع الصحابة، ليس فيهم أحد من الصحابة، ولكن كانوا مع الصحابة، فخرجوا على الصحابة بسبب ما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، ما سلكوا المسلك العدل في التعامل مع الخلاف الذي وقع بين الصحابة، فكانت الثمرة: خرجوا أولا باللسان، ثم خرجوا ثانيا بالسيف والسنان، هذه هي النتيجة. وهكذا طوائف بعد ذلك، ما تحملوا الخلاف بين العلماء، فصارت النتيجة أن تلحقوا بأهل البدع والأهواء، كما وقع في زمن الإمام البخاري، وما وقع بعد ذلك كذلك في زمن عدد من العلماء والأئمة، ومن قبلهم ومن بعدهم. وهكذا كذلك في زماننا هذا، خرجت الحدادية من طلاب علماء السنة، وخرج بعدهم طوائف عندهم هذا الغلو، الذين لم يحسنوا التعامل فيما وقع من خلاف بين علماء السنة، فمالوا إلى جهة جعلتهم ينحرفون ويزيغون عن الصواب، بل بعضهم ربما خرج من طريق السنة. هذا الحجور ومن معه هدانا الله وإياه، وهؤلاء من يسمون بالصعافقة لحقوا بمسلك الحدادية. ولا يزال طوائف، وربما بعضهم موجود بين أهل السنة، لكن مسلكه ليس عادلا في حسن التعامل مع الخلاف بين أهل السنة، فتكون الثمرة: ولاء وبراء ضيق، ثم بعد ذلك يأتي الغلو والأحكام الجائرة. بالأمس يكون الإنسان: "عالم وشيخ كبير وإمام الفقه"، فإذا خالفه: "فعل كما فعل اليهود"، قال: "بعبد الله بن سلام: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا"، فلما أسلم عبد الله بن سلام: "صار شرهم وابن شرهم"، انقلبت الألفاظ والأحكام. واليوم وللأسف بعضهم تابع اليهود في هذه الخصلة، يثني على الإنسان ويغلو فيه، وهذا ليس من العدل، الغلو مذموم، وإذا خالفهم حطوه تحت الأرض، حتى ليس بعالم ولا طالب علم، ما بقي: "لا عالم ولا طالب العلم"، وبالأمس: "إمام"، ولما خالف: "لا طالب علم ولا عالم". فينبغي أن نحذر من هذا الغلو وهذا الانحراف في المسلك في هذا الباب. وأما قوله رحمه الله: "يبغضون أهل البدع"، كذلك بمدلة على جلة الكتاب والسنة، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وقوله سبحانه: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار"، وأول أهل الظلم الكفار، وبعدهم أهل البدع، ثم الفجار. فلذلك جاءت كذلك الآثار مفسرة لأدلة الكتاب والسنة في التحذير من أهل الباطل، وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو التميز الذي يميز أهل السنة عن غيرهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يخرج من ضئضئه"، حدد أو لم يحدد؟ حدد، إذن ليس دائما ما بالهم أقوام، والناس بهذا طرفان، وسط، بعضهم ما يعرف إلا التسمية، الأشخاص، وهذا خطأ، وبعضهم لا يريد تسمية الأشخاص والجماعات، وهذا خطأ. بل الأصل هو عدم التسمية، وفي بعض المواضع تحتاج للتسمية، لأجل أن تحذر من إنسان بشخصه لعظيم ضرره، لأنه على كفر أو على بدعة أو على فساد ومعصية، ويئست منه، وتخشى أن يفسد المجتمع، هكذا بعض الجماعات تحتاج للتسمية. إذا لم نحذر من الجماعات المنحرفة مثل الصوفية والقبورية والباطنية والشيعة والرافضة والحوثية وأمثالهم، فإن الناس قد يغتروا بهم، فيظنك تتكلم على طوائف ليست موجودة، لكن إذا عينت اسمها: "احذر من هذه الطائفة"، عندها كذا وكذا وكذا من الانحراف العقدي أو المنحرفة انحرافا منهجيا وأخلاقيا، تحذر منها: "جماعة الإخوان المسلمين"، وما تفرع منها مما عنده من ضلال كالقطبية والسرورية وكذا وكذا، تسمي، يحتاج أحيانا أن تسمي لأجل أن تعرف الجاهل وتنبه الغافل، فيكون في هذا حمية للمجتمع من هذه الجماعات والأفراد الضالة. وهكذا فعل الأئمة والعلماء، فإنهم حذروا من أشخاص وحذروا من جماعات، كما حذروا من الجهمية، وحذروا كذلك من الكلابية، وحذروا كذلك من المعتزلة والأشاعرة ونحوهم من أهل الضلال ممن ضل سواء في مسائل العقيدة أو في غيرها من المسائل الأخرى، حذروا من أهل الرأي بأشخاصهم وبكذلك مذاهبهم، وهذا هو مسلك أهل السنة. لكن الأصل هو: إذا استطعنا أن نكتفي بالإيحاءات والإيماءات والتلميحات، فإن هذا يكفي، فإن احتاج إلى التعيين انتقل إلى التعيين. قال رحمه الله تعالى: "أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، أسكنه الله وإيانا الجنة، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن الفضل المزكي، قال: حدثنا أحمد بن سلمة، قال: أرى علينا أبو رجاء قتيب بن سعيد كتاب الإيمان له، فكان في آخره: فإذا رأيت الرجل يحب سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وشعبة وابن المبارك وأبا الأحوص وشريكا ووكيعا ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، فأعلم أنه صاحب سنة". قال أحمد بن سلمة رحمه الله: "وانظر سموا علماء السنة"، مع أن هؤلاء العلماء ما خلا واحد منهم إلا وعنده خطأ، وكل ابن آدم خطأ، لكن هذا يغمر في مواضع السنة وحسنات هذا الإنسان، فإذا جاء وقت الخطأ فإنه يترك هذا الخطأ ويحذر هذا الخطأ، لكن لا يترك علم الإنسان أو يطعن فيه لأجل خطأ. قال: "قال أحمد بن سلمة رحمه الله: فألحقت بخطي تحته يحيى بن يحيى وأحمد بن حمل وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، فلما انتهينا إلى هذا الموضع نظر إلينا أهل نسابور، وقالوا: هؤلاء القوم يبغضون يحيى بن يحيى، فقلنا: يا أبا رجاء، ما يحيى بن يحيى؟ قال: رجل صالح إمام المسلمين، وإسحاق بن إبراهيم إمام، وأحمد بن حمل عندي أكبر من سميتهم كلهم". والمعنى: أنهم عدلوا فيما وقع بين العلماء في ذاك الزمان، يعني: لا تفضل عالم على عالم فتتخذ هذا العالم محل تعصب وولاء وبراء ضيق، فتطعن في غيره لما وقع بينهم من خلاف. وتعلمون: يحيى بن يحيى وقع بينه وبين بعض أقرانه من أهل العلم شيء من الخلاف بسبب خلاف وقع في بعض مشايخهم قبل ذلك، فكان بعض التلاميذ يتأثر بما وقع من خلاف المشايخ، فيجعل عند بعضهم بسبب سوء التصرف مع الخلاف الواقع شيء من الولاء والبراء الضيق، وهذا خطأ. قال رحمه الله: "وأنا ألحقت بهؤلاء الذين ذكر قتيب رحمه الله أن من أحبهم فهو صاحب سنة، من أئمة أهل الحديث الذين بهم يقتدون وبهم يهتدون، ومن جملتهم وشيعتهم أنفسهم يعدون، وفي اتباعهم آثارهم يجدون". جماعة آخرون منهم: محمد بن إدريس الشافعي، وسعيد بن جبير، والزهري، والشعبي، والتيمي، ومن بعدهم كالليث بن سعد المصري، والأوزاعي، والثوري، وسفيان بن عيينة الهلالي، محمد بن سلمة، وحماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وابن عون، ونظراؤهم. وهذا من العدل: أن كل علماء السنة علماؤنا وإمامتنا ومرجعيتنا، ولا يعني ذلك أن نجامل أحدا في خطأ، ولكن معناه أن نعدل، وأن كذلك نصدق في حب أهل السنة وعلمائها وإمامتها. قال: "ومن بعدهم مثل يزيد بن هارون الواسطي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وجرير بن عبد الحميد الضبي، ومن بعدهم مثل محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، وأبي داود السجستاني، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم وابنه، ومحمد بن مسلم بن وارة، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعثمان بن سعيد الدارمي السجزي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الذي كان يدعى إمام الأئمة". ولا عمري كان إمام الأئمة في عصره ووقته، يعني: صحيح كان كذلك، ومع ذلك هل سلم ابن خزيمة رحمه الله من الطعن؟ ما سلم، وهذا من الخطأ: أن مثل ابن خزيمة أو البخاري أو مسلم أو غيره من العلماء يطعن فيهم كالطبر وغيره بسبب خلاف وقع بينه وبين بعض قرنائه، فإن هذا ليس من العدل وليس من مسلك أهل السنة. قال رحمه الله تعالى: "وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل البستي، والحسن بن سفيان الفسوي، وجدي من قبل أبوي، أبي سعد يحيى بن منصور الزاهد الهروي، وأبي حاتم عدي بن حمدويه الصابوني، وولديه: سيف السنة أبي عبد الله الصابوني، وأبي عبد الرحمن الصابوني، وغيرهم من أئمة السنة المتمسكين بها، ناصرين لها، داعين إليها، ووالين عليها"، يعني: موالين وداعين. فهؤلاء ينبغي أن يكرموا، ولا ينبغي أن يطعن بهم لأجل خلاف وقع بين بعضهم البعض، وهكذا لا يقف، لا يقف سلسلة هذه الأسماء عند هذا الحد، بل إنه يستمر إلى قيام الساعة، فإنه لا يزال يقع الخلاف بين العلماء، والواجب سلوك العدل فيما وقع من خلاف بين علماء السنة، وكلهم علماؤنا وإمامتنا، ولا نجعل الخلاف الذي وقع بينهم سببا للطعن فيهم. فنقول في زماننا هذا كذلك: من مشايخنا وعلمائنا شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، إمام العلماء في عصرنا هذا، وهكذا شيخنا محمد ناصر الدين الألباني، وهكذا شيخنا كذلك محمد بن صالح الثيمين، وهكذا شيخنا مقبل بن هادي الوادعي، وغيرهم من مشايخ السنة وعلمائها. وإن كان وقع بينهم وبين بعض العلماء شيء، فأولئك العلماء من مشايخنا وعلمائنا، وقع بين شيخنا مقبل وبين الشيخ محمد بن أمان الجامي رحمهم الله جميعا شيء، فلا يعني ذلك أن نأخذ الولاء والبراء الضيق مع أحد الشيخين، بل الكل من مشايخنا وعلمائنا وإمامتنا. وقع بين الشيخ الألباني رحمه الله وبين الشيخ التويجري والأنصاري وجماعة شيء، ومع ذلك كلهم من مشايخنا وعلمائنا، وينبغي أن نحفظ للجميع منزلتهم وإمامتهم وعلمهم. وهكذا كذلك لا يزال هذا يسير، وقع بين شيخنا ربيع بن هادي الوادي حفظه الله، وعبيد الجابري رحمه الله، وهكذا كذلك في الطرف الآخر شيخنا محمد بن هادي حفظه الله، فلا يعني ذلك أن نعقد الولاء والبراء الضيق بين هؤلاء العلماء، بل كلهم من مشايخنا وعلمائنا وإمامتنا وعلماء السنة. وينبغي أن نحذر من أن يجرنا ما وقع من خلاف بينهم للولاء والبراء الضيق، نأخذ الحق ونترك الباطل من أي حد، كبيرا كان أو صغيرا، ولا نرضى بعقد الولاء والبراء الضيق لما وقع من خلاف بين علماء السنة. هذه نقولات هذا الإمام الصابوني كما سمعنا، وهكذا قال قبله عدد من الأئمة والعلماء، وإذا وقفت إلى كتب التاريخ والحديث والسنة وما ذكره العلماء فيما وقع ونزغ به الشيطان بين بعضهم، علمت المواقف الصحيحة والتصرفات السليمة التي سلكها علماؤنا وإمامتنا في مثل هذا الخلاف. وهذا هو الواجب، فأهل السنة قليل، فلا ينبغي أن نقلل هذا القليل بالكلام في بعضهم وعقد الولاء والبراء الضيق والشحناء والبغضاء والخلافات، فتضعف قوتنا. وقد قال الله عز وجل محذرا من هذا المسلك، وكذلك حتى لا نسلك مسلك الكافرين والمجرمين ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعة، قال سبحانه: "ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعة كل حزب بما لديهم فرحون". فينبغي الحذر من ذلك، وينبغي الحذر كذلك من النزاع والخلاف الذي يضعف القوة، وأدلة ذلك ومباحث قد مرت في أوائل الكتاب بما يغني عن الإعادة، ويؤكد لنا ذلك إذا علمنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد بين لنا أن أهل الحق قليل، بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". فمن خالفك إن كان من أهل السنة فتعامله المعاملة العادلة الذي يعامل بها السني، وإن كان من أهل البدعة فتعامله المعاملة العادلة كذلك مع البدعي، حتى البدعي لا يدفعك ما عنده من بدعة إلى أن تتجاوز العدل في حقه، فتذكر الخطأ ولا تتعدى إلى عرضه وإلى شخصه وللاستهزاء به وإلى الهمز واللمز به، فهذا من التعدي. ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، وهكذا كذلك من باب أولى السني أن يعدل معه، وهكذا من خذك من إخوانك ومن أحبابك إذا خذك أحد فلا تجعل هذا الخذلان سببا للتحامل عليه وشني الولاء والبراء الضيق في ذلك، بل تغافل، وكذلك اشتغل بالخير الذي أنت فيه، ولا تجعل هذا سببا لإيجاد الشحناء والبغضاء والفرقة بين أهل الحق. بل ينبغي أن نكون أرفع مما يطمع به الشياطين الجن والإنس من إضعافنا وتفريق قوتنا واجتماعنا، بل نفوت الفرصة على الأعداء فيما يطمعون، ونكون من العقلاء الذين يحسنون التصرف في هذا الباب. قال رحمه الله: "وهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم، لم يخالف فيها بعضهم بعضا، بل أجمعوا عليها كلها، ولم يثبت عن أحد منهم ما يضادها رضا"، يعني: ليس أحد بلغته هذه العقيدة ممن علم من أهل السنة إلا وقرها ووافقها وأثبت ما فيها، ولم يثبت أحد أنه ضادها. وقوله: "ضادها رضا"، يعني: قد يحصل في بعض المسائل مما يسع فيه الخلاف، لا مما يكون من باب التضاد والتعارض. قال: "واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم، والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم، والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم". وهذا كما تقدم: بالعدل، ليس من هجرهم وإقصائهم وإبعادهم أن تتكلم فيما لا يجوز الكلام فيه من الخوض في الأعراض والطعن في الأنساب وغير ذلك من البغي والعدوان، ولا الهمز واللمز والغيبة والنميمة في غير ما خالفوا فيه السنة ووقعوا فيه من البدعة، فاقتصر على الباب الذي كان عليه سلفنا وإمامتنا، يسلكون البدعة حذر من البدعة الذي عنده، لا تتعدى ذلك، ولا تسلك مسلك الظلم في هذا الباب. وهذا من العدل، على تفاصيل سبقت الإشارة إليها في أوائل ووسط هذا الكتاب بما يغني عن الإعادة. قال: "قال الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى: وأنا بفضل الله ومنه متبع لآثارهم، مستضيء بأنوارهم، ناصح لإخواني وأصحابي ألا يزلغوا عن منارهم"، يعني: لا يزيغوا ولا ينصرفوا ولا يتبعوا غير أقوالهم، ولا يشتغلوا بهذه المحدثات من البدع التي اشتهرت فيما بين المسلمين، والمناكير من المسائل التي ظهرت وانتشرت. ولو جرت واحدة منها على لسان واحد في عصر أولئك الأئمة لهجروه وبدعوه، ولا كذبوه وأصابوه بكل سوء ومكروه، ولكن بالعدل، كل هذا قد سبق توجيهه بأنه يسلك في هذا مسلك العدل. فبعض الناس لا يفهم الهجر فيسلك فيه مسلكا خاطئا، والناس في هذا كما تقدم: طرفان ووسط، والواجب سلوك مسلك أهل السنة وأهل الإسلام الصحيح. في قوله جل وعلا: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا"، في العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق والسلوك والأحكام، كذلك والمعاملات مع القريب والبعيد والصديق والبعيد، حتى مع الكافرين ينبغي أن يسلك مسلك العدل في هذا. لا يعني المداهنة، لا يعني التنازلات، لا يعني التميع للدين وثوابته، ولكن يعني أن لا نتعدى ما كان عليه سلفنا وإمامتنا وعلماؤنا، حتى لا يفهم هذه الألفاظ على خلاف فهمها الصحيح. قال: "ولا يغرن إخواني حفظهم الله كثرة أهل البدع ووفور عددهم، فإن وفور أهل الباطل وقلة عدد أهل الحق من علامات اقتراب اليوم الحق"، يعني: الساعة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. إذ الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: "إن من علامات الساعة واقترابها أن يقل العلم ويكثر الجهل"، كما جاء في حديث أبي هريرة البخاري وغيره، والعلم هو السنة، والجهل هو البدعة، من العلم السنة، ومن الجهل البدعة، فالكفر والبدعة والمعاصي كلها من الجهل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والجهل"، انظر: "قول الزور والجهل"، هذا من عطف الخاص على العام، وهذا من عطف الخاص على العام، وتقدم معنا فوائد عطف الخاص على العام للتنبيه أنه لا ينحصر في ذلك الخاص، بل هناك أشياء عامة من ذلك الخاص. قال رحمه الله تعالى: "والعلم هو السنة، والجهل هو البدعة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها"، والمعنى: أن الإيمان يتناقص في آخر الزمان، فيكون أهله قليل، وأماكنه قليلة، وأماكنه كذلك قليلة، حتى يكاد ينحصر في المدينة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون"، حتى آخر الزمان، وعند قيام الساعة لا يستطيع الدجال أن يدخل المدينة، لأنها موضع الحق، أهله، وتعصم بحفظ الملائكة. قال: "وقال صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة وفي الأرض أحد يقول: الله"، يعني: كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق"، إلا على شرار الخلق. والحديث الصحيح مسلم الذي أشار إليه في حديث عبد الله بن عمر، وفي حديث ابن مسعود: "أن الساعة لا تقام إلا على شرار الخلق"، كذلك في الصحيح مسلم، كما تقدم من حديث ابن مسعود. قال رحمه الله: "من تمسك اليوم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمل بها واستقام عليها ودعا إليها، كان أجره أوفر وأكثر من أجر من جرى على هذه الجملة في أوائل الإسلام والملة". إذ الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: "له أجر خمسين"، فقيل: "خمسين منهم؟ قال: بل منكم"، وهذا لكثرة الفتن في آخر الزمان وقلة المناصرين، فلهذا يضاعف الله عز وجل الأجر على صاحب الحق لثباته على هذا الحق. و"صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: القابض على دينك كالقابض على الجمر"، قال: "وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لمن يعمل بسنته عند فساد أمته"، ولهذا وصفهم بالحديث الآخر بأنهم: "الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس"، وفي رواية: "يصلحون إذا فسد الناس"، "ويصلحون إذا فسد الناس". فهذه الأحاديث الصحيحة التي أشار إليها، وفي تعليق تخريج هذه الأحاديث بما يغني عن الإطالة فيها، كلها تدل على عظم الابتلاء الذي يكون في آخر الزمان، وأن أهل الحق وناصريه سيكونون قليل. قال رحمه الله: "قال أبو عثمان: وجدت في كتاب الشيخ الإمام جدي أبي عبد الله محمد بن عدي بن حمدويه الصابوني رحمه الله، قال: أخبرنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي، أن العباس بن الصبي حدثهم، قال: حدثنا عبد الجبار بن طاهر، قال: حدثني معمر بن راشد، قال: سمعت ابن شهاب، سمعت الزهري يقول: تعليم سنة أفضل من عبادة مئة سنة، لأن تعليم السنة في حفظ الدين، والعبادة إنما تنحصر على صاحبها". قال رحمه الله: "أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني رحمه الله، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، قال: سمعت محمد بن حاتم المظفري يقول: سمعت عمر بن محمد يقول: كان معاوية الضرير أحد أئمة الحديث المشهورين، قال: يحدث هارون الرشيد، فحدثوا بحديث أبي هريرة: احتج آدم وموسى، فقال علي بن جعفر: كيف هذا؟ وبين آدم وموسى ما بينهما؟ قال: فوثب به هارون، وقال: يحدثك عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعارضه بكيف؟ قال: فما زال يقول حتى سكت عنه"، يعني: إشارة إلى أن في ذاك الزمان كان الرؤساء والزعماء والخلفاء على تعظيم للسنة وعلى معرفة بالسنة وبمنزلتها ومقدارها. فكيف بهذا الزمان الذي جهل، ودخل الجهل إلى بعض من ينتسب إلى العلم، فيشير بهذا إلى أن الواجب في آخر الزمان تناصر أهل الحق وتعاونهم، وكذلك الصبر على ما يلقونه من مخالفيهم وعدائهم. وقد وجه العلماء هذا الحديث بأن الله عز وجل على كل شيء قدير، وهذه المحاجة كانت بعد موتهم، فإن الأنبياء أحياء في قبورهم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء والمعراج كيف أنه رأى الأنبياء وتحدث معهم. فالله عز وجل يا أبقى الأنبياء أحياء بأرواحهم، وإن ماتت أجسادهم، فالله عز وجل رفع أرواحهم في السماء كما جاء في حديث الإسراء حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في السماوات، كل نبي بما وجده وما حدث به عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: "قال: هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر شد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد رحمه الله مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف؟ على طريق الإنكار له والابتعاد عنه، ولم يتلقه بالقبول". كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد من الرسول صلى الله عليه وسلم، "جعله الله سبحانه من الذين استمعوا القول ويتبعون أحسنه، ويتمسكون في دنياهم مدة حياة بالكتاب والسنة، وجنبنا الأهواء المضلة والأراء المضمحلة والأسواء المذلة، فضلا منه ومنه، اللهم آمين". قال: "وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم". وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرسالة العظيمة التي قد حولت جملا من عقيدة السلف أصحاب الحديث، أتباع الكتاب والسنة، وما كان عليه أئمتها وعلماؤها. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني، ومن الشيطان، واستغفر الله العظيم. وصل الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، شكرا.