الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 72، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يحذر الدرس من اللحن في اللفظ والكتابة موضحاً أنه ميل عن قواعد النحو والصرف، ويؤكد أن إتقان فروع اللغة العربية يقي الطالب الخطأ ويمنح كلامه جلالة وصفاء ذوق. ويختتم بالتأكيد على وجوب اجتناب الخطأ اللغوي والعناية بعلوم العربية مع الدعاء بالتوفيق.
يعرف المقطع المروءة بأنها ملكة تدفع إلى فعل الحسن وترك القبيح، ويبين أن طالب العلم أحوج الناس إليها فتظهر في هيئة ملابسه وتصرفاته وأخلاقه. كما يبرز دور مراكز العلم في تربية الطالب على الصدق والشهامة والإيثار مميزاً بين الإيثار والاستئثار بأمثلة عملية.
يبرز المقطع فضيلة الإيثار وتقديم الغير على النفس كخُلق أساسي لطالب العلم مستدلاً بحديث النبي ﷺ في الصبر على الأثرة. ثم يؤكد أهمية إتقان النحو العربي وتصحيح اللحن منذ الصغر محذراً من تراكم الأخطاء اللغوية في النقل وموضحاً أن النحو آلة لفهم الوحي لا غاية في ذاتها.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه، أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالب العلم للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، ونحن في آخر فصول هذه الحلية المباركة التي تزيد الطالب حسناً مع حسنه وجمالاً إلى جماله، وتزيد العلم أدباً وحلماً وحكمةً، وكل ذلك وغيره كثير يحتاجه طالب العلم، وهذا الفصل الأخير عقده رحمه الله تعالى لبيان جملة من المحاذير، أي التي على طالب العلم أن يحذر من الوقوع فيها، فلا يفسد ما بنى، ولا ينقض ما عقد، ولا تكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا ﴾. قال رحمه الله تعالى في الأدب الحادي والستين: «احذر اللحن، احذر اللحن»، وكما ذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى أن اللحن معناه الميل، معناه الميل، سواء كان في قواعد التصريف أو في قواعد الإعراب. قال: قواعد الإعراب يمكن الإحاطة بها، فيعرف الإنسان القواعد ويطبق لفظه أو كتابته عليها. قال: قواعد التصريف هي المشكلة، أحياناً يأتي الميزان الصرفي على غير قياس، يأتي سماعياً بحتاً، إذن بعض الأوزان لها ميزان صرفي، لكن بعضها ليس لها ميزان، وإنما تأخذ عن طريق السماع. قال: وحينئذ لا يخلو إنسان من الغلط فيه، إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «إذا ابتعد عن اللحن في اللفظ والكتابة»، أي اللحن في اللفظ وهو الكلام، وهكذا اللحن الذي يكون في الكتابة. وهذا يا إخوان إن دل على شيء دل على أهمية تعلم العربية، تعلم العربية بفروعها، سواء كان ما يقيم اللسان وذلك بتعلم القواعد النحوية، فإذا تعلمت النحو سلمت من الخطأ في اللسان، الفاعل لا تنصبه، والمفعول لا ترفعه، وهكذا في غيرها، وتعلم القواعد الإملائية يجنبك الخطأ في الكتابة، وهكذا غيرها من فروع العربية: تعلم الصرف، وتعلم البلاغة، وتعلم العروض والخط، وغيرها من الفنون والأبواب. قال: «فإن عدم اللحن جلالة وصفاء ذوق ووقوف على ملاح المعاني لسلامة المباني». لاحظوا يا إخوان، حين تستمع إلى خطيب أو إلى متكلم فتجده لا يلحن، تجد عباراته قوية ولغته قوية، فلا تمل من سماع حديثه. لكن إذا قام الخطيب يخطب أو المتكلم يتكلم، فلعلّه لا يحكم زمام الكلام. ليس معنى هذا أنه يشترط في من يكلم الناس أو يخطبهم أن لا يقع في خطأ، يا إخوان، فسيسلم اللحن عند السلف قديماً، حاصل وواقع، وهم أعرف الناس باللغة العربية، فما بالك اليوم ونحن نشتكي من ضعف اللغة عند أهلها؟ لكن يا إخوان، حنانيكم، بعض الضعف أهون من بعض، يعني واحد يتكلم نصف ساعة ويلحن مرتين أو ثلاثاً أو خمس مرات، لا بأس يا إخوان، يعني هذا شيء مقبول. لكن يتكلم المتكلم بلا زمام ولا خطام، لا يراعي الرفع للمرفوع، ولا النصب للمنصوب، ولا الجر للمجرور، ولا الجزم للمجزوم، هذا الذي يعاب على صاحبه، فإذا كثر اللحن حصل الملل وحصلت السآمة من الحديث. قال: «فإن عدم اللحن جلالة»، أي تدل على جلالة وعظم قدر صاحبها، «وصفاء ذوق ووقوف على ملاح المعاني»، أي ما يستعذب ويستملح من المعاني، لماذا؟ قال: «لسلامة المباني». وهذا يا إخوان نشعر به كثيراً في هذه الحلية، حلية يا إخوان مبانيها قوية من حيث بلاغتها ولغتها، وهذا يؤدي إلى قوة المعاني وعذوبة كذلك هذه المعاني مع المباني. فعن عمر رضي الله عنه أنه قال: «تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة». ما هي المروءة؟ المروءة هذه يا إخوان آداب وأخلاق، هذه آداب وأخلاق تبعث على فعل الحسن وترك القبيح، وعرفها بعضهم بأنها ملكة، وهذه الملكة تجعل صاحبها يلازم التقوى، وهكذا أيضاً يلازم فعل الحسن وترك الأشياء المذمومة والمستخبثة وما لا يليق بالشخص. وطالب العلم يا إخوان أحوج إلى المروءة، يعني مثلاً أحياناً يستحيي الواحد أن يخرج بدون عمامة حاسر الرأس، تخيل أنك لو رأيت عالماً أو شيخاً يمشي بدون عمامة، تستغرب أو ما تستغرب؟ تقول: ما له؟ ماذا حصل؟ هناك شيء طيب. كيف لو رأيته يخرج في سراويل أو قريب منها البناطيل؟ هذا طالب علم يتمشى في السكن، فيه بنطال، لا يليق، لا يليق، هذا من خوار المروءة. إذا أراد أن يخرج أخذ له إزاراً، لبس له ثوباً، إلى غير ذلك من خوار المروءة. يعني في حق طالبي العلم مثلاً أن يحلق رأسه، يعمل قصات ويتفنن في إسقاط الشعر من الأمام ومن الخلف، طالب علم لا، ما يصلح، قد يفعلها بعض العوام، لكن أنت: «لقد هيأوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل»، لا تقول: الناس يحلقون، لا، أنت غير، أنت قدوة، الناس تقتدي بأفعالك. ولهذا يا إخوان بعض العوام يستغرب من أحوال طلاب العلم، يقول: هؤلاء يدرسون، هؤلاء يطلبون العلم، نعم، أيش المشكلة؟ قال: انظر إلى قصات شعورهم، انظر إلى تصرفاتهم، تباً يا إخوان، لا نسيء إلى العلم، ولا نبغض الناس إلى التعليم، نحن قد ندعو إلى العلم وندعو إلى الحق والسنة بأفعالنا أبلغ من أقوالنا، الناس يا إخوان تتأثر بأفعالنا وأخلاقنا أكثر من تأثرها بأقوالنا. وفي مراكز العلم يتربى الطالب على الفضيلة وعلى الخير وعلى الأخلاق والمروءة، وترك ما يخالف ذلك، يتربى يا إخوان على الصدق، لا يجوز طالب علم يكذب، يتربى على الشهامة، على الجود والكرم، رأى بعض زملائه فقيراً محتاجاً وهو قد وسع الله عليه، ماذا يفعل طالب العلم يا إخوان؟ يبذل من ماله لأخيه، يقول: يا أخي خذ هذا مساعد مني لك. يرى زميله في الدرس ما عنده قدر على أن يشتري كتاباً وهو قد وسع الله عليه، ما أجملها من هدية، يذهب ويشتري لنفسه ولزميله كتاباً ثم يقول لزميله: خذ هذا، هذا هدية مني لك. انظروا يا إخوان إلى الأثر الذي يتركه مثل هذا الفعل، طالب العلم يتعلم الإيثار ويترك الاستئثار. طيب، ما هو الفرق بينهما؟ الفرق بين الإيثار وبين الاستئثار، والقاعدة عند أهل العربية أن الاختلاف في المبنى يدل على اختلاف في المعنى. فمن يأتي بالاختلاف يا أبا محمد؟ عندك إيثار واستئثار، أولاً هل بينهما فرق؟ الجواب: نعم، فما هو الإيثار؟ زد أو أعد: الإيثار يعني تعطي الغير، أو قل: الإيثار يعني تقدم غيرك على نفسك. جئنا عند برادة الماء مثلاً، فقد يقدم الأخ غيره: تفضل، هذا إيثار. سكب ماء، قال: تفضل اشرب، هذا إيثار. عند دورات المياه يجتمع عند كل باب اثنان ثلاثة، طيب أنت عندك الدور، ترى واحد ماسك على بطنه، ما معنى «ماسك على بطنه»؟ أي نعم، مستعجل وتضايق، أنت عندك الدور، الحق لك أن تدخل أولاً، لكن هنا يأتي الإيثار يا إخوان: تفضل، كأنك مستعجل، تفضل. ترى إنساناً أكبر منك سناً: تفضل يا عم. ترى إنساناً غريباً ضيفاً أتى وأنت من أهل المركز، هنا يأتي الإيثار: تفضل، فيرى الناس أخلاق وآداب طلاب العلم. طيب، والإيثار أو الاستئثار، يا أكاشة، الاستئثار هذا الإيثار: تقدم غيرك على نفسك وإن كان الحق لك. «إنكم ستجدون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم». طيب، ما هو الاستئثار؟ السين هنا سين الطلب، فماذا استئثار؟ يعني الإنسان يحرص على من؟ على غيره أو على نفسه؟ في الاستئثار على غيره يعني يقدم غيره على نفسه؟ لا، بل نفسه أحسن. إذن الاستئثار هو أن يكون هم الإنسان نفسه ولا يبالي بغيره، وهذا يا إخوان ليست من آداب طلب العلم، ولهذا الإنسان الأناني، يعني الذي همه نفسه، هذا مذموم ومبغوض في المجتمعات. قال: «وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن»، يضربون أولادهم على اللحن، يعني إذا أخطأوا في الكلام أو في الكتابة، هذا يا إخوان ليس في زمننا هذا ممكن، في زمن الصحابة والتابعين فمن بعدهم أهل العربية الصحيحة، أما اليوم نحن أحوج إلى أن نلحق أبناءنا في دراسة اللغة. قال: «وأسند الخطيب»، أي أبو بكر البغدادي، «عن الرحبي قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحان فكتب عن اللحن لحان آخر، قال: صار الحديث بالفارسية»، كيف بالفارسية؟ يعني كأنه كلام أعجمي، الأول يكتب ويلحن، يأخذ هذا اللحن شخص آخر ويلحن، يصل إلى الثالث والرابع كلام غير مفهوم. قال: «وأنشد المبرد وهو من أئمة اللغة: أن نحواً يبسط من لسان الألكن، والمرء تكرمه إذا لم يلحن، فإذا أردت من العلوم أجلها فأجلها منها مقيم الألسن، مقيم الألسن». ونبه الشيخ بكر رحمه الله على أن المقصود بأجل العلوم هنا «مقيم الألسن»، يعني المقصود به علوم الآلة، وإلا فأجل العلوم هو علم التوحيد والعقيدة، وهكذا علم القرآن والسنة. قال: «وعليه فلا تحفل بقول القاسم بن مخيمرة رحمه الله تعالى: تعلم أن نحو أوله شغل وآخره بغي»، يعني لا تهتم بهذا، هذا كلام غير صحيح، قال: «أوله شغل وآخره بغي» يشير إلى الأمثال النحوية: ضرب زيد عمراً، قتل سعيد خالداً، يعني آخره بغي، هذا يرجع إلى الأمثلة والشواهد النحوية. قال: «ولَا بِقَوْلِ بِشْرِ الْحَافِي» رحمه الله تعالى، أحد الزهاد العباد المعروفين، قال: لما قيل له: تعلم النحو، قال: أضل. قال: قل: ضرب زيد عمراً. قال بشر: يا أخي، لما ضربه؟ لما ضربه؟ قال: يا أبا نصر، ما ضربه، وإنما هذا أصل موضوع، يعني العرب وضعت مثل هذا من أجل البيان والإيضاح والتعليم. فقال بشر: هذا أوله كذب، تعلم النحو وأول ما يتعلم الإنسان النحو كذب، لا حاجة لي فيه. هذا يا إخوان غير صحيح، وإنما المقصود بهذه الأمثلة البيان والتوضيح، كما يقال في الفرائض مثلاً: هلك هالك عن كذا وكذا، وقد يكون ليس هناك شخص هلك عن ذلك. رواهما الخطيب في «اقتضاء العلم العمل»، وهكذا للخطيب كتابه الجامع فيه آداب، وفيه كذلك أيضاً تنبيهات على مثل هذا. فخلاصة ما يذكر هو أن طالب العلم على وجه الخصوص ينبغي أن يجتنب اللحن في الكتابة أو في الكلام، ويحرص على الاهتمام والعناية بتعلم علوم العربية. أسأل المولى عز وجل أن يوفقنا لكل خير وأن يصرف عنا كل شر وضر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.