الدرس في شرح كتاب الصلاة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل المؤلف باب صلاة التطوع بصلاة الكسوف لكونها من أوكد النوافل، معرفاً إياها بأنها صلاة مخصوصة تُشرع عند كسوف الشمس أو القمر تذكيراً بيوم القيامة وتخويفاً للعباد، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات، ونفى الاعتقاد الجاهلي بأنها تحدث لموت عظيم أو حياته.
صلاة الكسوف سنة مؤكدة وليست فريضة، وتصلى ركعتين في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجدتان، مع إطالة الإمام في القراءة والركوع مراعاةً لحال المصلين.
تجوز إطالة صلاة الكسوف لطلبة العلم، وتكون القراءة فيها جهراً سواء في كسوف الشمس أو القمر، ويبدأ وقتها بظهور الكسوف وينتهي بانجلائه، مع الاعتماد على الرؤية الشرعية لا على حسابات الفلكيين كما ورد في حديث المغيرة بن شعبة.
يتناول المقطع بداية حديث عن تقدير مواقيت الصلاة في حال وجود الغيم الذي يحجب الشمس، ويبدو النص ناقصاً ويحتاج إلى تتمة لبيان الحكم الشرعي التفصيلي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «باب صلاة التطوع، وأكدها صلاة الكسوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها، وتصح على صفة حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف في قراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات» متفق عليه. هذا الفصل عقده المؤلف لبيان صلاة التطوع، يعني الصلوات التي هي من غير الفريضة، فمنها صلاة الكسوف، ومنها صلاة الوتر، ومنها صلاة الاستسقاء، ومنها صلاة الجمعة، ومنها كذلك السنن الرواتب، ومنها صلاة الضحى. هذه كلها تعد من التطوع، والتطوع المراد به غير الفريضة. فبدأ بصلاة الكسوف. وصلاة الكسوف شرعًا: صلاة تؤدى بكيفية مخصوصة عند ظلمة أحد النيرين، الشمس أو القمر، أو بعضهما. فإذا حدث شيء في الشمس أو القمر من ظلمة، من ذهاب ضوء كليًا أو جزئيًا، يشرع في هذه الحال صلاة تسمى بصلاة الكسوف. والحكمة منها الرجوع إلى الله والتوبة والاستغفار؛ لأن هذه الآية تذكر بقيام الساعة، وتذكر بقرب قيام الساعة. أيضًا هذه الآية فيها تخويف لنا، كما قال الله عز وجل: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما انخسفت الشمس في عهده عليه الصلاة والسلام، في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم: كان العرب عندهم اعتقاد أن الشمس والقمر لا تنخسف إلا لموت عظيم، يعني إنسان له منزلة في المجتمع، وهذا اعتقاد فاسد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما تحدث الناس أن الشمس انخسفت لموت إبراهيم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنخسف لموت أحد ولا لحياته، وإنما هي آية يخوف الله بها عباده». فهذا فيه دليل على الحكمة من هذه الصلاة. وكيفية هذه الصلاة: أولاً، قبل كيفية حكمها عند جمهور أهل العلم كما ذكر أنها سنة مؤكدة. واستدلوا على تأكيدها بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابي لما قال له: «عليك خمس صلوات في كل يوم وليلة»، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». فلم يذكر من الصلوات شيء فريضة غير هذه الخمس. ولذلك جمهور أهل العلم يرون أن أي صلاة من غير الفرائض الخمس ليست بفريضة، بمعنى عينية على كل فرد. فاستدلوا بالحديث المتقدم على سنية صلاة الاستسقاء، وسنية صلاة الكسوف، وسنية صلاة العيد، سنية كل هذه الصلوات عند جمهور أهل العلم أنها سنة، وليست بفرض عين. والخلاصة في كيفية هذه الصلاة كما وردت بها الأحاديث: ركعتان، في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجدتان. هذا باختصار: هما ركعتان، في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجدتان. معنى هذا الكلام: تقوم الآن تصلي كالصلاة العادية، تكبر، تأتي بدعاء الاستفتاح، ثم تقرأ سورة الفاتحة وتقرأ ما تيسر من القرآن. انتهيت الآن من القراءة، بعد الفاتحة تركع، وتسبح في الركوع، وكان صلى الله عليه وسلم يطيل في الركوع وفي القراءة أيضًا. ثم ترفع قائلًا: سمع الله لمن حمده. الصلاة العادية تنزل إلى السجود، لكن هذه الصلاة لا تنزل إلى السجود، بل تجعل قيامًا آخر، تقرأ الفاتحة، ثم تقرأ القرآن، ثم تركع. إذا قمت من الركوع خلصت هذه الركعة، بقي فقط سجدتان كسجدتي الصلاة، السجود على ما هو عليه. وتفعل في الركعة الثانية مثل ما فعلت في الركعة الأولى. هذه هي كيفية صلاة الكسوف أو الخسوف: الصلاة عبارة عن ركعتين، في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجدتان. نأخذ بعض مسائل هذه الصلاة التي يحتاجها المسلم: **من مسائل هذه الصلاة: كيفية القراءة** القراءة في هذه الصلاة تكون طويلة، لكن الإمام يراعي حال الناس؛ إذا كانت تشق عليهم القراءة الطويلة جدًا، يختصر ويقتصر على ما يطيقون. وإن كان طلبة علم شباب يتحملون، فلا بأس أن تطول، ولو كان الركوع الواحد ربع ساعة أو عشرين دقيقة أو نصف ساعة، فلا بأس. وتكون القراءة جهرًا، سواء كان الكسوف كسوف القمر وقع في الليل، أو كسوف الشمس وقع في النهار، فتكون القراءة جهرية؛ لحديث عائشة في صفة هذه الصلاة الذي ذكره المؤلف: «جهر في صلاة الكسوف في قراءته». **مسألة أخرى: وقت صلاة الكسوف** ابتداء وقت صلاة الكسوف من وقت ظهور الكسوف، أول ما يظهر الكسوف فيشرع الابتداء في الصلاة. لو تأخر قليلاً من أجل اجتماع الناس فلا بأس. وأما انتهاء وقت صلاة الكسوف فتكون بانتهاء زواله، يعني بانتهاء زوال الكسوف. إذا انتهى الكسوف ورجع الشمس أو القمر إلى حالته الطبيعية، فهنا ينتهي وقت الكسوف. والدليل على ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في الصحيحين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتموها فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي». ومعنى «حتى ينجلي» يعني حتى يزول. وقوله: «فإذا رأيتموها»؛ هنا مسألة عصرية ينبغي التنبيه عليها: أنه لا يعتمد في ابتداء الصلاة أو في انتهائها على أقوال الفلكيين. الآن في هذا الزمان أهل الفلك ينبئون عن حدوث الكسوف أو الخسوف قبل وقوعه ربما بأيام: في يوم كذا وكذا سيحصل الكسوف للقمر، يبدأ من الساعة التاسعة وينتهي للساعة الثانية عشرة. فهل في هذا اليوم في الساعة التاسعة نقوم ونصلي؟ لا، لا عبرة بأقوال الفلكيين؛ لأن الشرع قيد الصلاة ابتداءً وانتهاءً بالرؤية، مثل دخول الشهر العربي قيد الشرع ثبوته بالرؤية. قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». فلو أجمع الفلكيون أن شهر شعبان هذا سيخرج تسعة وعشرين، وأن رمضان يوم السبت، هل إذا جاء يوم السبت نصوم؟ لا بد من التحري، العبرة بالرؤية لا بأقوال الفلكيين؛ لأن البشر قد يصيبون وقد يخطئون. وكذلك في أمر الكسوف والخسوف لا يعتمد على قول الفلكيين. الحمد لله القمر تراه أمامك. لو وجد غيم وما