شرح الأصول الثلاثة 3

شرح الأصول الثلاثة 3

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية تعلم العلم الشرعي ووجوبه

يشرح أهمية تعلم العلم الشرعي ووجوبه على كل مسلم، ويبين أن العلم المراد به هو العلم الشرعي الذي يتعلق بمعرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. العلم الشرعي ليس كله في الحكم سواء، فهناك علم فرض عين وعلم فرض كفائي.

التعرف على الله ورسوله ودين الإسلام

يتحدث عن أهمية التعرف على الله ورسوله ودين الإسلام بالأدلة، وضرورة اتباع العلم بالعمل، ثم الدعوة إلى الله. يشدد على أن التقليد في الاعتقاد لا ينفع، وأن العمل هو ثمرة العلم.

الدعوة إلى الله ومسؤولية الأفراد

الدعوة إلى الله ليست مقتصرة على فئة معينة، بل هي واجب على كل فرد، وتتمثل في تعليم الناس دينهم ودعوتهم إلى توحيد الله. يجب الصبر على الأذى الذي قد يلحق بالداعي.

خاتمة ودعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر التوجه الديني والالتزام بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأما بعد، فكنا في درس أمس، إخواني في الله، عما يتعلق بمقدمة عن هذه الرسالة المباركة التي بين أيدينا، وهي ثلاثة أصول، ومن ثم عرجنا على افتتاحية المؤلف رحمه الله تعالى، حيث إنه افتتح رسالته ببسم الله الرحمن الرحيم، وذكرنا أهم المسائل المتعلقة بالبسملة، ثم قوله رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل. نبهنا على المسائل المتعلقة بقوله: اعلم، وما يراد منها، ومن هذه الدعاء أو الجملة الدعائية في قول المؤلف رحمه الله تعالى: رحمك الله. ذكرنا ما يستفاد من هذه الجملة، وأنه يدل على حسن سريرة المؤلف رحمه الله تعالى. وقوله: أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل، وهذا من بيان الحكم، حكم هذه المسائل التي سيأتي بيانها، وأن تعلمها من الواجبات، أن تعلمها من الواجبات، فلا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهلها. وقوله: يجب علينا، يعم الجميع، يعم الصغير والكبير والذكر والأنثى، وكل من كان من المكلفين، فإنه ملزم بتعلم هذه المسائل. وما هي المسائل الأربع؟ قال: الأولى العلم، وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، الثانية العمل به، الثالثة الدعوة إليه، الرابعة الصبر على الأذى فيه. قوله رحمه الله تعالى: الأولى العلم، المؤلف رحمه الله تعالى، كما قلنا قبل الدخول في صلب الموضوع، يمهد لنا بمقدمات تلو المقدمة، فهذه المقدمة الأولى تعتبر المقدمة التمهيدية للدخول إلى صلب الموضوع، وهي أنك تتعلم أربع مسائل: العلم والعمل والدعوة والصبر. قوله رحمه الله تعالى: العلم، العلم المراد به هنا هو العلم الشرعي. ويذكر العلماء فائدة هنا، أن كلمة علم إذا أطلقت، فإنها لا تذهب إلا للعلم الشرعي، ليس هناك علم يوازي أو يساوي أو يزاحم هذه الكلمة. وإلا، المفاهيم في هذه الأزمان قد تبدلت، بعض الناس إذا سمع كلمة العلم ذهب إلى العلم النظري، إلى العلم المادي، لا، تلك العلوم هي من العلوم، لكن إذا أطلقت، فإنها تقيد: علم نظري، علم مادي، علم كوني، علم جيولوجيا، علم أحياء، يقيد. لكن إذا أطلقت كلمة العلم، يقول لفلان مثلا: أطلب العلم، أو بركة العلم، إذا قيل العلم، فلا تذهب الأذهان إلا إلى العلم الشرعي، هذا هو الأصل. لهذا قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: العلم. وتعلم العلم، إخواني في الله، يعتبر من أعظم الطاعات ومن أجل القربات، بل إن دين الله جل وعلا لا يقام إلا بالعلم، لا يقام إلا بالعلم: العقيدة، المنهاج، الدعوة، السلوك، الأخلاق، الآداب، المعاملات، الطاعات، القربات، كل ذلك بالعلم. ومن عبد الله بغير علم، كما قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم، فقد أفسد أكثر مما يصلح، أفسد أكثر مما يصلح. ونحن نسن في هذا المقام بذكر تعداد فضائل العلم، فإن العلم له فضائل عديدة ومناقب كثيرة، كفاه شرفا ونبلة أن الله جل وعلا لم يطلب من نبيه أن يسأله المزيد في شيء إلا في العلم، وقل ربي زدني علما، وقل ربي زدني علما. فبالعلم يا عبد الله ترتفع الدرجات، بالعلم يا عبد الله تزيد لك الحسنات، بالعلم يا عبد الله تعبد الله جل وعلا على بصيرة. والمؤلف هنا رحمه الله تعالى أراد علما مخصوصا، وهو علم من العلوم الواجبة، علم من العلوم الواجبة، حيث قال: أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل، العلم، إذن دل ذلك على أن العلم هنا، وهذه مسألة ينبغي أن تتنبه لها الأذهان والنفوس والقلوب قبل ذلك، أن مسألة العلم الشرعي، إخواني في الله، ليس كله في الحكم سواء. تجد أن كثيرا من الناس، وخاصة العامة، يرون أن مسألة العلم هي من فضائل الأعمال، من فضائل الأعمال، من المندوبات، إن تعلم فحسن، وإن لم يتعلم فلا يضره شيء، وهذا غلط، وهذا غلط، لأن العلم يختلف، هناك من العلوم هو علم فرض عين، فرض عين يجب على كل واحد منا على حدا أن يتعلمه، واجب أن يتعلمه. وهناك من العلم هو علم فرض كفائي، إذا تعلم به البعض سقط عن الباقي، وهناك من العلم هو نافلة، وسنة، وندب. لكن ينبغي أن نعلم أن هناك من العلوم هو واجب، كما الإمام أحمد رحمه الله تعالى، عندما تكلم عن العلم، قال: أن يتعلم العلم الذي يقوم به دينه، هذا من الواجبات، أن تتعلم يا عبد الله العلم ما يقوم به دينه. فقيل للإمام أحمد: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله، كصيامه وصلاته، الذي لا يسعه جهله. أنت يا عبد الله تحتاج إلى صلاة، فإذن واجب أن تتعلم أحكام الصلاة، أنت يا عبد الله مخاطب بالطهارة، فواجب أن تتعلم الطهارة، وهكذا، كلما كان شيء من أمور الدين يتعلق بذمتك، ينبغي أن تتعلمه. مثل أنت أصبحت يا عبد الله مؤهلا للحج، وأصبحت ممن يخاطب بالحج، إذن تعلم الحج حينها سيكون عليك واجبا من الواجبات. أعطاك الله جل وعلا مالا فأردت أن تؤدي الزكاة، إذن تتعلم وجوبا أحكام الزكاة. من أعطاك الله السعة في الأرزاق فدخلت في باب البيوع والتجارة، فهنا ينبغي أن تتعلم أحكام البيوع. حتى كان عمر رضي الله تعالى عنه يذهب إلى الأسواق ومعه الدرة، ومعه العصى، ويقول: لا يبيع أحد في أسواقنا إلا من يفقه، ما يبيع أحد في أسواقنا إلا من يفقه. فالفقه والتعلم لأحكام الدين لابد، لكن حنانيك، كلما كان هناك نوع من أنواع العبادة تعلقت بذمتك، فواجب أن تتعلمها. أما أنك يا عبد الله تدخل في دين الله وأنت على جهل، تجهل أحكام الطهارة، تجهل أحكام الصلاة، وأعظم من ذلك تجهل أحكام الدين، فهذا من الطوام العظيمة. فقال رحمه الله تعالى: الأولى العلم، إذن أراد المؤلف رحمه الله تعالى وجوبا أن تتعلم العلم الشرعي. طيب، ما يتعلق بالعلم الشرعي الواجب، كثيرا ما الذي يريده المؤلف رحمه الله تعالى من أنواع العلوم؟ والضحف رحمه الله تعالى بتكميل العبارة، قال: العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، إذن هذا الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى، الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى وجوبا أن تتعلمه. عليك أن تعتقد أنه من الواجبات الذي في ذمتك أن تتعلم يا عبد الله العلم الشرعي، وهو الذي يتعلق بمعرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. وسيأتي إن شاء الله فقرات هذه كل مسألة على حدة. لكن قوله رحمه الله تعالى: معرفة الله، ينبغي أن نتعرف إلى الله جل وعلا. وقال علماء: التعرف على الله جل في علام يكون؟ بالنظر إلى الأدلة الشرعية، وما يسمى بالسمعيات، النظر في القرآن، النظر في السنة، فإنها تعرفك بالله جل وعلا في ربوبيته، في ألوهيته، بأسمائه وصفاته، كل ذلك مبثوث موجود في كتاب الله، عن طريق الكتاب والسنة تتعرف على رب العالمين. وهكذا كذلك بالأدلة الكونية، بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، وما بث فيها ربنا جل وعلا من كائنات ومخلوقات، كل ذلك يدلك على الله سبحانه وتعالى. فالنظر في الكون، النظر في المخلوقات، النظر في آلاء الله جل وعلا، تعرفك بالله سبحانه وتعالى. وأيضا التعرف على نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو واجب من الواجبات، فهو الواسطة بيننا وبين الله جل وعلا في تبليغ دين الله جل وعلا. التعرف على نبينا عليه الصلاة والسلام. ويقول علماء: المقصود بالتعرف هاهنا هو التعرف الذي يثمر الانقياد والاستجابة لدعوته عليه الصلاة والسلام، هذا الذي مطلوب من المعرفة، أن تتعرف على نبيك عليه الصلاة والسلام، المعرفة التي تجرك للإيمان به، ولما جاء به من الهدى. أما أنك تتعرف المعرفة الشخصية، فهذا لا ينفع، كون تتعرف على نبينا معرفة شخصية، لا تؤثر عليك في دين، ولا في معرفة، فهذا لا ينفعك. كفار قريش كانوا من أثبت الناس في نبينا عليه الصلاة والسلام، يعرفون مدخله، يعرفون مخرجه، يعرفون حسبه وأصله ونسبه، ومع ذلك ما نفعهم تلكم المعرفة. اليهود قاتلهم الله من أشد الناس معرفة بنبينا عليه الصلاة والسلام، الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن هل هذه معرفة أثمرت بشيء؟ لم تثمر، ولهذا ما نفعتهم هذه المعرفة. فالمقصود بقول المؤلف رحمه الله تعالى: معرفة النبي عليه الصلاة والسلام، أي المعرفة التي تأتي بالإيمان والانقياد بما جاء به عليه الصلاة والسلام. وهكذا معرفة دين الإسلام، نتعرف إخواني في الله على هذا الدين بما جاء به ربنا جل وعلا، فيه من عقائد وإرشادات وعبادات ومعاملات، وما هي يا عبد الله محاسن الشريعة التي تبهج العقول وتثلج الصدور، ولتدل على أنها من صنعة الله جل وعلا العليم الخبير جل في علاه. قال رحمه الله تعالى: بالأدلة. والأدلة جمع دليل، والدليل هو كل ما يوصل إلى المطلوب، الدليل هو كل ما يوصل إلى المطلوب. فالمؤلف رحمه الله تعالى نبه على مسألة مهمة، وهو كونه يأمرك أنك تتعرف على الله وعلى نبيه وعلى دين الإسلام، ينبغي أن تكون هذه المعرفة بالأدلة، بالنظر إلى الأدلة. أنك تنظر في الأدلة. وأشباه الشراح لهذه العبارة، وأن ذلك من المؤلف رحمه الله تعالى بضرورة ترك التقليد، وأن التقليد في باب الاعتقاد لا ينفع، التقليد في باب الاعتقاد لا ينفع، وهذا مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، على أن التقليد في باب المعتقد لا ينفع. وإنما عليك يا عبد الله أن تعرف الله جل وعلا بالأدلة، وأن تعرف نبيك عليه الصلاة والسلام بالأدلة. واستدل ما استدل بوجوب معرفة وترك تقليد في هذا الباب، وأن التقليد ما ينفع، بأدلة عامة وخاصة، من ذلك قول ربنا جل وعلا: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، أمرك ربك جل وعلا بالعلم، وذلك بالنظر، بالاجتهاد، ليس بالتقليد. وأيضا استدلوا بما جاء في حديث البراء بن عازب في قصة الموتى وهم في قبورهم، عندما يأتيك الملكان منكر ونكير، على القول المأثور في اسميهما، أنهم إذا سألوا المنافق أو الكافر: ماذا يقول؟ من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ يقول: هاه هاه لا أدري، لكني سمعت الناس يقولون قولا فقلته، تقليدا، سمعت الناس يقولون قولا فقلته، فعذا لم ينفعه ذلك، لم ينفعه ذلك. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: بالأدلة، أي بوجوب التعلم، وأن التقليد في مثل هذه المسائل العقدية والغيبية ينبغي أن يصاحب بالبحث والنظر. وكذلك اتباع الدليل في هذا الباب، وهذه المسائل إن شاء الله ستأتينا في صلب الموضوع. هذه الأولى، الثانية قال: العمل. العمل يا عبد الله يتبع العلم، بعدما أن تتعلم، تتعرف على الله، على دين الله، على رسول الله عليه الصلاة والسلام، تتعرف على دين الإسلامي، ما الذي ينبغي بعد ذلك؟ هل الأمر يقف يا عبد الله إلى معلومات تجعلها في ذهنك، إلى مسائل تجعلها في صدرك فحسب؟ لا يا عبد الله. العلماء يقولون: العمل هو ثمرة العلم، العمل هو ثمرة العلم. ويشبهون ذلك بشجرة، قالوا: الشجرة هي العلم، وثمارها هو العمل، ثمارها هو العمل. ومن الأخطاء الكثيرة الفادح عند الناس، وخاصة ما يبتل به الكثير من أدعياء العلم في هذه الأزمان، أنهم لربما يستزيدون علما، لكنهم لا يحصلون عملا، وهذا من الأخطاء الفادحة. بل لابد يا عبد الله من إتباع العلم بالعمل. ولهذا كثير ما يذكر ربنا جل وعلا المقارنة بين الأمرين، قال سبحانه: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، الإيمان بمنزلة العلم، وعمل الصالح بمنزلة العمل، لابد أنك تؤمن تعلم، وبعد ذلك تتبع العلم بالعمل. وثبت كذلك فيما جاء من حديث بن مسعود، وعقبة بن الحارث، في قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وفي رواية: «عن خمس»، ومن هذه الأسئلة تسأل عنها يا عبد الله: وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ فكلنا يا عبد الله سنسأل عن علومنا، عن المعلومات. فليس يا عبد الله تجد أن الحسن في تكديس العلم من غير معرفة، من غير عمل، من غير تطبيق. وعالم لم يعمل بعلمه، معذب من قبل عباد الوثن. ولا يخفاكم عباد الله حديث: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة أناس»، نعم تزودوا بالعلم، لكنهم نابذوا العمل، وتركوا العمل. فعلينا عباد الله أن نحرص على العمل بكل ما نتعلمه، نحرص على العمل بكل ما نتعلمه. حتى قال مالك القلاسي -أو قيس بن عمر الملائي- رحمه الله تعالى: قال: «إذا بلغك باب من أبواب الخير فاعمل به ولو مرة تكون من أهله»، باب من أبواب الخير اعمل به، اعمل به يا عبد الله ولو مرة تكون من أهله، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد التثبيت وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما وهديناهم صراطا مستقيما﴾، فينبأ إخواني في الله أن نحرص على أن نعمل بكل ما نعمل. ثم قال رحمه الله تعالى: الثالثة الدعوة إليه. بعدما نتعلم العلم الشرعي، من واجبات، من طاعات، من فروض كفائية، فروض عينية، مسائل العقيدة، مسائل التوحيد، معرفة الدين، معرفة الرسول، بعد ذلك نعمل بما يوجب هذا العلم، نعمل به، وبعد ذلك عليك يا عبد الله أنك تسعى إلى بث هذا الخير إلى كافة الناس، إلى كافة الناس. وعلى هذا كان دعوة الأنبياء والرسل، ﴿إن أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾، فينبغي يا عبد الله أن ندعو، أن ندعو الناس إلى دين الله، ندعو الناس إلى ما قد عملناه وما علمناه، ندعو الناس إلى كل ما نعرف عن دين الله عز وجل. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام هذا بابه، وهكذا كان عليه أصحابه، كان يأمرهم ويدعوهم. حديث معاذ في الصحيحين، قال: «يا معاذ، إنك تأتي قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه، أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله»، أمره بالدعوة إلى الله جل وعلا، أمره بالدعوة إلى توحيد الله جل وعلا. وأن نعلم إخواني في الله، وهذا قد مر معنا في دروس سابقة، ولا بأس بإعادة التنبيه، ولو إشارة، أن مضمار الدعوة ليس يختص يا عبد الله بالمساجد، ليس يختص بالصعود على المنابر، أو جلوس على الكراسي، أو أنك يكون في درس عام، أو درس خاص، كل هذا دعوة، وذاك دعوة، وذاك دعوة. ومن الدعوة إلى الله، جاء يا عبد الله: تربية الأطفال في حلقات القرآن، من باب الدعوة، الدعوة الفردية يا عبد الله، كونك تذهب إلى من تحب، في منشأتك، في وظيفتك، في عملك، في مدرستك، في بركة، في بحرك، في محيط، أسرتك، بين أهلك، بين عيالك، هذا يعتبر كذلك من الدعوة. وليست الدعوة كذلك تتعلق بفئة معينة من الناس، على المشائخ، أو على الدعاة، أو على طلاب العلم، بل يا عبد الله الكل داع، الكل يدعو إلى دين الله، هذه وظيفة الجميع، الأمة، ليست مختصة لأحد دون أحد. قد مر معنا كيف أن الحيوانات، وحتى الحشرات، كنا داع، كنا داع، يدعون إلى الله جل وعلا. عندما رأت الخطر قائمة على قومها، من قبل جند سليمان، قامت: ﴿يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾، داعية تدعو إلى قومها. الجن عندما سمعوا القرآن ذهبوا إلى قومهم منذرين، داعين إلى الله جل وعلا. الكل يدعو يا عبد الله، تدعو في بيتك، تدعو في نفسك، تدعو في خاصة أهلك، تدعو في عملك، الكل يدعو، ليس دعوة حكر لأحد. قصة في سورة يس، في قصة الثلاثة الذين ابتلوا بقوم أشقياء، بقوم أشقياء، بقوم أصحاب عناد وشقاء، عندما كفروا بالنبي الأول، والرسول الثاني، والرسول الثالث، ما بقى ربنا جل وعلا قال: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى﴾، أين جاء؟ من أقصى المدينة، وكيف جاء؟ جاء يسعى، من هذا؟ هل هو نبي؟ ليس بنبي، من هو؟ قال علماء، راجعوا كتب التفسير، قال: من قام العلماء أن هذا كان نجارا، كان نجار، ومع ذلك نصب نفسه داعية، يدعو إلى الله جل وعلا، يدافع، ينافع عن دعوة الأنبياء، يدافع عن عرض الأنبياء. وهكذا فلنكن جميعا عباد الله، الدعوة إلى الله. الأسف، متى ما طرقت، متى ما ذكرت، كثير من الناس تنصل منها، تنصل منها، قالوا: الدعوة هذا خاصة للمساجد، الدعوة خاصة لطلاب العلم، الدعوة هذا متعلقة بالمشائخ. وأصبح الغالب على الأمة من يتبرم، من يتهرب من هذه الوظيفة، لا يا عبد الله، هذه من أعظم الوظائف التي انتدب لها الرب جل وعلا جميع الخلق. ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين؟ فإذا قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: الدعوة إليه. وتأمل في أول عنوان: يجب علينا، أي على الجميع، تعلم أربع مسائل: العلم على الكل، والعمل على الكل، والدعوة كذلك على الكل، الكل يدعو يا عبد الله، بما يصطيع، أنت في بيتك، أنت في أهلك، أنت بين أولادك، تدعو يا الله جل وعلا، تأمر بالمعروف، تنهى عن المنكر، ترشد إلى توحيد الله جل وعلا. إن رأيت مظهرا من مظاهر الشركيات في أهلك: التمائم، الرقى، التعلقات بغير الله، حاول يا عبد الله أن تمحيها، فإن ذلك مما يتعلق بالذمة. ثم قال رحمه الله تعالى: الرابعة الصبر على الأذى فيه. الصبر على الأذى فيه. وانظر إلى فقه المؤلف رحمه الله تعالى، كأنه مستيقن، مستيقن أنك إذا خطوت هذه الخطوات الثلاث، أنه سيأتيك أذى، بعدما تتعلم، وبعدما تعمل، وبعدما تدعو، سيأتيك أذى، لا محالة، ولهذا ماذا قال؟ قال: والصبر على الأذى فيه، إذن علم المؤلف رحمه الله تعالى أن من خطى هذه الخطوات سيأتيه الأذى، شئت أم أبيت، يأتيك الأذى. ولهذا كان لابد من دفع الأذى بماذا؟ بالصبر، الصبر يا عبد الله على دين الله، الصبر على العلم، الصبر على العمل، الصبر يا الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لا يتيسر يا عبد الله، فلا تظن أن هذه الطريق مفروشة بالورود، أو الرياحين، لا يا عبد الله، بل فيها النصب، فيها التعب، فيها الضنك. ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾، إذا كان هذا في حول من قال: آمنا، ومع ذلك سيفتتن، فكيف بالذي يقول: آمنا ويعمل، كيف بالذي يقول: آمنا ويعمل ويدعو؟ فإنه لا شك يا عبد الله أنه سيبتل في دين الله أشد البلاء. الصبر صبر يا عبد الله، فالصبر هو مفتاح الفرج، واعلم أن النصر مع الصبر، ومن صبر فإن الله يجعل له العاقبة الحميدة. ﴿واصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾، قاعدة ربانية، آية عظيمة قرآنية. والله ما وقع الاستخفاف ما وقع الاستخفاف في شيء من الجماعات، في شيء من الدعوات، في شيء من الأقوام، إلا لما قل صبرهم. جماعة من الجماعات، لو ربما تعبت من الصبر، إلى متى نصبر على دين الله؟ فانفلت الأمر، فأصبحت تميع، تغير، تبدل في دين الله جل وعلا، تدخل في التساهلات، في التنازلات، في الأعذار الغير شرعية المبيحة لإحلال بعض المحرمات، المبيحة لترك بعض الواجبات. لما ترى في حق هذه الجماعة ترك الصبر، أصبحت معلّة سخرية واستخفاف من الذين لا يقنون. كم تجد من الكفار من يتلاعب أمثال هذه الجماعات، يجعلها عوبة، يظهرها هنا ويخفيها هنا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿واصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾، فاصبر يا عبد الله على دين الله، كن على ثبات، فإنك تكون كالصخرة الذي لا يمكن لأحد أن يثنيك عن عزمك، أو يثنيك عن دينك. فهذه إخواني في الله أهم المسائل الأربع التي أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يدلل عليها: العلم والعمل، والدعوة، ثم الصبر على الأذى فيه. وأما ما يتعلق بسبب اختيار المؤلف لهذه الأمور الأربع، وأنها من صميم الدين، ومن الواجبات، هذا ما سيأتينا في الاستدلال الذي يذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة، وذلك في درس غد، يذكره بإذن الله. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.