الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المشركون أقرّوا بتوحيد الربوبية لكنهم أشركوا في توحيد الألوهية والمحبة، وقد قسم العلماء الشرك في الألوهية إلى أقسام متعددة.
يتحقق شرك الطاعة باتباع الناس لأحبارهم ورهبانهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ويعد هذا الشرك عبادة لغير الله.
توحيد الربوبية لا يكفي لدخول الإسلام، بل يجب توحيد العبادة أيضا، فمن صرف العبادة لغير الله فهو مشرك.
دعاء غير الله يعتبر شركا، ومحاولة تبرير ذلك بأنها مجاز عقلي باطلة، ومن يدعو غير الله يعتبر كافرا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فأخذنا قول المؤلف: لا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقرّوا بأنه سبحانه وحده خالقهم، مخلص السماوات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، كما في قول جل وعلا: ﴿ومن يدبر الأمر فسيقولون الله﴾، فهم مقرون بالربوبية، لكن أشركوا في بعضها، ما هو معلوم في الضر والنفع. لكن الإلهية لم ينكروها، وإنما أنكروا توحيد الألوهية ولم يعملوا به وخالفوه. وإنما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة، والمحبة هنا من توحيد الألوهية؛ لأنها من باب التعظيم، فهي من الألوهية. قد قسم الشيخ حمد بن عبد الوهاب أن الشرك في الألوهية على أربعة أقسام، ومنها معنى شرك الطاعة، وشرك المحبة، وشرك الدعوة. وشرك الإرادة والقصد والنية. ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله أيضا، هذه الأربعة الأقسام أقسام الشرك في الألوهية. فقال: وإنما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة، كما قد حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. وهذه الآية فسرت بتفسيرين؛ ففسرت بأن «والذين آمنوا أشد حبا لله» أي من أهل الأصنام لأصنامهم، فعنى محبة أهل الأصنام لأصنامهم. وفسرت «والذين آمنوا أشد حبا لله» أي من أهل الأصنام لمحبتهم لله، فعنى أنهم يحبون الله، لكنهم يشركون معه غيره في المحبة. وأهل التوحيد وأهل الإيمان يحبونه أشد منهم، فالآية تحتمل التفسيرين معا. قال: فلما سووا غيره به في هذا التوحيد كانوا مشركين، كما قال الله تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾، يعدلون أي يشركون، ويميلون عن التوحيد. قال: وقد علم الله سبحانه وتعالى عباده كيف مباينة أهل الشرك في توحيد الإلهية، وأنه تعالى حقيق بإفراده وليا وحكما وربا، فقال: ﴿قل أغير الله أتخذ وليا﴾، وقال: ﴿أفغير الله أبتغي حكما﴾، وقال: ﴿قل أغير الله أبغي ربا﴾، فلا ولي ولا حكم ولا رب إلا الله، الذي من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيته. فلا ولي «النصير»، ولا حكم أي الذي يحكم الأشياء، سواء كان حكم شرعي أو حكم قدري. ﴿أفغير الله أبتغي حكما﴾، فهو الحكم جل وعلا. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الحكم، الله هو الحكم». فمن اعتقد أن غيره يحكم وله الأمر وله التدبير، فهذا مشرك. وقال: ﴿قل أغير الله أبغي ربا﴾؛ لأنه هو الرب جل وعلا الذي ربى مخلوقاته بنعم. فمن عدل عن هذا وجعل له ربا غير الله، كما قال الله عز وجل عن اليهود والنصارى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾. وهؤلاء اتخذوهم أربابا؛ لأنهم أطاعوهم في معصية الله، أطاعوهم فيما أحل الله أو حرّموا ما حل الله عز وجل لهم، فاتبعوهم وحرموا ما حل الله وحللوا ما حرم الله، فاتبعوهم. كما جاء في حديث عدي لما قال: «ما عبدناهم يا رسول الله؟ قال: أليس يحلون لكم الحرام فتتبعونهم، ويحرمون لكم الحلال فتتبعونهم؟ قال: بلى، قال: تلك عبادتهم إياهم». هذه العبادة، وإن كان كما ذكرنا قبل أن حديث عدي فيه ضعف، لكن معناه صحيح. فالمراد بها شرك الطاعة، وشرك الطاعة معناه أن يتبع من يطاع في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما حل الله. كما قال الله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. وإن أطعتموهم أي في تحليل الحرام؛ لأن هذه الآية نزلت في الميتة. المشركون قالوا للمسلمين: كيف تأكلون ما ذبحتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ فوقع في قلوب بعض المسلمين هذا الأمر، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾؛ لأن هذه الميتة لم يذكر اسم الله عز وجل عليها ماتت. وأما هذه قد ذكرتم اسم الله، فاسم الله عز وجل أحل لكم أن تأكلوا هذه البهيمة. فقال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. فلهذا فهم يشركون في هذه الأمور، يشركون في الحق، يشركون في النصرة، يطلبونها من غير الله، ويشركون أيضا كذلك في الطاعة. اتخذوا أحبارهم ورهبانا أربابا من دون الله، والمسيح ابن مريم، ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا﴾، دل على أن من اتخذ ربا من دون الله اتخذ إلها فأشرك في الطاعة، فهو اتخذ غير الله عز وجل إلها، فعبده وأصرف له العبادة؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا﴾. قال: فلهذا قال: وتوحيد الله هي مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين. ولو وحد ربوبيته، لو وحد توحيد ربوبية لا ينفعه؛ حتى لم يعتقد مثلا الضر والنفع في غير الله جل وعلا، لكن صرف العبادة لغير الله، سجد لغير الله، سجد لصنم، سجد لكذا، معنى يعتقد السجود له، ويصرف العبادة لغير الله، ويعتقد أن هذا تقرب إلى الله، لا يعتقد أن فيه النفع والضر، هذا أيضا يعتبر مشركا. سوى كان اعتقد النفع والضر أو لم يعتقد، ما دام أنه يصرف العبادة لغير الله فهو شرك. ومعنى ذلك أنه يعتقد أن هذا يجوز له العبادة وأنه يستحق العبادة، فهذا شرك وحده، سوى كان اعتقد الضر فيه والنفع أو لم يعتقد، أو اعتقد الضر والنفع فيه بإذن الله، وكل ذلك شرك من الله، ما دام أنه يصرف العبادة لغير الله. وهذا الذي فيه نزاع بين بعض الفرق وبعض أيضا كذلك أهل الأهواء. ومعنى خالفوا في هذا بل بعض الإخوان المسلمين وغيرهم ممن لم يفهم أمر التوحيد، فظن أن من لم يعتقد في أحد من الناس أفعال الربوبية فإنه يكون مسلما ولو عبد غيره، ولو عبد غير الله، فيكون موحدا؛ لأن عندهم الأصل هو توحيد الربوبية. وهذا قول الأشاعرة وكثير من أهل التصوف، فيظنون أن من لم يعتقد النفع والضر أو لم يعتقد أفعال الربوبية في غير الله فإنه يكون مسلما ويكون موحدا، ولو صرف العبادة لغير الله، لو دعا غير الله، لو استغاث بغير الله، لكنه لا يعتقد النفع والضر، فيقولون هذا ليس بمشرك. وهذا كلام باطل؛ لأن استغاثته بغير الله تعتبر شركا، حتى في الربوبية. الآن كثير من هؤلاء الذين من أهل القبور وغيرهم الذين وجدوا أن الأدلة ضدهم ولم يستطيعوا أن يحرفوا الأدلة، فقاموا قالوا: هذا من المجاز، من المجاز اللفظي، أو قالوا: من المجاز العقلي. الذي يقول مثلا: يا فلان، يا عيدروس، يا كذا. غار يا عيدروس، أو مثلا جاء غرق في البحر يقول: يا محضار، يا فلان. قالوا: هذا ليس بمشرك، لماذا؟ لأنه هو ما ينادي غير الله، وإنما نادى هذا الولي لأجل أن يتوسل عند الله. أنا هذه مناداه ليس لأجل الولي، وإنما لأجل أن يتوسل لهذا الشخص عند الله. يقولون: نحن أهل ذنوب ومعاص، لابد أن نجعل واسطة بيننا وبين الله. وهذا هو الذي كان، أو هذا دين المشركين. هذا دين المشركين. لهذا قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه: «ومن جعل وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويستغيث بهم فقد كفر إجماعا». هذا يعتبر مشركا كافرا، الذي يعتقد أو الذي يدعو غير الله ويستغيث به. وأما هذه الأضحوكة التي جاءوا بها، وأن هذا مجاز عقلي، هذا باطل.