الدرس في شرح كتاب صفة وضوء النبي ﷺ 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتم تعريف الوضوء لغة وشرعا، ويُبين منهج الكتاب في شرح الوضوء مستندا إلى الأحاديث الصحيحة وترتيب وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. يُوضح أن الوضوء لغة يعني النظافة والبهجة، وشرعا يعني استعمال ماء طهور على أعضاء مخصوصة.
يناقش مشروعية الوضوء من خلال الأدلة من القرآن والسنة النبوية، ويستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية على وجوب الوضوء للصلاة. يُبين أن العلماء أجمعوا على عدم صحة الصلاة بدون طهارة.
يشرح أحاديث نبوية تتعلق بفضائل الوضوء، حيث يُذكر أن الوضوء يمحو الخطايا ويرفع الدرجات، ويكون نورًا يوم القيامة يعرف به النبي أمته. يُفصّل في معنى محو الخطايا ورفع الدرجات، ويُبين أن الوضوء كان موجودًا في الأمم السابقة.
يناقش خصوصية وضوء الأمة الإسلامية مقارنةً مع الأمم السابقة، ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته بالنور الذي يظهر على أجسادهم نتيجة الوضوء. يُبين أن الوضوء يكون حليتهم يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن لا شاء الله تعالى نبدأ في هذا الكتاب، وهو صفة الوضوء، للشيخ فهد بن عبد الرحمن الدوسري، المعروف بأبي جاسم الدوسري. وهذا الكتاب مختصر في الوضوء، وقد جاء بما دلت عليه الأحاديث والآيات. فلهذا فهو مختصر لمسائل الوضوء. فإن شاء الله تعالى ندرسه في هذه الفترة. ولأن هذا الكتاب لم يخدم كثيرا ولم يشرح، فلهذا إن شاء الله تعالى نكتب شرحا يسيرا من بابي، تلخيصا لهذا الشرح. وإلا لو اكتفينا بالكتاب، يكفي، لكن نحتاج أحيانا إلى ذكر بعض المسائل أو ذكر بعض الأقوال، وأيضا صورة المسألة. فلابد في الفقه أن المتعلم أولا يعرف صورة المسألة، ثم بعد ذلك يعرف دليلها، ثم بعد ذلك إن شاء الله تعالى يعرف أقوال العلماء في ذلك، أو تفسيرهم للآيات والأحاديث. لأن المسلم وطالب العلم يفهم الكتاب والسنة بفهم السلف، بفهم السلف والعلماء الذين أخذوا مذهب السلف. فلهذا فهؤلاء الأئمة، سواء كان الشافعي أو أحمد أو مالك أو غيرهم، إنما قربوا لنا الأفهام، فهم فهموا هذا الأمر، فمنهم من أخذه عن من قبله، ومنهم من فسره لأنه يعرف اللغة وغير ذلك. المهم أننا نأخذ بأفهامهم، نأخذ هذه المسائل على ما فهم هؤلاء العلماء، أي فهموا الأدلة. وإلا قد يجتهد منهم المجتهد إذا لم يجد دليلا في المسألة، وقد يكون اجتهاده صوابا، وقد يكون خطأ، لكنه بين الأجر والأجرين. فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وأما طالب العلم فيتتبع كلام العلماء، ومن كان كلامه أقرب إلى الدليل وأخذا بالدليل، أخذه. لأن العلماء هؤلاء ما جمعوا ما في أحد، جمع السنة كلها. وإنما لا بد أن يفوته شيء، فتجد بعض العلماء يأخذ حديثا ويبنى عليه مسألة، ويفوته الجمع بين هذا الحديث والحديث الآخر، وهكذا. فلهذا إن شاء الله تعالى نسير على ما سار عليه المؤلف رحمه الله. وأما في الأحكام، تجد أن العلماء اختلفوا في الأحكام، فقد يكون المسألة الواحدة يجد فيها اختلافا كثيرا. لكن نحن ما سنتتبع هذا الخلاف الكثير، ممكن أننا نذكر الأقوال التي هي أقرب إلى الدليل. والمؤلف رحمه الله حاول أن يذكر لكل مسألة دليلا، إما من القرآن أو السنة. والآن إن شاء الله تعالى نشرع في هذا الكتاب. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. هذه خطبة الحاجة، جاء فيها حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأحسنها حديث عبد الله بن مسعود، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلمنا خطبة الحاجة في النكاح وفي غيره. وذكر هذا في الحديث، وذكر آيتين أو آية. وجاء أيضا عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب، يذكر آية أو آيتين أو ثلاثا في التقوى. وهذه الآيات ليست على ترتيب معين، ليس أنه لابد أن يرتب هذا الترتيب. لكن الناس درجوا على هذا. وإلا ممكن أن يأتي بالآية الأخيرة: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا"، يأتي بها أولا أو آخرا. ممكن أن يدخل أيضا أحيانا كلاما لا بأس به. لكن هذه التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن لم يذكر أن في الخطب ثبتت، وإنما هي خطبة الحاجة، يخطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه. لكن هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يخطب دائما بهذا؟ لا. وإنما جاء أنه يثني على الله عز وجل، يثني على الله. فحمله العلماء أن الثناء على الله هو خطبة الحاجة. فكان أفضل خطبة يخطب بها الإنسان في مقدمة كلامه، هذه الخطبة. قال رحمه الله: إتماما للرسائل التي يتداولها الناس اليوم في شتى المجالات، خاصة في العبادات مثل الصلاة والصيام وغيرها، مما سهل ما صعب من وجود أحكامها، والتعدد بما فيها. كما قد يصعب في أيامنا هذه البحث والقراءة على بعض الناس، واستخراجها من مظانها في أمهات الكتب، إما لجهل أبناء المسلمين، أو لكسل معتنقيه، أو غيرها من مشاكل الدنيا. معنى أن الناس رغبوا عن الكتب وعن استخراج الفوائد. وإني أنصح جميع المسلمين بالقراءة والبحث، حتى يتمكنوا من معرفة دينهم الحق. وتسهيلا للقارئ، أحببت أن أكتب هذه الرسالة، لأتمم مجموعة العبادات، خاصة وأنه لم ينفرد أحد في الكتاب في هذا الموضوع، إلا في أمهات الكتب. أما على شكل رسالة، فلم أجد. وهذه الرسالة هي التي عرفت في هذا الموضوع، أي في الوضوء خاصة. وإن كان قد ألف بعد ذلك أناس من طلبة العلم، المشايخ ألفوا في الوضوء. قال: منهجي في هذه الرسالة، أن لا آتي إلا بما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرتبا على حسب ترتيب وضوئه صلى الله عليه وسلم. وتكلمت على بعض النقاط المختلف فيها، ورجحت ما أراه صوابا، بعد الرد على من قال بخلافه. والله أسأل أن يوفقنا للسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. قال: تعريف الوضوء. قال: الوضوء لغة: الوضوء يأتي بالضم، وهو الفعل، وبالفتح، وهو ماؤه ومصدر أيضا. وهذا ليس تعريفا للوضوء من ناحية اللغة. والصحيح أن تعريف الوضوء من ناحية اللغة: الوضوء من الوضاء، وهو البهجة والنظافة. لأن المتوضئ إذا توضأ، نظف نفسه وأضاء وجهه، وصارت فيه البهجة. فلهذا سمي وضوءا. فهو كما قال أهل اللغة: من الوضاء والتنظيف. ولأن الوضوء جزء من الطهارة، والطهارة هي النظافة. والوضوء خص، الوضوء هو يعتبر من النظافة، لكن زيادة أنه يضيء وجه المتوضئ. وممكن أيضا أن يؤخذ أن الوضوء يصير وضاءة يوم القيامة، حتى يعرف النبي عليه الصلاة والسلام أمته به، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفضائل. قال: الوضوء شرعا: هو استعمال ماء طهور على أعضاء مخصوصة، قد بينها وشرعها الله تعالى. مسألة التعريف هذه، تجد أن العلماء يختلفون في مسألة التعريف الشرعية. وفي تصوير هذا، مثلا العبادة، ما معناها؟ وهذا غالبا تجد أن التعريف غالبا لا تختلف، لكن أحيانا بعض العلماء يضع قيودا على مذهب معين. فالتعريف قد يختلف. مثلا الوضوء، لو نظرت مثلا في تعريف الفقهاء من أهل المذهب، تجد بل في المذهب الواحد، أحيانا تجد أن هناك اختلافا بينهم. لكن غالب المآل واحد. لكن أحيانا تجد فيه قيودا زائدة. وهذه القيود يضعونها على حسب ما عندهم من المذهب. لكن هنا المؤلف قال: استعمال ماء طهور على أعضاء مخصوصة، قد بينها وشرعها الله تعالى. وبعض العلماء يقول: إن التعريف الذي يكون فيه تعبد، لابد أن يبدأ بالنية أو بالتعبد، أو ينتهي بختامها بالنية. مثلا يقول: هو التعبد لله عز وجل، بغسل أعضاء مخصوصة بهيئة مخصوصة. هكذا يعرف الشيخ ابن العثيمين. التعبد لله عز وجل، بغسل أعضاء مخصوصة على هيئة مخصوصة. أو قال: هو التعبد لله، بغسل أعضاء أربعة مخصوصة، على هيئة مخصوصة. فقال: إن قال قائل: كيف تقول غسل أعضاء، وفيها مسح؟ قال: كلامي على الغالب. لأن الوضوء هو غسل للأعضاء، والمسح داخل فيه. فالغسل أن الوضوء هو غسل معنى غسل هذه الأعضاء، والمسح داخل فيه. لكن الأفضل أن يبين. لأن التعاريف لابد أن تكون شاملة، وأيضا واضحة، لا يكون فيها تعقيد. فقال: فالصحيح أنه يقال: إما التعبد لله، بغسل أو مسح أعضاء مخصوصة على هيئة مخصوصة. أو كما قال المؤلف: استعمال ماء طهور على أعضاء مخصوصة. ويقول: التعبد باستعمال ماء طهور على أعضاء مخصوصة، قد بينها وشرعها الله. وإذا لم يرد الشخص أن يأتي بالتعبد، يأتي بعد ذلك بالنية. يعني يقول مثلا: استعمال ماء طهور على أعضاء مخصوصة، قد بينها وشرعها الله تعالى، مع النية. هذا لابد. ويغفل عنه كثير من المعرفين. لأن هذا ما سيكون وضوءا شرعيا، إلا إذا كان بنية. قد يكون الإنسان مثلا يغسل أعضاءه، يريد تنظيفا، يغتسل مثلا لأجل أن يتبرد. فرق بين غسل الجنابة مثلا، أو غسل الجمعة، أو غسل لأجل التطهر، وبين غسل لأجل التنظيف. فالذي يفرق هو النية. فما يصير طهارة للصلاة، إلا إذا كان بنية. إذا كان بنية. قال رحمه الله: مشروعية الوضوء من الكتاب والسنة. قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين". معنى هذا الدليل من القرآن. لما يقولون: مشروعية الوضوء، أي ما جاء من أدلة فيه. فأصل هذا الوضوء، هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة"، إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، إلى آخر الآية. وقال عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة أحدكم إذا حدث حتى يتوضأ". وجاء في الأفضل: "لا يقبل الله". وهذا الحديث، كما ذكر المؤلف، متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفيه: عدم قبول الصلاة لعدم وجود الوضوء، حتى يتوضأ. وهذا بإجماع العلماء، على أنه لا صلاة لمحدث إلا بالطهارة. لا صلاة لمحدث إلا بالطهارة. إن كان حدثا أصغر، فإنه يكون وضوءا. وهنا المراد بالحدث، هنا المراد به الحدث الأصغر. ولهذا جاء في بعض الروايات: أنه قيل: يا أبا هريرة، ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط. يريد: أيش الحدث الأصغر؟ يريد أن يدخل فيه البول، يدخل فيه الغائط، يدخل فيه كذا. وإنما مثل فقط. وقال عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور". لا يقبل الله صلاة بغير طهور. ولا صدقة من غلول. طهور، بفتح الطاء، مثل ما تقدم: الوضوء، بالضم هو الفعل، وبالفتح هو الماء. الماء الذي يتوضأ به. وضوء، هو ماء يتوضأ به. وضوء، هو الفعل نفسه، فعل الوضوء. وهذا المشهور من كلام العلماء. وهل اللغة؟ وإلا بعضهم قالوا: العكس. بعضهم قالوا: العكس. وأيضا كذلك هنا: طهور. لا يقبل الله صلاة بغير طهور. الطهور هنا هو الماء الذي يتطهر به. وقيل هنا: بضم الطاء، معنى: لا صلاة بغير طهور. ولا صدقة من غلول. وقيل: أن هذا في طهور، طهور يطلق على الفعل، الطهارة. ويطلق كذلك على الماء الذي يتطهر به. وقال عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة". وهذا الحديث، حديث حسن، كما ذكر المؤلف. وفيه: أن الواجب، واجب الوضوء، إنما عند الصلاة. واجتهد به العلماء على أن الوضوء لا يجب إلا إذا أراد الإنسان أن يصلي. إذا أراد الإنسان أن يصلي. لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما بال، فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة". معنى ذلك: أنه لا يجب الوضوء لشيء من الأمور، إلا للصلاة. وهذا مما استدل به بعض العلماء على أنه لا يجب الوضوء لقراءة القرآن، ولا يجب الوضوء أيضا للطواف، ولا يجب الوضوء لغيرها من هذه المسائل التي جاءت في ذلك، أو أوجبوا فيها الوضوء. وقال عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". وهذا الحديث جاء من حديث أبي سعيد، ومن حديث جابر بن مطعم، ومن حديث أيضا معاوية. وسنده فيها ضعف، إلا أنها يشهد بعضها لبعض، يشهد بعضها لبعض. فهو حديث حسن، إن شاء الله. وفيه: أن الصلاة مفتاحها الطهور، أي شرطها، أنه لا يصلي إلا متطهر. وهذا بإجماع العلماء، لا خلاف بينهم. بين الأمة كلها، أنه لا تكون صلاة بغير الطهور. فلو صلى الإنسان بغير الطهور، فصلاته باطلة. إذا صلى الإنسان بغير الطهور، فصلاته باطلة. إن كان ناسيا، فيعيد صلاة عند جمهور العلماء. وإن كان متعمدا، إذا كان يصلي بغير الطهور متعمدا، فبعض العلماء قالوا: هذا استهزاء. لأنه لا خلاف أن الإنسان لا بد أن يصلي وهو متوضئ. فإذا كان الإنسان يصلي وهو متعمد أنه ليس طاهرا، ويصلي بغير الطهور، فما حكمه؟ فقال بعض العلماء: أنه مستهزئ. والمستهزئ يعتبر كافر. الذي يستهزئ يعتبر كافر. فقالوا: أنه كافر بهذا. ومن أهل العلم من قال: أنه يفسق بهذا، يفسق بهذا. لكن أحيانا النية تغير الحكم. أحيانا النية تغير الحكم. إن كان فعل ذلك امتهانا واستهزانا، فلا شك أنه يكفر بهذا. وإن كان فعل ذلك مثلا حياء، بعض الناس مثلا يحدث في الصلاة من حيائه، لا يخرج، يصلي، يكمل صلاة. فهذا خطأ كبير، لكن لم يتعمد مثلا أنه يريد أن يصلي وهو على غير طهارة، لكن حصل أنه أحدث في وقت الصلاة. فهذا لا شك أنه ليس حكمه الكفر. فهو لم يرد الاستهزاء والاستهانة. ففرق بين ذاك وهذا. فلهذا مذهب جمهور العلماء أنهم يقولون: أنه فسق، أن هذا يعتبر فاسقا. لكن متى يكون فاسقا؟ إذا كان ما أراد الاستهتار والاستهزاء، ما أراد الاستهتار والاستهزاء. أما إذا أراد الاستهتار والاستهزاء، فلا شك أنه كافر. قال: فضل الوضوء. وإن شاء الله تعالى، إنما هي تعليقات يسيرة. وإلا المسائل كثيرة، لكن نحن نذكر فقط المهم، حتى نمشي في الكتاب، لأجل المدة يسيرة. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط". رواه مسلم. هذا الحديث أعطانا عدة فضائل للوضوء. أعطانا عدة فضائل للوضوء. ولو كتبتم هذا، حتى معنا يكون عندنا مثل التلخيص لهذه المسائل. هذا الحديث أعطانا عدة فضائل. الأولى: أنه يمحو الله به الخطايا، يمحو الله به الخطايا. هذا أول فضيلة للوضوء، أنه يمحو الله به الخطايا. ومعنى محو الخطايا: إما المراد بها المغفرة، وإما المراد محوها من كتاب الحفظة، كما قال القاضي عياض، وأيده النووي. معنى المحو هنا: أصل المحو هو مسح الشيء، لكن قد يأتي بمعنى المغفرة. المحو قد يأتي بمعنى المغفرة. فالمحو هنا محو الخطايا، قال العلماء: إما أن يراد به المغفرة، أنه يغفر الله عز وجل للمتوضئ. وإما أن يراد به أنه يمحى من كتاب الحفظة. ألا يدلكم على ما يمح الله به الخطايا ويرفع به الدرجات. أيضا الفائدة الثانية، أو الفضيلة الثانية: رفع الدرجات. رفع الدرجات. والمراد برفع الدرجات: أي المنازل العليا في الجنة. يعني لما يرفع درجته، أي يصير في منزل عال من الجنة. فالمراد رفع الدرجات، أي العلو في الجنة، والمنازل العليا في الجنة. كلما ارتفعت درجات الشخص، كلما علت في جنة الله عز وجل. وأهل الجنة على منازل، حتى أن بعضهم يرى الذي قبله كالكوكب الدري في السماء. يراه كالكوكب الدري. ثم إذا صعد إلى منزلته، وقد يصعد إلى منازل أخرى. وبعضهم يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا أعظم منزلة، منزلة الأنبياء هي أعظم منزلة. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها مع الماء، أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل يديه، خرجت من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب". هذا الحديث، فيه مغفرة هذه الذنوب، فيه مغفرة هذه الذنوب ومحوها. لأن هنا لم يذكر أنها تغفر، تغفر، لكن ذكر محوها، أنها تخرج مع آخر قطرة. أن الذنب يمحى كله، الذنب يمحى كله. فهذا الحديث أيضا يدل على المحو، على أن هذه الذنوب تمحى. ولا يكتأ ولا تكون عليه. خلاص تخرج مع آخر قطرة من الوجه. والذنوب التي كانت بالوجه، مثل بالعينين، باللسان، بالشم، بكل ما كان متعلقا بالوجه. فهذا تخرج ذنوبه بغسل الوجه. كل ما بطشت يداه، معنى: سرق أو أخذ، ضرب أو كذا. فهذا يخرج مع آخر قطرة في غسل يديه، من مرفقيه. وكذلك أيضا الرجلين أيضا، كل معصية مشى فيها الإنسان. معنى المراد بهذا، على قول جمهور العلماء: الذنوب ليست الكبائر. المراد بهذا، عن قولهم: الذنوب التي ليست كبائر. أما الكبائر فتحتاج إلى توبة. وذهب بعض الظاهرية وغيرهم، على أنها الذنوب كلها. وهناك تفصيل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأيده بعض العلماء، كالحافظ ابن رجب، والحافظ ابن حجر، على أن هناك ذنوب يغفر الله عز وجل بها كل السيئات، الكبائر والصغائر. أقصد هناك أعمال يغفر الله عز وجل بها كل الذنوب، الصغائر والكبائر، إلا الشرك. إلا الشرك. معناه: إذا كان مسلما، إذا كان مسلما وعمل هذه العمل، مثل الحج، مثل التوبة، مثل غيرها من هذه الأعمال الكبيرة. هذه لأنه جاء في الحديث: "يرجعك يوم ولدته أمه". ومعنى يوم ولدته أمه: ما عليه خطيئة، ما عليه خطيئة. فلهذا قال شيخ الإسلام وغيره: أن الأشياء التي جاءت فيها مغفرة الذنوب جميعا، تغفر أيضا الكبائر. وأما هذه الأعمال الصالحة، أو هذه الأعمال، الذنوب الصغيرة، الأعمال الصالحة هذه تكفرها، تكفر هذه الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث حذيفة، قال النبي: "أما هذه الذنوب والخطايا، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة". أو قال: "فتنة الرجل في أهله وماله وجاره". معنى ما يحصل بين أهله من القطيعة، بينه وبين أولاده، بينه وبين جيرانه، هذه الأخطاء التي تحصل. قال: "تكفرها الصلاة والصيام والصدقة". تكفرها الصلاة والصيام والصدقة. وأما الأخطاء الكبيرة، فهي لا تكفرها إلا التوبة. لكن كما قلنا: هناك بعض الأعمال، كما قال شيخ الإسلام، تكفر الجميع. ومن ذلك التوبة. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. وددت لو أن قد رأينا إخواننا". قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، إخواننا الذين لم يأتوا بعد". فقالوا: كيف تعرف من لم يأت من أمتك يا رسول الله؟ قال: "أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض. ألا لا يذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم: ألا هلم. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول: سحقا سحقا". هذا الحديث، فيه فائدة من فوائد الوضوء، وستأتي أيضا في بعض الأحاديث الأخرى، وهي أن هذا الوضوء يكون وضاءة يوم القيامة، ونورا يوم القيامة. يكون نورا يوم القيامة، يعرف النبي عليه الصلاة والسلام أمته به. أولا عندنا فائدتان: الفائدة الأولى: أنه نور يوم القيامة. والفائدة الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته بهذا الوضوء، يعرف أمته بهذا الوضوء. وهل معنى ذلك أن الأمم السابقة ما عندهم وضوء؟ هل معنى هذا أن الأمم السابقة ما عندهم وضوء؟ قال بهذا بعض العلماء، قالوا: أن الوضوء خاص بهذه الأمة فقط. الوضوء خاص بهذه الأمة، وعما الأمم السابقة، فلا معنى ما عندهم وضوء. وهذا الكلام ليس صحيحا، هذا الكلام ليس صحيحا. لماذا؟ لأنه قد جاءت في بعض الأحاديث، في الأمم السابقة، أن فيها وضوءا. مثلا على سبيل المثال، في حديث ابن عباس، في قصة إبراهيم وسارة، لما جاءت عند الطاغية، وأراد أن يمسها، فقالت له: دعني أصلي. فسمح لها أن تصلي، فجاء في الحديث: "فتوضأت وصلت ركعتين". توضأت وصلت ركعتين. عندهم وضوء. لكن هل هو مثل الوضوء الذي عندنا؟ الله أعلم. هل وضوءهم مثل الذي عندنا؟ الله أعلم. لكن فيه توضأت وصلت. وأيضا في حديث جريج العابد، قال: "فتوضأ وصلت". لما أرادوا أن يهدموا دنياه، وقالوا: أنت زنيت. فقال: دعوني أصلي. فقام، قال: "توضأ وصلت". توضأ وصلت. ففيه وضوء. لكن هل هو الوضوء مثل كيفية وضوءنا؟ الله أعلم. لكن الوضوء موجود. فلهذا فليس هو خاصا بهذه الأمة. لكن أي شيء الذي خاص بهذه الأمة، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته به، وهو هذا النور الذي يكون به المتوضئ، هذا النور الذي يكون به المتوضئ. لأن تكون مثل الحلية، الحلية الشيء المزين، يبلغ الوضوء في المؤمن كما تبلغ الحلية فيه. وجاء في رواية: "حلية المؤمن يوم القيامة الوضوء". وهنا قال: "غرّا محجلين من آثار الوضوء". الغرّة في الوجه، البياض في الوجه. والتحجيل، البياض في القوائم، البياض في اليدين وفي الرجلين. فهذا غرا محجلين من آثار الوضوء. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق.