الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 135، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي الشيخ أثر ابن عباس في إنكاره على من استنكر حديثاً في الصفات، مبيناً أن الهلاك يكون عند المتشابه لا المحكم. ويوضح أن المتشابه المقصود هو ما التبس على الفهم لا في ذات الصفات، مستدلاً بقول علي رضي الله عنه في مخاطبة الناس بما يعرفون.
يقرر الشيخ أن القرآن موصوف بالإحكام المطلق لسلامته من الخلل، وبالتشابه المطلق لتماثل أجزائه في الكمال. ثم يقسم آياته إلى محكم المعنى ومتشابهه، مبيناً أن المتشابه نوعان: مطلق لا يعلمه إلا الله، ونسبى يعلمه الراسخون.
يفصل الشيخ الفرق بين المتشابه المطلق ككيفية الصفات والنعيم، والمتشابه النسبي الذي يعلمه العلماء الراسخون. ويستدل بقراءتي الوقف والوصل في آية آل عمران: 7، ويرد على الجهمية والمفوضة في تعطيل تدبر معاني آيات الصفات.
يؤكد الشيخ أن آيات الصفات ليست من المتشابه الذي عناه المبتدعة لتأويلها، بل تشابهت في كيفيتها المجهولة لله وحده. ويبطل مذهب من أولها معتبراً ذلك تعطيلاً لمعانيها، مؤجلاً تتمة المسائل للدرس القادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب "من جحد شيئاً من الأسماء والصفات": روى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكاراً لذلك، فقال: "ما فرق هؤلاء يجدون رقةً عند محكمه ويهلكون عند متشابهه". وهذا الحديث سنده صحيح، ومعنى الحديث أن رجلاً انتفض، أي أصابته رعدة، بمعنى أصابته رعدة استعظاماً لما سمع، استعظاماً لما سمع، استعظاماً لما سمع. فقال ابن عباس لما رأى هذا الرجل وسبب انتفاضته هذه استنكاراً لما سمع من حديث، وردع في الصفات، صفات الله عز وجل: "ما فرق هؤلاء"، أي ما خوف هؤلاء من إثبات الصفة التي تليت عليهم وبلغتهم؟ لماذا لا يثبتونها لله كما أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسول صلى الله عليه وسلم؟ فكأنه لا يريد الحديث في هذا الباب، باب الأسماء والصفات، ولا يستوعب هذا الكلام لما فيه من ذكر شيء من صفات الرب سبحانه وتعالى. فأنكر ابن عباس عليه وقال: "أيش الذي خوف هؤلاء؟" هذا الانتفاض كأنه من فزع وخوف. ثم قال ابن عباس: "يجدون رقة عند محكمه"، أي يجدون ليناً، ويعني شيئاً من القبول لهذا القول، في هذا القول الذي فيه إحكام. فالمراد بالرقة هنا ضد القسوة، المراد بالرقة ضد القسوة، فيجدون اللين والقبول للمحكم. "ويهلكون عند متشابهه"، أي يهلكون بالإنكار والتكذيب عند متشابهه. والمراد بمتشابهه: أي ما يشتبه عليهم فهمه، ما يشتبه عليهم فهمه، وليس معناه أن الصفات هي المتشابهة كما يقول ذلك الجهمية ومن نحا نحوهم، ومن نحا نحوهم. وإنما هذا الرجل لم يفهم الفهم الصحيح لآيات الصفات، فلعدم فهمه أصيب بهذا الأمر، وهذا الفزع والخوف، وهذا الفزع والخوف. وليس معناه أن آيات الصفات متشابهة بمعنى أنه لا يتكلم فيها بإثبات حقيقتها، وإنما أن هذا الرجل لم يفهم معنى هذا الحديث الذي ألقي عليه فأصيب بما أصيب به من هذا الخوف والفزع. هذا هو المراد بهذا الأثر وإنكار ابن عباس عليه. والشاهد من هذا الحديث ما مر، أنه لعل هذا الرجل من عامة الناس فهو لا يفهم الفهم الصحيح لآيات الصفات، فلما ألقي عليه هذا الكلام وقع فيه هذا الأمر. ففيه معنى الأثر المتقدم عن علي: "حدثوا الناس بما يعرفون"، "بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟" بمعنى: إذا كان إنسان جاهل وما يستوعب مثل هذه الأشياء، فلا يفصل له في مسألة الأسماء والصفات، وإنما يبين له بياناً عاماً مجملاً كما تقدم معنا في شرح الآثار المتقدمة. ثم ذكر ابن عثيمين فائدة تتعلق بمحكم القرآن ومتشابهه، فذكر رحمه الله أن القرآن يطلق عليه بأنه محكم كله، يطلق على القرآن أنه محكم كله دون ذكر المتشابه، أي ليس في الإحكام بهذا المعنى، الإحكام بهذا المعنى وهو أن القرآن كله محكم، فيكون معناه أنه ليس فيه خلل ولا كذب في أخباره ولا جور في أحكامه. ومما جاء في القرآن بالإطلاق، أي بأن القرآن محكم، قوله سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، فالمراد بالإحكام في هذه الآية الإحكام المطلق الذي هو محكم كله، أي أن القرآن محكم كله، فيكون المعنى على هذا أنه ليس فيه خلل ولا كذب في أخباره ولا جور في أحكامه، كما قال الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾. فمن هذه الحيثية فالقرآن كله محكم، كله محكم. ويطلق على القرآن أنه متشابه كله، كله، كل القرآن متشابه، كل القرآن متشابه، دون ذكر المحكم، ويكون المعنى في معنى التشابه في هذا الموضع: أن يشبه بعضه بعضاً في جودته وكماله، في جودته وكماله، ويصدق بعضه بعضاً ولا يتناقض. هذا معنى التشابه في القرآن كله: يشبه بعضه بعضاً من حيث البلاغة، من حيث إحكام السياق، من حيث الكمال وعدم النقص أو العيب فيه، ومن حيث أنه لا يتناقض، فيصدق بعضه بعضاً. ربما الإنسان أحياناً يتحدث بحديث ثم بعد فترة يتحدث بحديث آخر يناقض الحديث الأول، لكن القرآن ما فيه تناقض وما فيه اختلاف في أخباره أو في آياته. فمن هذه الحيثية فهو متشابه كله، فهو متشابه كله. ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾، متشابهاً، المراد بالتشابه هذا المعنى الذي ذكرناه. ويطلق على القرآن أنه منه المحكم ومنه المتشابه، منه المحكم ومنه المتشابه، فيكون المحكم هنا معناه: الذي اتضح معناه وتبين، اتضح معناه وتبين، الكل يفهمه والكل يدركه. فهنا محكم: ما يشتبه على أحد، ما يخفى على أحد، فهذا هو المحكم الذي يقابل المتشابه. والمتشابه الذي يقابل المحكم هو الذي يخفى معناه، الذي يخفى معناه. وهذا الإخفاء نوعان: إخفاء مطلق وإخفاء نسبي. الإخفاء المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، لا أحد من خلقه يعلمه. وهذا مثل ماذا؟ مثل كيفية الصفات، كيفية الصفات، كيفية الصفات، لا يعلمها إلا الله. أما معنى الصفات فمعلومة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، الاستواء معلوم في اللغة بمعنى الارتفاع، بمعنى العلو ونحو ذلك، لكن كيفية الاستواء هذا لا يعلمه إلا الله. لذلك لا يجوز السؤال بكيف في الصفات: كيف استوى؟ كيف يضحك؟ كيف... لا، لا يجوز هذا لأن هذا من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، الله. ومن هنا تعرف اللبس الذي وقع عند الجهمية ومن نحا نحوهم. فالجهمية يجعلون آيات الصفات مطلقاً من المتشابه، سواء كان معرفة الكيفية أو معرفة كذلك الحقيقة، حقيقة معاني الصفات. وهذا خطأ. أهل السنة يفصلون: يقولون معنى الصفات معلومة، معلومة، كما مثلنا بالاستواء، فهم يثبتون لله عز وجل هذه الصفات بحقائقها بما يليق بجلال الله. وأما علم الكيفية فهذا علمه عند الله، علمه عند الله، هذا من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وكذلك حقائق ما في الجنة، حقيقة ما في الجنة، الجنة، الجنة فيها من مثلاً الرمان والعنب، لكن ما حقيقة هذا التفاح والعنب؟ هل هو مثل عنب الدنيا؟ لا، يقول ابن عباس: "لا يوجد شبه بين أسماء ثمار الدنيا وثمار الجنة إلا الاسم فقط، إلا الاسم". هذا الذي تشابه فيه: رمان رمان، عنب عنب، لكن الكيفية والحقيقة هذا الله أعلم بها، فهو كذلك من المتشابه المطلق، من المتشابه المطلق. وهناك تشابه نسبي، وهو الذي يعلمه بعض الخلق دون بعض، يعلمه بعض الخلق دون بعض، فيعلمه الراسخون في العلم، ويكون عند غيرهم متشابهاً، يكون عند غيرهم، ويكون عند غيرهم متشابهاً. وهذا يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. هذه الآية جاءت فيها قراءتان، جاءت فيها قراءتان: قراءة بيئة الوقف، وقراءة بيئة الوصل. فقراءة الوقف: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، هذا هنا قراءة الوقف هو التشابه المطلق، بمعنى لا يعلمه إلا الله وحده، وحده. وجملة ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يقولون: هذه جملة مستأنفة، ليست جملة عطف، وإنما هي جملة مستأنفة. وقراءة الوصل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، هذه القراءة تدل على التشابه النسبي، بمعنى أن المتشابه لا يعلمه إلا الله، ويعلمه كذلك الراسخون في العلم. فالواو هنا تكون عطفاً، الواو هنا تكون ماذا؟ عطفاً. فالآية على القراءتين تدل على النوعين: فقراءة الوقف تدل على التشابه المطلق، وقراءة الوصل تدل على التشابه النسبي. التشابه النسبي، يقول ابن العثيمين عليه رحمة الله: "وليس في القرآن شيء متشابه على جميع الناس من حيث المعنى، من حيث المعنى". في هذا التشابه الذي يقابل المحكم، ليس في القرآن شيء متشابه لا يعلم تفسيره أحد، هذا لا يكون في القرآن من حيث المعنى، يعني معرفة المعنى. ولكن الخطب في الفهم: أنت تفهماً شيئاً والعالم يفهم فهماً غير فهمك، ففهم العالم هو الصواب وفهمك هو الخطب. فهل كون فهمك خطأ نقول أن هذا من المتشابه الذي لا يعلمه أحد، الذي لا يعلمه أحد، الذي لا يعلمه أنت، الذي لا يعلمه أنت لضعف علمك؟ أما الراسخون في العلم فيعرفون ذلك المتشابه. فلذلك يقول: "وليس في القرآن شيء متشابه على جميع الناس من حيث المعنى"، فكل معاني القرآن من المحكم، لكن قد يكون من المتشابه النسبي بحيث أن بعض الناس لا يفهم وبعضهم يفهم وهم الراسخون في العلم. قال: "ولكن الخطأ في الفهم". ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله". قال: "ولم يقل هذا مدحاً لنفسه، ولكن ليعلم الناس أنه ليس في كتاب الله شيء لا يعرف معناه، إذ لا يمكن أن تكون هذه الأمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخرها لا تفهم معنى القرآن، وأنهم يقرؤون آيات الصفات ولا يفهمون معناها". هذا هو قول الجهمية ومن نحا نحوهم من المفوضة. فإذا قلت لهم: ما معنى مثلاً يد الله فوق أيديهم؟ قالوا: الله أعلم، هذا من المتشابه. ما معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ قالوا: الله أعلم. هذه المفوضة، هذه المفوضة، فيجعلون والتفويض في الحقيقة هو أخطر من مذهبي النفاة الذين ينفون الصفات أو يحرفونها، لأنه تعطيل وزيادة، ونفي وزيادة. فمن فوض عطل، من فوض عطل هذه الصفة، فهو لا يثبت لله هذه الصفات، لا يثبت لله هذه الصفات، فيجعلون الصفات من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله. فهذا جهل بمراد إنزال، من إنزال هذا القرآن. قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، فإذا لم نعرف معنى آيات الصفات هل سنتدبر معنى هذه الآيات؟ سنحرم تدبر هذه الآيات. وهكذا في آيات كثيرة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فإذا لم نفهم معاني بعض الآيات في القرآن هل سيحصل التفهم للقرآن، هم للقرآن، وكذلك الاستفادة من القرآن أبداً؟ فهذا المذهب مذهب باطل. فآيات الصفات ليست من المتشابه الذي عناه أهل البدع، وإنما هو متشابه من حيث معرفة كيفية الصفات، فهذا لا يعلمه إلا الله، وهو التشابه المطلق، وهو التشابه المطلق. بقي أثر ومسائل نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم لانتهاء الوقت لهنا. الله تعالى لا أعلم.