شرح السنة للإمام البربهاري 22

شرح السنة للإمام البربهاري 22

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف الإيمان في اللغة والشرع وتوضيح الفروق

يتناول هذا الفصل تعريف الإيمان في اللغة والشرع، حيث يُعرَّف في اللغة بالتصديق الجازم أو الإقرار، وفي الشرع عند أهل السنة والجماعة يكون نطقًا باللسان واعتقادًا بالجنان وعملًا بالجوارح والأركان. يُشرح أيضًا كيفية التفريق بين الإيمان اللغوي والاصطلاحي في القرآن من خلال تعدية الفعل.

تفاصيل تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة

هذا الفصل يشرح تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة، حيث يُعرَّف بأنه قول باللسان وعمل بالجوارح والأركان وتصديق بالجنان. وقد اتفقوا على هذا التعريف وتواترت كلمتهم عليه، واستدلوا على ذلك من الكتاب والسنة.

زيادة الإيمان ونقصانه وبيان أدلته

يتناول هذا الفصل اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وقد ذكر العلماء الإجماع على ذلك واستدلوا بالكتاب والسنة، حيث تكون زيادة الإيمان بطاعة الرحمن ونقصانه يكون بطاعة الشيطان ومعصية الرب.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: والإيمان بأن الإيمان قول وعمل، ونية وإصابة، يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى منه شيء. في هذه الفقرة سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق باعتقاد أهل السنة في باب الإيمان، وفي مسألة الإيمان. وهذا الباب من المسائل الذي دب فيها الخلاف بين أهل القبلة، فتنوعت المقالات واختلفت الآراء بحسب كل عقيدة وكل فرقة. المؤلف رحمه الله تعالى هنا أبان بكل وضوح ما يعتقده أهل السنة والجماعة في باب الإيمان، فقال رحمه الله تعالى: والإيمان بأن الإيمان قول وعمل. من المسائل المهمة إخواني في الله نتعرف عليها. أولا نتعرف إلى معنى الإيمان. الإيمان في باب اللغة هو التصديق الجازم. التصديق الجازم، وهذا الذي عليه الكثير من أهل اللغة. الكثير من أهل اللغة يفسرون الإيمان بأنه التصديق، كما ذكر ذلك الجوهري، وهكذا ابن منظور. بل إن الأزهري رحمه الله تعالى ذكر اتفاق أهل اللغة على أن معنى الإيمان هو التصديق. إلى أن جماعة من أهل العلم يرى أن الأقرب إلى تعريف الإيمان هو الإقرار. تفسير الإيمان بالإقرار أقرب من تفسيره بالتصديق، وهذا الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فعلى كل، الإيمان في اللغة بمعنى الإقرار والتصديق، بمعنى الإقرار والتصديق. وأما في اصطلاح الشرع، هذا الذي يهمنا، هو الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة. فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. هذا الذي عليه معتقد أهل السنة والجماعة في معنى الإيمان. لذا الإيمان يأتي في خطاب القرآن تارة بمعنى الإيمان في اللغة، وهو التصديق والإقرار، وتارة يأتي الإيمان في القرآن بمعنى الإيمان الاصطلاحي الشرعي، وهو اعتقاد وقول وعمل ونية. فما الفرق؟ كيف المسلم يفرق؟ هناك شبه قاعدة أو ضابط ذكره بعض العلماء: كيف تعرف أن الإيمان في هذا الخطاب هو بمعنى الإيمان اللغوي؟ وكيف أن الإيمان في خطاب آخر بمعنى الإيمان الاصطلاحي؟ يقول بعض العلماء: أنك تنظر إلى التعدية. الإيمان يتعدى بحرف من أحرف الجر. فقالوا: إن وجدت أن الإيمان في خطاب القرآن عدي باللام، فهذا معناه الإيمان اللغوي. إذا رأيت أن الإيمان عُدي باللام فهو الإيمان اللغوي، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فآمن له لوط﴾، فهنا آمن عُديت باللام، إذن هو بمعنى الإيمان اللغوي. ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾، أي بمصدق ومقر. وأما الإيمان الاصطلاحي، فهو يتعدى بحرف الباء، يتعدى بحرف الباء. ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾. وهذه القاعدة أغلبية، بهذا الضابط لا بإمكانك أن تعرف أن الإيمان هنا المقصود به الإيمان اللغوي، وأن الإيمان أو المراد به الشرعي، وذلك على حسب التعدي باللام أو الباء. هذا كما قلنا قاعدة أغلبية. قولنا أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، وتصديق بالجنان، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، وقد اتفقوا على ذلك. وقد تواترت كلمة أهل السنة على هذا المسمى وعلى هذا التعريف. يقول ابن عز الحنفي رحمه الله تعالى، كما في شرحه على الطحاوية: قال: فمذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث، وأهل الظاهر، إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. ويقول إمام البغوي رحمه الله تعالى: قال: اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة، وقالوا: إن الإيمان قول وعقيدة وعمل. أن الإيمان قول وعقيدة وعمل، فبهذا يكون الرجل مؤمنا. أن يكون إيمانه يظهر ينقدح في القلب، ويظهر ذلك في لسانه، ويبرهن على ذلك بأعماله. بهذه الأمور الثلاث يكون الرجل مؤمنا. لابد من الأمور الثلاث: اعتقاد القلب، وظهور ذلك في اللسان، وبرهان ذلك بالعمل. والدليل إخواني في الله، الدالة من الكتاب والسنة تدل على هذه المعطيات الثلاث، وعلن أن الإيمان لن يتم ولن يكمل إلا بالأمور الثلاث. فالشرع دل على ذلك أن الإيمان مركب من أمور الثلاثة. فمثلا أن الإيمان يكون في القلب، وكما قال ربنا جل في علاه: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾، فربنا جل وعلا جعل القلب محل الإيمان. وأيضا فإن الإيمان كذلك يكون في الأعمال. فإن العمل يكون من الإيمان، ودليله في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، هنا لفظ الإيمان ذكر الحليمي رحمه الله تعالى بإجماع المفسرين أن معنى الإيمان هنا هي الصلاة إلى بيت المقدس. وما كان الله ليضيع إيمانكم، أي صلاتكم إلى بيت المقدس. فسمى ربنا جل وعلا هذا العمل الظاهر إيمانا. سمه إيمانا. ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. وبهذا استدل العلماء على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. وهكذا الأقوال، فإن الأقوال كذلك من الإيمان، كما جاء في الحديث المشهور، قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة، وفي رواية: بضع وسبعون شعبة، أعلىها قول لا إله إلا الله». أخبر نبينا صلاة ربي وسلامه عليه على أن الإيمان شعب، وأعلى شعبة من شعب الإيمان هذا اللفظ، وهذا القول، هو «لا إله إلا الله». إذن بهذه الأمور إخواني في الله نعلم على أن الإيمان مركب ومرتب من أمور الثلاث: الاعتقاد، والقول، والعمل. وأن الإخلال بأحد الأمور الثلاث هو إخلال في مسمى الإيمان. ومن هنا ظهر الانشقاق، وظهر كذلك الاختلاف بين أهل البدع والضلال ممن خالفوا ونازعوا أهل السنة والجماعة. فمنهم من يرى أن الإيمان فقط في القلب، أن الإيمان فقط في القلب، وهم جماعات من المبتدعة. ثم تنازعوا فيما بينهم: ما هو الذي في القلب؟ منه من قال: هو المعرفة. منه من قال: هو التصديق. ومنه من أدخل كذلك أعمال القلوب. ومنهم من قال: أن الإيمان فقط باللسان، بغض النظر عن العمل، بغض النظر عن القلب. اللسان تلفظت بالإيمان فأنت مؤمن، بغض النظر عما قدح في نفسك وفي قلبك. وهكذا. ومنهم من أعلى درجة قال: إن الإيمان مركب من قول وعمل، من قول واعتقاد من غير عمل. وهكذا تنازعوا على مذاهب شتى. وأما أهل السنة والجماعة، سلمهم الله جل وعلا من هذا الزلل ومن هذا الدغل، وذلك بأن رجعوا إلى الكتاب والسنة، فرأوا أن الإيمان يدخل فيه الاعتقاد والأقوال والأعمال. فهذه الأمور الثلاثة الذي بيّنها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: والإيمان بأن الإيمان قول وعمل ونية. ثم في قوله رحمه الله تعالى: يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى منه شيء. كذلكم هذا مما يعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان لا يبقى في محل واحد أو يبقى في منزلة واحدة، وإنما يتفاوت. فإن الإيمان تارة يزيد، وزيادة الإيمان يكون بطاعة الرحمن. وتارة ينقص، والذي يؤدي إلى نقصان الإيمان هو طاعة الشيطان، ومعصية الرب جل في علاه. فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان يزيد وذلك بالطاعة، وينقص بالمعصية. وقد ذكر العلماء الإجماع على هذه الفقرة. فممن ذكر الإجماع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهكذا الإمام أحمد، وذكر كذلك البخاري إجماع الأمة وإجماع العلماء في عصره على أن الإيمان يزيد وينقص. وهكذا ابن عبدالبر، وهكذا البغوي في شرح السنة، وجماعات من أهل السنة ذكروا اتفاق الأمة - أي من أهل السنة - على هذه الفقرة، على أن الإيمان يزيد وينقص. وهكذا من تأمل في أدلة الكتاب والسنة يرى الأدلة واضحة وكل الوضوح، فالإيمان يزيد كما في قوله تعالى: ﴿ويزداد الذين آمنوا إيمانا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وليزداد الذين آمنوا إيمانا﴾. فأخبر ربنا جل وعلا بأن أهل الإيمان يزيدون إيمانا. وفي ذلك دلالة على أن الإيمان يزيد، وذلك بمعطيات يرتفع الإيمان، والمؤمن يحس ويجد هذا بالعقل وبالذوق. وهكذا كذلك بالإحساس وبالواقع، يجد أن ترى أن إيمانه يزاد وارتفع، وأنه ينشط في أداء العبادات والطاعات. وهكذا الإيمان ينقص، ومما يدل على نقصان الإيمان ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين». فالعقل ينقص، وهكذا الدين ينقص. فأخبر نبينا بنقصان الدين، فأثبت أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وأنه كذلك ينقص. ونقصان الإيمان هذا يلاحظه كل واحد منا في نفسه، متى ما دب فيه الخمول ودب فيه الفتور والكسل، يجد من نفسه التقاعص عن طاعة الله جل وعلا، ويجد من نفسه عدم المسارعة والإقبال على دين الله عز وجل. فهذا إخواني في الله ملخص هذه المسألة، وإلا فهي مسألة من المسائل العويصة التي يدب فيها الاختلاف بين أهل الفرق، بين المعتزلة، وبين الوعيدية، وبين كذلك الفرق كالجهمية والأشاعر والماتوريدية، وجماعات من الفرق الضالة تنازعوا واختلفوا في هذه المسألة. وأهل السنة والجماعة هذا فحواهم، يقولون بأن الإيمان هو مركب من أمور الثلاث: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.