الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 133، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية لزوم السنة وتعظيم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبرز فهم السلف للآثار والتعامل مع الفتن. يُشدد على منزلة من لزم السنة وسلم من أصحاب رسول الله.
يُناقش هذا الفصل خطورة البدعة والطعن في الصحابة، ويبين أن المبتدع لا يغفر الله له بدعته، بينما العاصي الذي يعظم الله ورسوله والصحابة يدخل في رحمة الله. يُوضح أن بعض الفرق الضالة تجعل الطعن في الصحابة من أصول عقيدتها.
يتناول هذا الفصل الرد على شبهات المبتدعة حول حديث الحوض وطعنهم في الصحابة، ويقدم تأويلات علماء أهل السنة للحديث. يُبين أن الحديث لا يطعن في الصحابة بل يمكن تأويله بطرق مختلفة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال مالك بن أنس: من لزم السنة وسلم منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مات، كان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وإن كان له تقصير في العمل. في هذه الفقرة، أو قل في هذا الفصل بتمامه إلى نهاية رسالة المؤلف رحمه الله تعالى، فإنه قد كرسها في ذكر نقولات، وفي ذكر آثار عن سلفنا الصالح، آثار متنوعة تدور حول السنة وما يتعلق بالثبات عليها والتحذير من البدع، وعرج على بعض صفات أهل السنة، وعلى بعض صفات البدع. هذا الفصل، إخواني، من الفصول المهمة، ومن الأبواب التي ينبغي لأهل الحق أن يتفطنوا إليها، وفيها فوائد عظيمة. من هذه الفوائد، فيها تسلية لأهل السنة في هذا الزمان، حيث إن الواحد منا لربما لما يرى تلكم الشبهات وتلكم الشهوات وهذه الفرق والضلالات الموجودة في هذه الأزمان، لربما يستوحش الطريق. لكن عندما ترى مثل هذه الآثار، وترى أن سلفك الصالح قد ابتلوا بما ابتليت به، وأنهم قد عانوا مما عانيت به، فإن هذا يسلي عن خاطرك، وتعرف أن لك سلفًا، وأن لك أناسًا قد عايشوا الذي عايشت. فهذا فيه تسلية لنا، إخواني في الله، لنعرف ما ابتلي به أهل السنة في تلكم الأزمان. وأيضًا فيه فائدة أخرى حول كيفية التعامل، كيف تعامل سلفنا الصالح إذا هجمت هذه الفتن، ومع هذه الآراء والأفكار التي طرأت وحدثت في أزمانهم. بدل أن الواحد منا في هذا الأزمان يبتكر الطرق الحديثة والأفكار المستحدثة والنظريات الغريبة التي شاذة عن أصول السلف، لا يا عبد الله، نحن لسنا بحاجة إلى اجتهادات من يشتهد في هذا الأزمان، فإننا نعبر بأحوال سلفنا الصالح، ننظر في فتنهم التي ابتلوا بها، وننظر كيف خلصوا وتخلصوا منها، وما هي الطرق التي فعلوها. فهم أولى وأجدر وأحرى بالاتباع من أي أحد من المعاصرين ومن المتأخرين. وكذلك في هذه الآثار، إخواني، لسنا نتعرف على فهم السلف لبعض هذه الآثار، وهذه مسألة شائكة، حيث إننا في هذه الأزمان قد ابتلينا، وقد وجدنا من بعض الأحداث ومن بعض الناشئة من لربما يمسك الأثر والأثرين، ثم يطبقهم في هذه الجماعة أو على تلكم الواقعة أو على هذه الحادثة، دون دراية عن خلفية الأثر، دون دراية من الذي قال هذا الكلام، وفيمن قالت هذا الكلام، وهل هذا له وجه العموم أو له وجه مخصوص، أو أريد به الخصوص. فليس كل اللفظ تأخذه يا عبد الله، ترمي به بزمامه وكماله وتمامه، لا بد أن تتحرى هذه الآثار، هل لها ضوابط؟ هل لها قيود؟ وسترون، إخواني في الله، أن بعض الآثار مما قد استخدم عند بعض الناس ليس على إطلاقها، وما قالها أحد بإطلاقها، وإنما هي مخصوصة لأناس معينين، إما من كانت بدعته كفرية، أو من كان رأسًا من رؤوس أهل البدع، أو من كان بلغت من فتنة بدعته أنه قد أزاغ وضل الكثير من الناس. فحين تقال له هذه العبارة، أو تقال في تلك المقالة، في خلال نظرنا، وفي خلال تباحثنا وإياكم، إخواني في الله، حول هذه الآثار، نرجع إلى فهم سلفنا، وإلى علمائنا، كيف نزلوا هذه الآثار، وهذه المقالات. وأول مقالة استفتح بها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل، مقالة مذكورة عن إمام مالك رحمه الله تعالى، وذكرها كذلك أبو يعلى في طبقات الحنابلة. قال إمام مالك رحمه الله تعالى: من لزم السنة وسلم منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مات، كان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وإن كان له تقصير في العمل. فيستفاد من هذه الفقرة، إخواني في الله، فضل وعظم هذه المقامات التي نبه عليها الإمام مالك رحمه الله تعالى، منزلة السنة، ومنزلة الصحبة، فهم من المنازل العظيمة العالية الرفيعة في دين الله جل وعلا. من لزم السنة، وقد ذكرنا في دروس ماضية أن السنة، إخواني في الله، لا يظن أن الغالب أنها تنحصر في النوافل. كثير من الناس إذا ذكرت عنده السنة، ذهب بذهنه وذهب بعقله إلى أنها هي السنة والنوافل التي من فعلها يؤجر، ومن تركها لا يؤجر ولا يؤثم، وإنما الأمر بالخيار. هذا، عباد الله، صحيح يطلق عليها السنة، ولكن ليس هذه السنة المقصودة هاهنا. وإنما السنة، إخواني في الله، هي السنة الكاملة، السنة الشاملة التي تجمع على الأقوال، وتجمع على الأفعال، وتجمع كذلك على الاعتقاد. فمن لزم السنة في كل حياته، في صغيرها وكبيرها، في عقيدته، في منهاجه، في سلوكه، في تعامله، في معاملاته، مع الصغير، مع الكبير، مع الوالدين، مع الأرحام، مع الأقارب، مع الجيران، مع نفسه، فطبق السنة، ونطق بالسنة، وعاشر الناس بالسنة، عاش عليها، وبعث عليها، ودعا إليها، فهذا السني الذي به تتنزل الكرامات في الدنيا والآخرة. فقال رحمه الله تعالى: من لزم السنة وسلم منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذلك الأمر الثاني، السلام يا عبد الله، في عرض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما تلاحظون، إخواني في الله، كيف أن سلفنا الصالح قديمًا، وكذلك حديثًا، يعظمون من شأن هذا المقام، ومن شأن هذا الجناب، جناب الصحبة، وأنهم المقامات العظيمة التي لا ينبغي أن تمس، ولا ينبغي كذلك أن تذكر بسوء، وإنما حق هذا المقام أن يذكر، وأن يثنى عليه، وأن يشكر كذلك، وأن يعطى حقه وقدره. فقال: من فعل ذلك ثم مات، كان, مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أي له المراتب العليا في الدنيا والآخرة. ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن هذه المراتب العليا تعطى لمثل هؤلاء، من لزم السنة، وتمسك، وأعطى مقام الصحبة حقه وقدره. وقوله: وإن كان له تقصير في العمل، لا يظن أن هذا من باب التهميش، أو من باب الاستخفاف بالمعاصي، لا، ليس هذا. لكن أراد الإمام مالك رحمه الله تعالى أن يبين أن عظم هذا المقام، وأن من كان مستلزمًا بالسنة، متمسكًا بها، معظمًا للصحبة، فإن من مقام ومن تعظيمه للرجل لهذا المقام، فإن الله جل وعلا يغفر له ذنبه، وإن كان قد قصر في العمل. كيف لا، وربنا جل وعلا يقول: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، هذا في حق من؟ هذا في حق موحد، من وحد الله، من وحد الله، فإن الله جل وعلا يغفر له ما سوى ذلك من ذنوب. إذا كان هذا في حق موحد، فكيف بموحد مستمسك بالسنة؟ كيف بموحد مستمسك بالسنة، معظم للصحبة؟ فهو من باب أولئك، ماذا؟ أن يدخله ربنا جل وعلا في رحمته، وهو أرحم الراحمين جل في علاه. ولهذا يقول إمام أحمد رحمه الله تعالى: يقول: روضة -يعني قبور عصاة أهل السنة- روضة من رياض الجنة، قبور عصاة أهل السنة روضة من رياض الجنة. ليس هذا من باب يعني فتح المجال للعصيان والتمرد، لا. لكن من كان على ذنب، وعلى التقصير، لكن وقع منه هذه الأخطاء، إلا أنه معظم لله، ومعظم لرسوله، ومعظم لمقام الصحبة، فإن الله جل وعلا ماذا؟ يدخله في رحمته التي شملت كل شيء. إن كان الموحد فقط بتوحيده يدخلها في رحمته، فما ظنك يا عبد الله، لمن كرس حياته بالسنة اعتقادًا، وقولًا، وعملًا، ومنهاجًا؟ وهكذا قار عن إقامة بمقام الصحبة، حفظًا لأعراض الصحابة، وامتناعًا عن زلاتهم، وكفًا عن هناتهم، وما تتبع عثراتهم، وإنما يمدحهم، يترضى عليهم في كل مقام ومقال. فهذا حق، إخواني في الله، أنه أولى الناس برحمة الله سبحانه وتعالى، كما قال: وإن كان له تقصير في العمل. وفيه كذلك بيان من إمام مالك رحمه الله تعالى أن العبد قد يصل إلى هذه المقامات العالية، مع النبيين والصديقين والصالحين والشهداء، وإن كان قصر في العمل. ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: ولا يشرط في أولياء الله المتقين أن لا يكونوا معصومين. قال: وليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا معصومين. فليس شرط أن من كان وليًا لله أن لا يخطئ، لقد لا الخطأ قد وقع، الخطأ صادر عنهم، ظنة كل بشر، فإن الإنسان عرضة للخطأ، فقد يكون رجل وليًا من أولياء الله، ويقع منه أخطاء، ويقع منه كذلك العثرات والزلات، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وكما نبه إمام مالك رحمه الله تعالى على هذا المقام، وفيه كذلك، إخواني في الله، فضل والتحذير من البدعة، وأن البدعة شر من المعصية. أن الرجل ربما قد يقع، يفعل أعمالًا صالحة، وتقع منه مخالفات، لكنه عرضة لرحمة الله جل وعلا، أن الله قد يرفع قدرها بأعمال صالحة عملها، بخلاف المبتدع، بخلاف المبتدع. فانظر الآن، فلو أن رجلًا مثلًا لزم السنة، فهو لا زال على السنة، وكذلك سلم منه أصحابه ورسول الله، فهو لا زال على السنة، فهو على السنة. فإن وقع منه تفريط أو خطأ، فهو كذلك محل رحمة الله جل وعلا. لكن لو أنه طعن في السنة، فهو ليس سني، سيكون مبتدعًا، أو أنه تعرض لجناب الصحابة، فهو كذلك مبتدع، والمبتدع، إخواني في الله، لا يغفر الله جل وعلا بدعته، لا يغفر الله بدعته. فلا يصل إلى مقام المتقين، ولا يصل إلى أولياء الله الصالحين، ولا يكن كذلك مع النبيين والصديقين في أي يوم القيامة. فهذا يدلك على أن المبتدع شأنه أخطر وأعظم من شأن العاصي. فالعاصي، ولو كان له تقصير، إلا أنه معظما لله، ولرسوله، ولمقام الصحبة، فإنه يدخل في رحمة الله جل وعلا، بل تغتنم له المقامات الرفيعة، بخلاف المبتدع، ولو كان عابدًا، ولو كان زاهدًا، ولو كان ذاكرًا، شاكرًا لله جل وعلا، إلا أنه ابتلي بالبدعة، وأصبح مبتدعًا، كمن يطعن في جناب الصحابة، أو كذلك من يطعن في السنة. فهذا، وإن فعل ما فعل من الأعمال الصالحة، فليس له المقامات العليا، لا في دنيا، ولا في الآخرة. وهنا، يا إخواني في الله، كذلك مما يناسب أن يذكر في هذا المقام، قال: وسلم منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نعلم أن الفرق، وأن الفرق التي جعلت من تديينها لله كما تزعم هي الطعن في عرض الصحابة، هم أربع فرق. وإلا الأصل أنه ما من مبتدع، كما قال علماء، ما من مبتدع إلا وفي قلبه، وفي نفسه، من الصحابة شيء. ما من مبتدع في الدنيا، لكن بعض الفرق تجرأت أن تجعل في منهجها، وأن تجعل في أصول فرقتها الطعن في الصحابة. والذي تجرأ على هذه المسألة هم أربع فرق، وهم الخوارج، والروافض، وكذلك المعتزلة، وهكذا الناصبة، النواصب، هؤلاء أربع فرق تجرأت على أن تجعل الطعن في الصحابة من أصول عقيدتها، وهكذا من أصول منهج دعوتها. ونخص بالحديث، إخواني في الله، وهؤلاء لهم شبه، لهم شبه كثيرة في الطعن في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. وفي هذا المقام، إخواني في الله، أكتفي بشبهة واحدة، ننبع عليها، لأننا خاص رأينا في هذه الأزمان أنه قد استطاع المبتدع، واستطاع الكثير من فرق الضلال أن يبثوا بين مجتمعات أهل السنة بعض الشكوك في عرض الصحابة. كما قلنا، وكما قال سلفنا قديمًا: أن المبتدع، وأن الضليل إذا أراد أن يخرج الناس من دين الله جل وعلا، فإنه لا يتجاسر أن يصل إلى الله جل وعلا، كي يتكلم في ذات الله، لا يستطيع المبتدع أن يتبجح أمام الناس بتطاوله على ربه، ينتقي الرسول، لربما يشق، ويرى أن الناس لن يتقبلوا منه أنه سيتكلم في رسول الله، أنه أخطأ، أو أنه زل، وأنه اجتهد، فما أصاب، ما يستطيع. وهكذا في القرآن، إن أراد أن يصرح للناس أن القرآن ليس هذا القرآن الذي بين أيدينا، وأنه يؤول إلى تأويلات أخرى ليست موجودة عندكم، صحيح قد يفعل هذا، غير مستساغ. فانتقلوا إلى تلك المرتبة الرابعة، هو الطعن في الصحابة، ببث الشبه، وحجة أن الصحابة من البشر، وأن لهم أخطاء، وأن لهم زلات، وأن هؤلاء ليسوا من المعصومين، وأن الأخطاء واردة في حقهم، وأن هذا أخطأ، وذاك أخطأ، وثالث أخطأ، والرابع أخطأ، وهذا الذي غضب عليه نبينا، وهذا الذي فعل فعلته، وهكذا، حتى يبث بين الناس أن هذا المجتمع ليس أهلًا لحمل دين الله جل وعلا. فبعد هذه القاعدة التي سيسطرونها لنا، وبثوها في دعاياتهم، وفي قنواتهم، وفي شبكاتهم، وفي كتبهم، ومنتدياتهم، يخرجون بخلاصة على أن كل ما جاء من قبل الصحابة، هم مشكوك، محل مظنة، ليس محل مئنة، محل مظنة أنها أحاديث جاءت من طريق الصحابة، فالله أعلم هل هذه أحاديث صحيحة مروية عن نبينا، أم هي مما صنعتها أيدي الصحابة؟ فأصبح يدورون ويحوسون على هذه النقاط، من باب تشكيك الناس بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. والشبهة المثارة في هذه الأزمان كثيرة، لكن حسبنا في هذا المقام بشبهة واحدة، يذكرها هؤلاء، ويدندنون عليها، ليظنوا أنها من الشبه، وأنها عندهم حجج تدل على أن الصحابة، ماذا؟ ليسوا أهلًا لحمل الدين، وأن الدين لا يؤخذ منهم، وأنهم بهذا الصورة قد غيروا وبدلوا في دين الله. وذلك ما جاء في الصحيح، في البخاري، وفي غيره، ما يسمى بحديث الحوض، وفيه يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: قال: ويرد علي رجال، ويرد علي رجال، أعرفهم ويعرفونني، يذادون عن الحوض، يذادون عن الحوض. وهذا في يوم القيامة، عندما يقف نبينا عليه الصلاة والسلام على حوضه، فيعطي ويشرب، ويناول أمته من هذا الحوض الذي من شربه لا يظمأ بعدها أبدًا. فعندما يزدحم الناس على حوض نبينا عليه الصلاة والسلام، يفاجئ نبينا بأن أناسًا من أمته يمنعون، ويذادون عن الحوض. قال عليه الصلاة والسلام: يرد علي رجال أعرفهم ويعرفونني، يذادون عن الحوض. فأقول: أمتي، أمتي. وفي رواية: فأقول: أصحابي، أصحابي. فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدث بعدك، إنهم غيروا وبدلوا. المبتدعة طاروا بهذا الحديث، أيما طار، وفرحوا به فرحًا عظيمًا. لماذا؟ قالوا: انظروا، انظروا يا أهل السنة، هذا حكم الصحابة عند نبيكم عليه الصلاة والسلام، يقول: أصحابي، أصحابي، ما الذي فعل بهم؟ يمنعون من حوضه، لماذا؟ غيروا وبدلوا. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ هكذا يقولون. فيلزمون عامة الناس، يقول: انظروا يا أهل السنة، هذا حكم الصحابة بلسان نبيكم، يمنعون ويطردون من حوض، لأنهم قد غيروا وبدلوا، فهم ليسوا محل مئنة، فلا نأتمن على دين الله جل وعلا. فترى هذه الشبهة، أو هذا الحديث، وهو صحيح في البخاري، يدار بين المبتدع، وخاصة عند الروافض، وغيرهم من المبتدعة، ممن يكرس منهجه في الطعن في الصحابة، بسرد هذا الحديث، وبذكره هنا وهنالك، بالشرح والإسهاب، مبينًا، وينزل هذا الحديث على أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. الرد، إخواني في الله، أهل السنة تفطنوا لهذا الحديث، وهذا الحديث كما يقول علماء، هو حجة واهية، هو صحيح، نعم، لكن مدلوله ليس كما ظن المبتدعة، فليس في هذا الحديث طعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل هذا الحديث يؤول بعدة تأويلات، وقد قام العلماء بشرح هذا الحديث على ستة تأويلات، ونحوها. لكن في هذا المقام، نقصر على ثلاث. ما معنى: أصحابي، أصحابي؟ قال علماء: يحمل هنا كلمة أصحابي، أصحابي، على أهل النفاق، على أهل النفاق. أهل النفاق قوم عايشهم نبينا عليه الصلاة والسلام في عهده، إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. المنافق وهو الذي متستر بكفره، يأتي عند نبينا، يسلم على رسول الله، يصلي معه، فهؤلاء النبي يراهم أنهم ماذا؟ من جملة أصحابه. فنبينا لا يعرف جميع المنافقين، نبينا لا يعرف جميع المنافقين مما كانوا في عهده، كما قال جل في علاه: ﴿وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾. فنبينا لا يعلم جميع المنافقين، نعم، نزل على نبينا الوحي في ذكر بعض أعيان أهل النفاق، لكن بعضهم بنص القرآن، لا يعلم نبينا عليه الصلاة والسلام، لا تعلمهم نحن نعلمهم. فهؤلاء مات نبينا، وكان يظن أن فلانًا وفلانًا من أصحابه، لأنهم كانوا في عهده أظهر الإسلام. فهؤلاء لما يبعث نبينا، فيرى من أمثال هؤلاء، يأتون على حوضه، فيذادون، فيقول: أصحابي، أصحابي، ظنًا منه أنهم كانوا من الصحابة، إلا أنهم ماذا؟ أنهم من المنافقين. فيقال: إنهم غيروا وبدلوا، أي ليسوا من الصحابة، وليسوا من أهل الإسلام أصلا. فهذا المحمل الأول هو محمل واضح، ظاهر، جلي. المحمل الثاني: قال: يحمل علماء قول: أصحابي، أصحابي، على الذين ارتدوا. تعلمون، إخواني في الله، الفتنة العظمى، والبلية الكبرى التي وقعت في الجزيرة العربية، عندما ارتد الكثير من الناس من العرب، من الذين ارتدوا. طبعًا ما يتعلق بالردة كان ذلك في فترة قصيرة قريبة جدًا بعد وفاة نبينا عليه الصلاة والسلام. مات نبينا في العام الحادي عشر من الهجرة، جاء الخليفة الصديق، بعد وفاة نبينا، استمرت خلافة الصديق سنتين، وبعد أشهر، في خلال فتنة الصديق، ما الذي وقعت؟ حروب الردة، يعني خلال سنتين من وفاة نبينا، وقعت هذه الفتنة العظمى، ارتد الكثير من العرب، ما بقي إلا مكة والمدينة. فكان بعض الناس، طبعًا قبل موت نبينا عليه الصلاة والسلام، كانوا يعرفون أناسًا، يعرفون أناسًا. فمات نبي هؤلاء، ممن ارتد، ممن ارتد بعد وفاة نبينا عليه الصلاة والسلام. فلما يأتي نبينا عند الحوض، فيرى من أمثال هؤلاء، فيقول: أصحابي، أصحابي، ظن أنه لا زالوا على الإسلام. ثم يذكر نبينا، ويبين على أن هؤلاء قد غيروا، وبين. وتأتي رواية في البخاري: قال: إنهم لا زالوا مرتدين منذ أن فارقتهم، لا زالوا مرتدين منذ أن فارقتهم. فهذا المحمل الثاني: أن هؤلاء كانوا في زمنه، ثم ارتد منهم. الثالث، وهو المحمل الثالث: أن مقصود بأصحابي، أصحابي، كلمة الصاحب، إخواني في الله، لا ينبغي أن نجعلها دائمًا في المقام الشرعي، الصاحب له معنى اصطلاحي، وهو كل من لقي نبينا عليه الصلاة والسلام، أو من رآه نبينا على الإسلام، هذا الصحابي. و هناك صاحب يكون بمعنى لغوي، وهو كل من لازمك، من لازمك، من ماشى هذا صاحبي، هؤلاء أصحابي. لما أنت تقول: هؤلاء أصحابي، هل معنى هؤلاء أصحاب رسول الله؟ متى تعني هذا؟ تعني أصحابي، صاحبك، لازمك. فقال علماء: هنا أصحابي، أصحابي، أراد نبينا أنهم من لازمه، وليس يشترط في قول نبينا: أصحابي، أصحابي، أنهم أراد من كان صحابيًا شرعيًا، هذا لا يستلزم. بل نبينا كان يستخدم اللفظ الصحابة، والصاحب في عهده، يستخدمها في غير الصحبة الشرعية. مثال ما جاء في الصحيح: لما قام نبينا، لما فعل ابن أبي سلول ما فعل، وآراد الصحابة أن يقتلوا رأس النفاق، ابن أبي سلول، امتنع نبينا عن قتله. لماذا امتنع نبينا عن قتل رأس النفاق في زمنه؟ قال: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. ما عن نبي الإجماع، ابن سلول لا يعتبر الصحابي، ما الذي عنى نبينا؟ أن الناس يتحدثون أن محمدًا يقتل أصحابه. ما معنى أصحابه هنا؟ أي صحبة العامة، لأنه بقيتنا يقول: أنظر هذا أصحاب محمد، أتبع محمد، يماشون محمد، يقتلهم محمد. فحتى لا تقع هذه الفتنة عند أذهان الناس، تارك نبينا هذا الرجل، ما هو ليس صحابي، لكن صاحب بمعنى ماذا؟ المنازمة، لأنه كان يماشي ويمشي، فهو صاحب بمعنى اللغوي العام الواسع، وليس بمعنى الصحابي الشرعي. طبعًا، أخوان، هذه ثلاثة أجوبة، هناك الرابع والخامس والسادس، ذكروا العلماء في كتبهم. فكلها تنصب بهذا المصب، أن ليس في هذا الحديث، لا من قريب، ولا من بعيد، ما يدندن به الروافض من أن هؤلاء هم أصحاب نبينا الذي مات عنهم، وهو عنهم راض. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.