التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 143

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 143

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 143، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحريم سب الدهر وأقسامه بين الشرك الأكبر والتحريم

يشرح المقطع باب "من سب الدهر فقد آذى الله" من كتاب التوحيد، مبيناً أن سب الدهر نوعان: الأول شرك أكبر إذا اعتقد الساب أن الدهر هو الفاعل للحوادث، والثاني محرم إذا سب الدهر لكونه محل المكروه مع اعتقاده أن الله هو الفاعل. كما يوضح الفرق بين الأذية والضرر في حق الله تعالى.

القسم الجائز من الكلام في الدهر وتحليل آية الجاثية

يُبيّن المقطع النوع الثالث من الكلام في الدهر وهو الجائز، وهو الإخبار المحض عن حال الزمان كشدة الحر أو البرد دون لوم أو سب، ويُميَّز بالنية. ثم يستعرض آية سورة الجاثية التي ينسب فيها الكفار الهلاك للدهر، مبيناً أن ذلك شرك أكبر في الربوبية.

تحريم سب الدهر وبيان أنه من أذى الله تعالى

يشرح المقطع حديثاً قدسياً رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ينهى فيه الله عن سب الدهر لأن الدهر هو الله مدبر الليل والنهار، ويبين أن سب الزمان يعد سباً لخالقه، مستشهداً بأقوال شعراء كابن المعتز والمتنبي والحريري كأمثلة على سب الدهر المحرم.

النهي عن سب الريح والزمن واعتبار ذلك سباً لله

يوضح المقطع أن سب الريح أو الزمن يعد سباً لله لأن الله هو مسبب الحوادث ومقلب الليل والنهار، والزمن ليس إلا ليلاً ونهاراً جعلهما الله خلفة للذكر والشكر. وينتهي الدرس بالإشارة إلى استكمال الفوائد في درس قادم.

  • 17 جمادى الأولى 1446هـ - 18/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: "من سب الدهر فقد آذى الله". ومناسب ذكر هذا الباب الذي قبله أن الباب الذي قبله في الأمر بتعظيم الله، وأن لا يقال كلام فيه مساواة المخلوق بالخالق، كقولك: "ما شاء الله وشئت". وهذا الباب في النهي عن إيذاء الله، في النهي عن إيذاء الله. وكما تعلمون أن هذه الأبواب كلها في تحريم بعض الألفاظ، إما شركية وإما محرمة لما فيها من التنقص، وهكذا لما فيها من عدم تعظيم الله عز وجل. وخلاصة هذا الباب: تحريم أمرين، تحريم اعتقاد أن الدهر فاعل للحوادث، وتحريم سب الدهر، وهذا سيأتي معنا مفصلاً. يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "فقد آذى الله". قال: لا يلزم من الأذية الضرر، فالإنسان يتأذى بسماع القبيح ولكن لا يتضرر بذلك، ولهذا أثبت الله الأذية في القرآن ونفى أن يضره شيء. فأما إثبات الأذية في القرآن فهو في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. وأما قوله: "ونفى أن يضره شيء"، فهذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، ﴿لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. فلا يلزم من الأذية الضرر. وأذى الله عز وجل من خلقه لا يشبه بأذى الخلق، فهو يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وقسم الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله سب الدهر إلى ثلاثة أقسام، إلى ثلاثة أقسام. طبعاً المراد بالدهر: الزمن، المراد بالدهر: الزمن. فقسم ابن عثيمين رحمه الله سب الدهر إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قد يكون هذا السب شركاً أكبر، قد يكون شركاً أكبر، وذلك أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، يعني ما سبه إلا لأنه يعتقد أن هذا الدهر أو هذا الزمن هو الفاعل للحوادث، هو الفاعل للحوادث، كأن يعتقد أنه هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر. فمن اعتقد هذا الاعتقاد فسب الدهر على أنه هو الفاعل للحوادث، فهذا لا شك أنه شرك أكبر، شرك أكبر في الربوبية، في الربوبية. النوع الثاني من أقسام سب الدهر: سب محرم، وصورته أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه الذي من أجله سبه. فمثال ذلك كقول بعضهم مثلاً: "هذا يوم سوء"، أصابه شيء من السوء فسب الدهر بأن وصف الدهر بالسوء. لكن إذا قيل له: لماذا فعلت هذا؟ قال: لأن الدهر هو محل هذا السوء، لا أعتقد أن الدهر هو الذي أحدث هذا وفعل هذا، وإنما سببت الدهر لأن هذا المكروه وقع فيه. فهذا محرم، هذا محرم، ويأثم صاحبه بهذا السب. ونوع أو قسم ثالث: جائز، وذلك أن يقصد الخبر المحض، يخبر دون اللوم، كأن يقول: "تعبنا من حر هذا اليوم"، أو من حر هذا الشهر، أو من حر هذه السنة، أو كذلك: "تعبنا من شدة البرد في هذا اليوم". هذا فيه شيء من الإخبار، يخبر لا بقصد سب الدهر أو هذا اليوم أو هذا الزمن. ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، يعني يوم صعب شديد. فهذا القول من هذا النبي ليس على سبيل السب، ليس على سبيل السب، وإنما على سبيل الإخبار، على سبيل الإخبار. ومثل ذلك كذلك قول بعضهم: "عام المجاعة"، هذا من باب الإخبار، أو "عام الحزن"، هذا من باب الإخبار، ليس من باب سب الدهر، ليس من باب سب الدهر. وهذا الكلام يرجع إلى نية المتكلم، قد يقول قائل: كيف نميز بين من يقول هذا ساباً ومن يقول هذا مخبراً؟ كيف نميز؟ إنما الأعمال بالنيات. فمن كانت نيته السب والعيب في هذا الزمن فهذا يأثم ويكون من قسم السب المحرم، ومن كانت نيته فقط الإخبار، يخبر أن هذا اليوم كذا وأن هذا الشهر كذا من باب الإخبار، فهذا إن شاء الله لا شيء فيه، والله تعالى أعلم. ثم ذكر المؤلف تحت هذا الباب آية وحديثاً. أما الآية فهي قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. ومعنى الآية: قال الكفار: "ما هي إلا حياتنا الدنيا"، أي ما الحياة والوجود التي نحن فيها الآن إلا هذا، فليس هناك آخرة، يعني فيه إنكار من هؤلاء للبعث والنشور والجزاء، وأن هناك يوماً آخر يرجع فيه الخلق إلى الله عز وجل. فقالوا: "ما هي إلا حياتنا الدنيا"، ما هي إلا الأيام التي نعيشها في هذه الدنيا، فإذا متنا انتهى كل شيء، انتهى كل شيء. هذا معنى كلامهم. ثم قالوا: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، يعني من يموت وينتهي، ومن يحيا، كقولهم: "إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع". هكذا يقولون: "أرحام تدفع"، يعني ناس يولدون ويعيشون، وناس يموتون فيدفنون في الأرض فتبلعهم الأرض، وانتهى كل شيء. هذا اعتقاد أهل الكفر الذين ينكرون البعث والنشور، فكانوا يقولون: "ما هي إلا حياتنا، نموت ونحيا"، يأتي ناس يعيشون، ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، أي ليس هلاكنا بأمر الله وقدره، بل بطول السنين لمن طالت مدته، والأمراض والهموم والغموم لمن قصرت مدته. فالمهلك لهم هو الدهر، يعني ينسبون الموت إلى الدهر، إلى الدهر، يعني إلى الزمن. وهذا هو وجه الشاهد من إرادة هذه الآية في هذا الباب، أن هؤلاء يعتقدون أن الدهر هو فاعل للحوادث، وهذا كما تقدم شرك أكبر في الربوبية، شرك أكبر في الربوبية. وما يصدر هذا الكلام إلا من الكفار والمشركين. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. ثم ذكر حديث أبي هريرة، قال: "في الصحيح"، والمراد بالصحيح: البخاري، رواه بهذا اللفظ، ورواه أيضاً مسلم بلفظ مقارب له، فالحديث في الجملة في الصحيحين: البخاري ومسلم. قال: "في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار). وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)". فقوله: "قال الله تعالى"، هذا يسمى بالحديث القدسي، بالحديث القدسي، أن النبي صلى الله عليه وسلم ينسب القول إلى الله سبحانه وتعالى. وقوله: "يؤذيني ابن آدم"، أن يلحق بالأذى، فالأذية لله ثابتة، وجب علينا إثباتها لأن الله أثبتها لنفسه، فلسنا أعلم من الله بالله، ولكنها ليست كأذية المخلوق، ليست كأذية المخلوق، فنؤمن بذلك ونثبت ذلك على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى وعظمته. وقوله: "يسب الدهر"، أي يشتمه ويقبحه ويلومه ويلعنه. والدهر هو الزمن والوقت، والوقت، فيشتم الدهر كما تقدم، كأن يقول مثلاً: "هذا الزمن غدار"، "هذا الوقت ومكار"، هذا من السب، أو يقول: "لعنة الله على هذا اليوم"، يلعن الأيام أو يلعن الشهور أو يلعن الزمن. وأيضاً ما جاء في كلام بعض الشعراء، كقول ابن المعتز: "يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحداً وأنت والد سوء تأكل الولد" فهذا من السب، من سب الدهر، حيث جعل الزمن والد سوء، وأيضاً قوله: "ويحك"، وهي كلمة تعني زجر، وكذلك كلمة ردع، وفيها من معنى السب. وكذلك كقول المتنبي: "قبحاً لوجهك يا زمان كأنه وجه له من كل قبح برقع" أيضاً هذا يقبح الزمن، نعم، ويشبهه بهذا التشبيه السيء، هذا أيضاً من سب الدهر. وقول الحريري صاحب المقامات: "ولا تأمن الدهر الخؤون مكره فكم حامل أخنى عليه ونابه" فخول الدهر هنا ووصفه بأنه خؤون، وهذا فيه كذلك سب للدهر، سب للدهر. فهذا هو معنى سب الدهر، فهذا مما يؤذي الله عز وجل. والعلة في ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: "وأنا الدهر أقلب الليل والنهار"، أي أن ما يقع في الدهر هو من فعل الله عز وجل، فمن يسب الدهر فكأنه يسب مقلبه، وكذلك يسب من يخلق فيه أفعال العباد، فهذا فيه لا شك سب لخالق هذا الدهر، لخالق هذا الدهر. ومعنى أن الدهر ليس هو اسم من أسماء الله، وإنما المراد كما فسر في الحديث: أي مدبر الدهر ومصرفه، والأمر له، مثل الريح وغيرها. فإذا جاءت الريح الشديدة وأضرت ببعض المباني أو بعض المزارع ونحو ذلك، فمن الذي سخر هذه الريح ومن الذي أجراها؟ إنه الله سبحانه وتعالى. فإذا سببت الريح كأنك سببت الله، وإذا سببت الزمن كأنك سببت الله، لأن الله هو الذي يوقع هذه الحوادث في هذا الزمن، فهو الذي يقلب الليل والنهار، وما هذا الزمن إلا ليل ونهار، وما هذا الزمن إلا ليل ونهار، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، أو أراد شكوراً. طيب، نكتفي اليوم بهذا، ونكمل بقية الفوائد في درس قادم إن شاء الله تعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم. شكراً.