شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 22

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 22

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الشرك وحجة المشركين في التوسل بالوسائط

يستعرض المقطع أقسام الشرك التي ذكرها ابن القيم كشرك الدعاء والإرادات، ويبين أن المشركين يحتجون بتعظيم الله بالتوسل بالأولياء والأصنام زاعمين أنها تقربهم إلى الله زلفى. وهي حجة مشركي قريش التي سيرد عليها المؤلف في مواضع لاحقة.

أنواع الشرك ورد حجة المشركين في التوسل

يبيّن المقطع نوعي الشرك: الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية، ويرد على حجة المشركين الذين يزعمون أنهم لا يعبدون الوسائط إلا لتقريبهم إلى الله. ويؤكد أن هذا هو عين الشرك الذي لا يغفره الله، وأن دعاء الموتى أو الاستشفاع بهم لا دليل عليه شرعاً ولا عقلاً.

استقلال الله بالملك والشفاعة وبطلان شرك القبوريين

يؤكد المقطع أن الله وحده يملك الملك والشفاعة جميعاً، مستدلاً بآيات تنفي ملكية المخلوقين لذرة في السماوات والأرض وتنفي عنهم الشرك والظهير. ويرد على عقيدة القبوريين القائلة بوجود أقطاب أربعة يتصرفون في الكون، معتبراً ذلك كذباً على الله وباطلاً.

الإشارة إلى ذكر أنواع الشرك في الدرس القادم

أشار المحاضر إلى أنه سيذكر أنواع الشرك في الدرس القادم، واكتفى بهذا القدر في المقطع الحالي مختتماً بقوله والله أعلم. ويُعد هذا تمهيداً لاستكمال تفصيل أقسام الشرك في الجلسة التالية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كلامه على تجريد التوحيد أقسام الشرك التي ذكرها الإمام ابن القيم، فذكر منها شرك الدعاء، وشرك الإرادات والنيات، وقال: "فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه". وهذا الشرك كما قلنا ذكره الإمام ابن القيم على أنه بحر لا ساحل له؛ لأن الإنسان قد يكون بإرادته يريد أشياء غير الله جل وعلا، فيعمل العمل الذي لله لغيره، فهذا أيضا من شرك الإرادات. لكن قد يكون هذا الشرك أكبر، وقد يكون أصغر، بحسب عمل العامل. إن كان رياء فغالبا يكون - إذا كان الرياء في العمل نفسه بعد الإخلاص - رياء، ولا يكون كفرا وشركا بالله يخرجه من الملة. قال: "فإن قيل: المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله تعالى، وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء، حال الملوك. فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه". وقال: "إياك نعبد". وهذا حجة هؤلاء أهل الشرك، أنهم يقولون: نحن مذنبون، ونحن كذا، فلا ندعو الله عز وجل، إنما نتوسل إليه بالأولياء؛ لأن الأولياء يحبهم الله ويستجيب لهم، فنتوسل بهم حتى يدعو الله عز وجل لنا. هكذا يقولون. جاء الشيطان وذكر لهم هذه الحجة، وظنوا أن هذا يخرجهم من الشرك، وما درى هؤلاء أن هذه هي حجة أيضا مشركي العرب، مشركي قريش. وهنا المؤلف سيرد عليهم في هذا. قال: "وقال: إياك نعبد، إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه وتدخل بي عليه، وهو الغاية، وهذه وسائط". وهذا كما هو معروف قاله كفار قريش: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى". ومنهم من كان يعتقد كما ذكر الإمام ابن القيم، ذكر أن من هؤلاء المشركين من كان يعتقد أن لكل صنم شيطانا، هذا الشيطان موكل بأمر الله. لكل صنم يعتقدون أن له شيطانا، هذا الشيطان موكل بأمر الله. هكذا كان يعتقد المشركون، مشركو العرب. فهم يعظمون الله ويحبون الله ويتقربون إلى الله، لكن بهذه الطريقة، طريقة الأصنام، يظنون أنها الوسيلة إلى الله. "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى". ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم، ويقولون: "هؤلاء شفعاؤنا عند الله". قالوا: "إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه وتدخل بي عليه، فهو الغاية، وهذه وسائل". فلما كان هذا القدر موجبا لسخط الله وغضبه، ومخلدا في النار، وموجبا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم، هل يجوز في العقل أن يشرع الله تعالى لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط؟ فيكون تحريم هذا إنما استفيد بالشرع فقط، أم ذلك قبيح في الشرع والعقل يمنع، وأن تأتي به شرائع من الشرائع؟ هذه كلها أسئلة يذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، ومسر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾. قال: "قلنا: الآن يرد عليهم". وهذا الكلام أخذه من كلام الإمام ابن القيم في كتابه "الجواب الكافي". قال: "قلنا: الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته. فالأول هو الشرك في الربوبية، والثاني هو الشرك في الألوهية. فأما الشرك الثاني فهو الذي فرغنا من الكلام فيه وأشرنا إليه الآن، وسنشبع الكلام فيه إن شاء الله تعالى. قال: وأما الشرك الأول فكما قلنا: أن هذا الشرك هو حجة، أو هذه شبهة هي حجة المشركين الذين قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. فهذه التي جاء بها هؤلاء، ما زادوا عليهم. فقالوا: نحن، نحن مذنبون، نحن كذا، نحن خطاؤون، نحتاج إلى من يشفع لنا عند ربنا جل وعلا، ونحتاج إلى من يدعو لنا. فيقومون ويدعون هؤلاء المقبورين. وبعضهم يقول: أننا عندما ندعو هؤلاء هم يدعون الله أن هذا... يقولون من المجاز العقلي: نحن نقول يا ولي الفلاني، يا ولي الفلاني، فهذا الولي هو الذي يدعو الله بهذا الذي نطلبه منه. أنه هكذا يقولون. وبعضهم يصرح فيقول: هؤلاء جعل الله عز وجل لهم تدبيرا في الأرض، يعني جعلهم وكلاء عليه سبحانه وتعالى معنا، مثل الوكيل. لهم تدبيرا في الأرض بإذن الله، هم يقولون بإذن الله. لكن أين هذا الدليل الذي يدل على هذا؟ أن الله عز وجل جعل له وكلاء في الأرض يدبرون الأمر من بعده وبإذنه؟ هذا لم يكن أبدا. الله عز وجل في الآيات استقل بالملك، وحتى الشفاعة استقل بها: ﴿ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ۖ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾. فليس لأحد شيئا في هذه الخليقة، ولا في هذه الأرض، ولا في هذه الدنيا. ولهذا قطع الله عز وجل هذا الكلام عن المشركين في آيات، منها قوله جل وعلا: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ فَلَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾. حتى الذرة ما يملكونها، ما في ما يملكون أي شيء. لا يكذب أحد على نفسه، وأيضا يكذب على الله أن الله عز وجل أعطى ناسا التدبير، أعطاهم شيئا من التدبير في الأرض، وكذا. الله عز وجل يقول: ﴿ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾. فقال جل وعلا: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ فَلَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ ﴾. حتى المشاركة ما لهم شيء. ﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن ظَهِيرٍ ﴾. ليس هم أعوان كما يقولون الآن: يعاونون الله ويخدمون الله، هؤلاء أولياء الله يخدمون الله، معنى كأنهم أعوان الله عز وجل. قال: ﴿ مَا لَهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴾. وما لهم فيهما من شرك، وما لهم فيهما من ظهير، وما له فيهما من ظهير، معنى: من معِين. ثم قال: ﴿ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾. لا يشفع أحد إلا من أذن الله عز وجل، ليس لأي أحد أن يشفع. فلهذا الله عز وجل قطع هذه الأمور عنهم. كل هذه الأشياء قطعها الله عز وجل في هذه الآية. لا سواء كان شريكا أو ملكا أو معينا أو غير ذلك، كل ذلك باطل. لم يجعل الله عز وجل أحدا من خلقه معينا له في شيء، أو يكون له شريكا، أو له ملك في شيء أبدا. فلهذا فهم يكذبون على الله أنه جعل أناسا يدبرون الكون معه. إيش معنى القطب؟ لما يقولون: هذا قطب، إيش قطب؟ عندهم في عقيدة القبورية أن الأقطاب أربعة، أن الأقطاب أربعة. كل قطب يتصرف في جهة: قطب في الغرب، قطب في الشرق، قطب في الجنوب، قطب في الشمال. هؤلاء يتصرفون في الكون، وكأن الله عز وجل جعل لهم هذا التدبير، فقط وليس له جل وعلا. فهذا كذب على الله جل وعلا. ثم ذكر أنواع الشرك، وإن شاء الله تعالى نذكرها في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.