الدرس في كتاب البيوع 127، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع الفرق بين المرض غير المخوف الذي تنفذ فيه تصرفات المريض كتصرفات الصحيح، والمرض المخوف الذي يخشى منه الموت وتخضع تصرفاته لأحكام الوصية. كما يوضح جواز العطية في المرض غير المخوف وعدم جواز الوصية للوارث، مع جواز إعطاء العطية للورثة جميعاً دون تخصيص.
يتناول المقطع مرض ذات الجنب كأحد الأمراض السبعة التي يشفي منها القسط الهندي مع ذكر أعراضه والأمراض الستة الأخرى. ثم ينتقل لبيان أحكام المرض المخوف فقهاً واشتراط شهادة طبيبين عدلين أو طبيب واحد عند الحنابلة لإثباته، مع ذكر الطاعون كنموذج له.
يوضح المقطع أن الهبة في مرض الموت المخوف تُعامل معاملة الوصية، فلا تصح لوارث إلا بإجازة الورثة ولا تتجاوز الثلث إلا برضاهم. ويستدل بقصة الأنصاري الذي أعتق عبيده في مرضه فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم وأجاز الثلث فقط، مع بيان أن هبة المريض تصح كهبة الصحيح إذا عوفي.
يشير المقطع إلى حديث في صحيح مسلم يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الثلث من المال حداً للوصية وعامله معاملة الوصية الشرعية. ويُعد هذا الحديث دليلاً صريحاً على جواز التوصية بالثلث وعدم جواز الزيادة عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في تصرفات المريض. تقدم معنا في أول الكلام على الهبة أن هناك ما يسمى بالعطية، وهي مثل الهبة، لكن العطية خصها الفقهاء بما يعطيه المريض في حال مرضه المخوف الذي يخاف أن يكون مرض الموت، فيعطي صدقة ويعطي هدية، فهذا يسمى عطية. قال رحمه الله: من مرضه غير مخوف كوجع ضرس، وعين، وصداع يسير. إن المرض المخوف هو المرض الذي يخشى معه الموت، وهذا يعرف بالعادة والعرف، أو قول الأطباء. وبعضهم اشترط قول طبيبين، أقل ما يقال أو ما يخبر به أقله: طبيبان ذوا خبرة، وأيضاً من المسلمين. فمتى ما كان يخشى معه الموت، وأيضاً الظن الغالب في ذلك، فإنه يسمى مرضاً مخوفاً. فهذا المريض الذي عنده مثلاً ضرس، أو عنده كسر، أو شيء من هذا، فتصرفه لازم كتصرف الصحيح، ولو مات منه. عندكم هذه العبارة: «ولو مات منه» موجودة. أن التصرفات تكون نافذة؛ لأنه في صحته وفي عقله موجود. فإذا تصرف في ماله فله ذلك. لأن بعض الناس مثلاً يعطي زوجته، يعطيها من ماله، أو يكتب لها شيئاً من البيت، فهذا عطية نافذة. لكن لا يجعلها وصية، لا يجعلها وصية، بمعنى يقول: تنفذ بعد موته. فالوصية للوارث لا تجوز، لكن لو جعلها عطية فتجوز، إلا إذا كان لولد، فلا يعطي ولداً ويترك الآخرين. لكن إذا أعطاهم جميعاً فلا بأس. قال: وإن كان مخوفاً كبرسام. البرسام: هذا مرض يشبه الجنون، غالباً يكون عن فساد في البطن في الأمعاء، فتصعد أبخرة من الأمعاء فتفسد عليه دماغه. ويسمونه في الطب: فقر دم، فقر دم الذي يسوي جنوناً. وذات الجنب: ذات الجنب يقولون: ذات الجنب مثل جراحات تظهر في الجنب، ولها دبيب كأنه شيء يمشي من الحشرات، نملة وكذا. والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا المرض، ذكره لما ذكر القسط الهندي، قال: «يشفي من سبعة أمراض، منها ذات الجنب». ذات الجنب: بإسكان الباء، أن تكون مرضاً في الجنب، أو يسمونه الالتهاب الجنبي، يؤدي إلى ألم في الصدر وضيق في التنفس. ووجع قلب، ودوام قيام. ودوام قيام معناه: يذهب إلى الخلاء، يعني عنده إسهال مزمن. وممرد، ورعاف دائم، وأول فالج. الفالج: هو ما يسمى بالجلطة، يسمونه الآن جلطة، تصيب البدن فيرتخي بعض أطرافه. مراد به الجلطة. قال: وآخر سل. السل: هذا من أمراض الصدر. والرعاف: انتشاره بقروح. والحمى المطبقة والربع: الحمى المطبقة يعني المستمرة، والربع يسمونه حمى الربع، وهذه تصيبه يوماً ثم تذهب، وبعد يوم تأتي، وبعد يومين تأتي، يسمونها حمى الربع، أو قيل أنها تعود إليه في اليوم الرابع، كأنها الحمى الفيروسية. قالوا: ما قال طبيبان مسلمان عدلان إنه مخوف. الآن كل هذا يريد أن يثبت ما هو المرض المخوف. قالوا: ما قال طبيبان مسلمان عدلان إنه مخوف. لأن هذا غالباً المرض المخوف يجعل الشخص يفعل أشياء قد تكون أحياناً بدون ما ينتبه لها. وإنما ذكروا المرض المخوف لما يترتب على ذلك من حق الوارث، حق المعطي. وهناك قول أيضاً في مذهب الحنابلة: أنه لا يشترط قول طبيبين، ولو طبيب واحد عدل. واستدل بعضهم بما جاء في مسند الإمام أحمد: أن عمر لما جرح سقاه الطبيب لبناً، فخرج من جرحه، فقال له: اعهد إلى الناس، فعهد. فيوقف بخبر الواحد إذا لم يعارضه غيره. وقاله: من وقع الطاعون في بلده. أيضاً الطاعون من الأمراض المخوفة التي يكون فيها الموت. والعلماء هنا ذكروا أن حالة الرجل في مرض موته المخوف مثل حالته أو مثل وصيته. عطيته في حال المرض المخوف مثل وصيته. وهذا ذكر بعضهم عليه أنه لا خلاف فيه، كما ذكر ابن قدامة صاحب المغني: أن المريض مرضاً مخوفاً حكم هبته كحكم الوصية. قال أيضاً: من أخذها الطلق، المرأة يأخذها طلق الحمل، الذي يأتي مع الوضع. قال: لا يلزم تبرعه لوارث بشيء. على المريض مرضاً مخوفاً، أو من وقع في بلد الطاعون، أو من ذكر المؤلف: هذا هبته تكون في حكم الوصية. فإن كانت لوارث فلا يلزم هذا التبرع. قال صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث». فإذا أوصى في ذلك الوقت لوارث فوصيته لا تقبل، أو عطيته هذه لا تقبل. ولو قال في الحياة: لو قال مثلاً: عطيت هذه المرأة أو زوجتي، عطيتها نصف البيت، وهو في مرض موته، هنا يقول: لا تقبل. وهذا قول أكثر العلماء، خلافاً للظاهرية. الظاهرية يرون أنها تقبل، ولا دليل على عدم قبول كلام المريض مرضاً مخوفاً. قال: ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة. إن مات منه: إذا وهب نصف ماله مثلاً لأجنبي في مرضه المخوف، فإذا مات الواهب فلا يعطى هذا الأجنبي نصف المال الذي وهبه إياه في مرض الموت، بل يعطى الثلث. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلث، والثلث كثير». لا يعطى نصف المال؛ لأن الرجل له في ماله الثلث، فهو يتصرف بالثلث سواء كان وصية أو في مرض موته المخوف. قال: إلا أن يجيز الورثة. إذا أجاز الورثة هذا يكون صحيحاً؛ لأنهم أسقطوا حقهم. قال: وإن عوفي فكالصحيح. إذا عوفي من هذا المرض يعتبر مثل الصحيح، تصرفاته صحيحة. واستدلوا في هذه المسألة بما جاء في صحيح مسلم: أن رجلاً من الأنصار أعتق ستة عبيد في مرضه، ولا مال له غيرهم، فاستدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فجزأهم ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة. هذا الحديث في صحيح مسلم، كما ذكر. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الثلث فقط، عامله معاملة الوصية. وهذا دليل صريح في هذه المسألة.