التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 192

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 192

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 192، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

باب لا يستشفع بالله على خلقه: معناه وصوره وحكمه

يشرح المقطع معنى النهي عن الاستشفاع بالله على خلقه، مبيناً أن طلب الشفاعة من الله عند المخلوق ينقص من عظمة الله تعالى. ويستعرض صوراً لهذا المحرم كقول "جاه الله عليك" ويفرق بينه وبين السؤال بوجه الله المشروع في الأمور العظام.

إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على الأعرابي في استشفاعه بالله عليه

يروي المقطع حديثاً ضعيفاً لكن معناه صحيح عن أعرابي طلب الاستسقاء قائلاً "نستشفع بالله عليك"، فأنكر النبي ذلك بقوله "سبحان الله" لأن ذلك ينقص من قدرة الله المباشرة. ويبين أن قول "وبك على الله" جائز في حياة النبي بمعنى طلب الدعاء فقط.

بيان جواز الاستشفاع بالنبي في حياته فقط

يوضح المقطع أن النبي أنكر على الأعرابي قوله "نستشفع بالله عليك" لتنزيه الله عما لا يليق، وبيّن أن الاستشفاع بالنبي بالدعاء جائز في حياته فقط. ويستدل بتغير وجوه الصحابة على وجوب إنكار المنكر.

ختام الدرس والإشارة إلى الأبواب المتبقية

تم الانتهاء من الباب الحالي في الكتاب ويتبقى بابان لإنهاء الكتاب، ويسأل المعلم الله العون لإتمام الدروس القادمة. ويذكر أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد": "باب لا يستشفع بالله على خلقه". ومعنى "لا يستشفع بالله على خلقه": أي لا يطلب من الله أن يشفع عند أحد من خلقه، يعني لا يجعل الله عز وجل واسطة بينه وبين خلقه، لأن معنى ذلك أن الله لا يستطيع أن ينفعك بنفسه، بل هو مجرد وسيط، مجرد وسيط، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فلا يقال: يا الله اشفع لي عند فلان. وذكر بعض أهل العلم صوراً عدة وألفاظاً كثيرة تدل على هذا المعنى، وهو الاستشفاع بالله على خلقه، وهي محرمة. لماذا؟ لأن فيها تنقصاً لحق الله عز وجل، كأن الله سبحانه وتعالى محتاج إلى خلقه، ولا يستطيع أن ينفع العبد بنفسه، عز وجل، بل هو مجرد وسيط. ولذلك يقول الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله: "الاستشفاع بالله على خلقه تنقص لله؛ لأنه جعل مرتبة أدنى"، يعني جعل مرتبة الله عز وجل أدنى من مرتبة المشفوع إليه، ذاك الذي تحتاج منه حاجة، والله عز وجل العظيم الجليل الغني سبحانه وتعالى الذي جميع الخلق محتاجون إليه، ولا يحتاج سبحانه وتعالى إلى أحد من خلقه. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. فلا شك أن هذا فيه خلل ونقص في كمال التوحيد، وهو الاستشفاع بالله على خلقه. وكما ذكرنا أن له ألفاظاً وصوراً، منها ما جاء في هذا الحديث: كأن تقول مثلاً كما جاء في هذا الحديث: «إنا نستشفع بالله عليك، نستشفع بالله عليك». هذا من ألفاظه. ومن ألفاظه قول بعض الناس إذا قيل له: هل عندك واسطة؟ فيقول: واسطتي الله عز وجل. فهذا خطأ؛ لأن الواسطة بمعنى الشفاعة، بمعنى الشفاعة، كأنك تقول: الله الذي يشفع لي. وكما ذكرنا هذا فيه تنقص لله سبحانه وتعالى. ومن تلك الألفاظ أيضاً قول بعض الناس: «جاه الله عليك أن تأكل»، أو «وجه الله عليك أن تأكل»، أو «وجه الله عليك أن تأخذ هذا المال»، إذا أريد به معنى: أبذل جاه الله أو وجه الله لكي تجيبني على ذلك، لأن هذا بمعنى الاستشفاع بالله على خلقه، بمعنى الاستشفاع لله على خلقه. لكن إذا أريد بهذا القول: «وجه الله عليك أن تأكل»، أو «جاه الله عليك أن تأخذ»، وقصد به ليس الاستشفاع، وإنما السؤال، وإنما السؤال، السؤال بوجه الله، فهذا محرم كما مر، معنى أنه لا يسأل بوجه الله إلا إيش؟ إلا الجنة. لا يسأل بوجه الله إلا الجنة. كذلك لا يسأل بجاه الله إلا الجنة. أما الأشياء الدنيئة، الأشياء الحقيرة، فهذه لا يسأل، يسأل العبد بوجه الله أو بجاه الله شيئاً منها. فإذا هذا القول دائر بين الاستشفاع بالله على خلقه، إن قصد أبذلوا جاه الله أو وجه الله إلا أن تأخذ، أو إلا أن تأكل، أو إلا أن تفعل، فهذا يقول من باب الاستشفاع بالله على خلقه. وأما إن قصد السؤال، يعني: أسألك بجاه الله، أو أسألك بوجه الله، فهذا أيضاً محرم؛ لأنه لا يسأل بوجه الله عز وجل إلا الأمور العظام، مثل الجنة، كما مر معنا في باب "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة". ثم ذكر الدليل على ذلك، فقال: عن جبير بن مطعم قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله، سبحان الله»، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، أي أنكروا على هذا الرجل ذلكم القول، حتى تغيرت أوجه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: «ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد». وذكر الحديث، وهذا الحديث رواه أبو داود كما ذكر المؤلف، وفي صناعة أهل الحديث حكموا عليه بالضعف، كما ذكر ذلك العلامة الألباني في تحقيقه على "مشكاة المصابيح". ضعف هذا الحديث، لكن معناه صحيح، معناه صحيح في إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل في قوله: «فإنا نستشفع بالله عليك». هذه هي الجملة المنكرة في هذا الحديث التي أنكرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومعنى هذا الحديث: أن هذا الأعرابي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما صار فيه من الشدة وعدم نزول المطر من السماء، فبسبب ذلك الجفاف: نهكت الأنفس، أي ضعفت من شدة الجوع وقلة الطعام، وجاع العيال، أي الأولاد، أصابهم جوع، وهلكت الأموال، الأموال يراد بها الأشجار والأغنام والإبل والبقر، هذه كلها أموال لأنها يعني يباع ويشترى فيها. فقال: فاستسق لنا ربك، ومعنى فاستسق لنا ربك: يعني ادعُ الله عز وجل أن يسقينا، ادعُ الله عز وجل أن يسقينا. وهذا جائز في حياته، جائز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب منه السقيا، بمعنى الدعاء، بمعنى الدعاء. وأما بعد موته فلا يجوز أن يستسقى بالنبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفي عهد عمر لما أصابتهم المجاعة في عام الرمادة، خرج عمر يستسقي بالناس، فجاء إلى العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا عباس، إن كنا نستسقي بنبيك، أي نطلب منه أن يدعو لنا فيسقينا الله عز وجل، والآن يا عباس نستسقي بك، بمعنى نطلب منك أن تدعو الله لنا أن يسقينا، لما عرف من صلاحه ومن كذلك قرابته من النبي صلى الله عليه وعلى الله وسلم. فلو كان الاستسقاء بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم مجازاً لفعل ذلك من عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلى قبره، وطلب منه ذلك، ولكن لعلمهم أن هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى، فلا يجوز طلب الاستسقاء من الأموات أو من الغائبين. وأما قوله: «فإنا نستشفع بالله عليك»، هذه هي الجملة المنكرة في هذا الحديث، في هذا الحديث، بمعنى أنه يستشفع بالله على خلقه، فيطلب من الله عز وجل أن يشفع لهم في نزول المطر، أليس الله عز وجل هو الذي يملك المطر، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنت الناس؟ فلماذا يجعل واسطة بينه وبين خلقه؟ فلذلك عظم النبي صلى الله عليه وسلم هذه العبارة، فسبح بقوله: «سبحان الله، سبحان الله». قال ذلك استعظاماً لهذا القول وإنكاراً له وتنزيهاً لله عز وجل، لأن «سبحان الله» بمعنى: أنزه الله عن كل عيب ونقص، والاستشفاع بالله على خلقه فيه تنقص لله سبحانه وتعالى، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله، سبحان الله». وأما قوله: «وبك على الله»، فهذا يجوز، هذه العبارة ليست منكرة، لأن معناها: نطلب منك أن تكون شافعاً لنا عند الله، فتدعو الله لنا، لأن الشفاعة، طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته هي بمعنى الدعاء، بمعنى الدعاء. هذا معنى الشفاعة في حياته، أي طلب هذا الرجل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله عز وجل أن يسقيهم، وقلنا هذا أمر جائز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته فلا يجوز. وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أيضاً يجوز، تأتي عند إنسان وتقول: ادعُ الله لنا، ادعُ الله لنا أن يغيثنا، لا بأس بذلك في حال حياته، فهو بمعنى الدعاء، فهو بمعنى الدعاء. فما الذي استنكره النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجملة التي قبل هذا، وهو قول الرجل: «فإنا نستشفع بالله عليك». فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يسبح، يعني يكرر هذا: «سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله»، استعظاماً لهذه الكلمة، لأن فيها تنقصاً لله عز وجل، حتى عرف ذلك في وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أي لما يعني أشفق على النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر على هذا الرجل هذه العبارة أو هذه الكلمة. ثم قال: «ويحك، أتدري ما الله؟». و«ويحك» كلمة يراد بها العتاب، ويراد بها كذلك التعنيف، يراد بها كذلك التعنيف. فقوله: «ويحك» يعني: لا تقل مثل هذه الكلمة، وهذه الكلمة منك خطأ. هذا معنى قوله: «ويحك، أتدري ما الله؟» تعرف ما هو شأن الله، ما هو أمر الله وعظمة الله سبحانه وتعالى، حتى تقول هذا الكلام؟ ثم قال: «إن شأن الله أعظم من ذلك»، أعظم من أن يكون واسطة بينه وبين خلقه، سبحانه وتعالى. ثم قال: «إنه لا يستشفع بالله على أحد أبداً»، لا يستشفع على الله أو بالله على أحد، أي لا يطلب من الله أن يشفع عند أحد من خلقه، لا يطلب من الله عز وجل أن يشفع عند أحد من خلقه، سبحانه وتعالى. هذا هو معنى هذا الحديث، وإن كان سنده ضعيفاً لكن معناه صحيح، كما ذكر ذلك شراح هذا الحديث، ومنهم العلامة ابن باز عليه رحمة الله. ثم قال المؤلف رحمه الله: "والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على الأعرابي قوله: نستشفع بالله عليك، نستشفع بالله عليك". قال: "المسألة الأولى: إنكاره على من قال: نستشفع بالله عليك، فدل ذلك الإنكار على أن هذا اللفظ لا يجوز، وأن فيه تنقصاً في حق الله عز وجل". قال: "الثانية: تغيره تغيراً عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة، وهذا فيه أن من سمع منكراً، ومن كذلك رأى منكراً، أن يغير ذلك، ومن التغيير التغيير باللسان، وكذلك التغيير في كذلك القلب الذي يظهر على الجوارح، الإنسان إذا غضب من شيء أو أنكر شيء بقلبه ظهر ذلك على جوارحه، فتجد وجهه يتغير، وتجد كذلك تصرفاته تختلف عن تصرف الراضي، فهذا أيضاً مما يدل عليه هذا الحديث، سواء كان من حال النبي صلى الله عليه وسلم، أو من حال أصحابه رضي الله عنهم، إذ تغيرت أوجههم لما رأوا من إنكار النبي صلى الله عليه وسلم". قال: "الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: نستشفع بك على الله، لأن قلنا ذلك يجوز، يجوز أن تقول للنبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته: نستشفع بك، أي يا محمد، على الله، أي نجعلك واسطة بيننا وبين الله بالدعاء، بالدعاء، فهذا يجوز في حال الحياة، أما في حال الموت أو في حال الغيبة فهذا لا يجوز، بل هو من الشرك بالله سبحانه وتعالى". قال: "الرابعة: التنبيه على تفسيري سبحان الله، وما هو تفسيرها؟ يعني أنزه الله، سبحان الله يعني أنزه الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا القول سبح الله، قال: سبحان الله، سبحان الله، أي أنزه الله، لأنه سمع ما فيه تنقص لله عز وجل". قال: "الخامسة: أن المسلمين يسألونه صلى الله عليه وسلم الاستسقاء، وقلنا هذا في حال حياته صلى الله عليه وعلى آله وسلم". وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، بقي معنا بابان في هذا الكتاب، نسأل الله أن يعيننا في الدروس القادمة على الانتهاء منها بإذن الله عز وجل. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر