الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 193، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ الفرق بين الباب الحادي والعشرين المتعلق بحماية التوحيد من الأفعال المنافية له، وهذا الباب المتعلق بحمايته من الأقوال المفضية إلى الشرك، مبيناً استقلالية مقصد كل باب. ويستدل بحديث وفد بني عامر الذين نادوا النبي صلى الله عليه وسلم بسيدنا فرد عليهم بأن السيد هو الله تبارك وتعالى.
يذكر أن عام الوفود كان في السنة التاسعة للهجرة، وأن وفد بني عامر نادوا النبي صلى الله عليه وسلم بسيدنا فرد بأن السيد هو الله تبارك وتعالى، مستدلين بذلك على إثبات اسم السيد لله. ويبين شروط جواز إطلاق لقب السيد على غير الله بأن يكون الملقب أهلاً للصلاح وألا يؤدي ذلك إلى محذور الإعجاب أو الذل.
يشرح قول النبي صلى الله عليه وسلم «قولوا بقولكم أو بعض قولكم» تحذيراً من الغلو في مدحه، مبيناً أن الغلو في الأفاضل من أبواب الشرك كما فعل عباد القبور. ويؤكد أن الشيطان يزين الغلو لإيقاع الناس في المحظور، فسده من أهم وسائل منع الشرك في الألفاظ.
أشار المحاضر إلى ذكر حديث أنس وقرر تأجيل مناقشة المسائل المتعلقة به إلى الدرس القادم. وختم الجلسة بقوله: "إلى هنا، والله تعالى أعلم".
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك. هذا الباب شبيه بباب تقدم معنا، وهو الباب الحادي والعشرون: باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد. وهنا قال: حمى التوحيد وسده طرق الشرك. فهل هذان البابان مكرران؟ الجواب: لا، بل كل باب أراد المؤلف منه مقصداً آخر. فهذا الباب عقده المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بحماية التوحيد من الأقوال المنافية له، من الأقوال المنافية له؛ لأن الأبواب المتقدمة على هذا الباب كلها متعلقة بالأقوال، متعلقة بالأقوال. مثل ماذا؟ مثل قول: "ما شاء الله وشئت"، أو "وشاء فلان"، ومثل كذلك قول العبد للسيد لعبده: "نعم"، أو العبد لسيده يقول له: "سيدي". هذه كلها لماذا نهي عنها؟ لماذا نهي عن هذه الأقوال؟ لأنها لربما تكون سبباً في الشرك بالله سبحانه وتعالى. فجاء الإسلام بسد كل باب يفضي إلى الشرك، سواء كان في الأقوال أو في الأفعال. فهذا الباب أراد به المؤلف رحمه الله تعالى سد الأبواب التي تتعلق بالأقوال. وأما الباب الحادي والعشرون المتقدم فهذا يتعلق بحماية التوحيد من الأفعال المنافية؛ لأن الأبواب التي تقدمته كلها أفعال، كتحريم رفع القبور، أو كذلك تحريم إسراج القبور، أو البناء عليها. كل هذه أفعال، لماذا نهي عنها؟ لأنها تفضي إلى الشرك بالله عز وجل. فالخلاصة: أن الباب الحادي والعشرين يتعلق بسد أبواب الشرك التي تتعلق بماذا؟ تتعلق بالأفعال. وأما هذا الباب فهو جاء في حماية حمى التوحيد من الأقوال المنافية للتوحيد التي تفضي إلى الشرك بالله عز وجل. إذن لا تكرار في هذين البابين، فكل باب في أمر أراده المؤلف رحمه الله تعالى. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب بحديثين. الحديث الأول: عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله تبارك وتعالى. قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان». رواه أبو داود بسند جيد، وصححه العلامة الألباني في تحقيقه على مشكاة المصابيح. ومعنى هذا الحديث: يخبر عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه أنه جاء مع وفد بني عامر، وكان هذا المجيء في عام الوفود، في عام الوفود عندما تتوافد الوفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة. فمتى كان عام الوفود؟ سنة كم؟ من يجيب؟ هذا مر معنا في الأرجوزة المئوية، من يحضرون معنا أخذنا ذلك قريباً، فهو من آخر أحداث السيرة، من آخر أحداث السيرة. فعام كم كان عام الوفود؟ سنة كم في الهجرة؟ من يقول: أنا، من يقول: أنا، عام كم؟ آه، نعم، نعم، العام التاسع الهجري، العام التاسع من الهجرة؛ لأن فتح مكة كان في العام الثامن من الهجرة، ثم بعد الفتح دخل الناس في دين الله أفواجاً. والفتح كان في رمضان في السنة الثامنة، فلما انتهى العام الثامن جاءت الوفود صاغرة مستسلمة مؤمنة بالله سبحانه وتعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة. فقوله هنا: «انطلقت في وفد بني عامر»، أي في عام الوفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. فقلت، أو فقلنا: أنت سيدنا. السيد هو ذو العظمة والفخر والشرف، قال له: سيد القوم، أو السيد، أو نحو ذلك. فجاءوا وقالوا له: أنت سيدنا. فقال: السيد الله تبارك وتعالى. استدل العلماء بهذا الحديث على إثبات اسم السيد لله سبحانه وتعالى. وقوله: «السيد الله»، يعني هذا فيه كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم هذا القول، لم ينكر عليهم هذا القول، وإنما بين لهم أن الله هو السيد، فهو سبحانه وتعالى الأحق بهذا الاسم، الأحق بهذا الاسم. وإلا يجوز إطلاقه على غير الله عز وجل، لكن بشرطين. أجاز العلماء إطلاق لفظ السيد على غير الله، وإن لم يكن مقيداً؛ لأن لفظ السيد قد يكون مقيداً، وقد يكون مطلقاً. فالمقيد: هذا لا خلاف في أنه يجوز، تقول: فلان سيد قومه، فلان سيد بني فلان، هذا لا بأس به بلا خلاف. وأما إطلاق السيد بدون تقييد، فهذا يجوز بشرطين اثنين: الشرط الأول: أن يطلق على من هو أهل له، أي لهذا اللقب أو لهذا الاسم، فلا يجوز إطلاقه على الفاسق، أو على المنافق. النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في أبي داود، وهو حديث صحيح: «لا تقولوا للمنافق سيد، فإن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم»؛ لأنه ما يستحق السيادة، فكيف تعطونها إياه وهو ليس أهلاً لها، وهو ليس أهلاً لها؟ فهذا هو الشرط الأول: أنها يجوز إطلاقها على من هو أهل له من أهل الشرف والصلاح، وكذلك العلم ونحو ذلك. هذا الشرط الأول. وأما الشرط الثاني: أن لا يخشى من إطلاقه محذور، أن لا يخشى من إطلاقه محذور. ما هو هذا المحذور؟ إما من إعجاب المخاطب الذي يقال له السيد، فيعجب بنفسه، ويتعاظم، ويغتر بهذا اللقب أو بهذا الاسم. وإما بخنوع المتكلم، يعني ذل المتكلم أمام هذا الذي أطلق عليه لفظ السيد. فإذا خشي شيء من هذه المفاسد، فلا يجوز إطلاق السيد. وقوله: «وأفضلنا فضلاً»، يعني أفضلنا في الفضل، وكذلك النبوة والرسالة ونحو ذلك. «وأعظمنا طولاً»، والطول هو الشرف والغنى، الشرف والغنى يقال له طولاً. نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا بقولكم». ومعنى «قولوا بقولكم»: يعني قولوا بهذا القول الذي قلتموه، ولا تزيدوا عليه. يعني إلى الآن أنتم أتيتم بألفاظ لا بأس بها، لكن هي قريبة من الغلو، قريبة من الغلو، فلا تزيدوا على هذا. «قولوا بقولكم، أو بعض قولكم»، يعني بعض ما قلتموه، بعض ما قلتموه، ولا تزيدوا على ذلك، ولا تزيدوا على ذلك. وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث، فأورد المؤلف الحديث من باب سد باب الغلو في مدحه، والحذر من إغواء الشيطان بالزيادة في مدحه عليه الصلاة والسلام. فإذا زادوا على هذا المدح فقد دخلوا في باب الغلو، وباب الغلو من أبواب الوقوع في الشرك، من أبواب الوقوع في الشرك. فمن أوضيع الباطل الغلو في الأفاضل، الغلو في الأفاضل. وأبطل الباطل هو الشرك بالله سبحانه وتعالى. وانظر إلى عباد القبور، كيف أنهم يغلون في المدح، فوقعوا في الشرك بالله عز وجل، فعبدوا الرسول لما يعظمون به النبي صلى الله عليه وسلم بزعمهم، من تلك المدائح التي فيها من الغلو، كقول البوصيري: «يا أكرم الخلق، مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العميم»، «فمن جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». هذا إطراء وغلو في المدح، فهذه الأوصاف إنما هي من أوصاف الرب سبحانه وتعالى، ليس من أوصاف النبي عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فهنا قوله: «قولوا بقولكم، أو بعض قولكم»، يعني لا تزيدوا على ما قلتم. فما قالوه ليس فيه غلو، وإنما الزيادة عليه ستكون من هذا الباب. ولذلك قالوا: «ولا يستجرينكم الشيطان». ومعنى «لا يستجرينكم»: أي لا يجريه الشيطان معه، لا يجريه من يأتي بهذا الغلو، الشيطان معه، فيغويكم بأن تقولوا قولاً منكراً، بأن تكونوا، وبأن تقولوا قولاً منكراً. فالشيطان يدخل على بعض الناس من هذا الباب، وهو باب الغلو، باب الغلو. فإن احذر أخي المسلم من هذا الباب، فإذا غلى الشخص في عالم، أو في زاهد، أو في عابد، فإن هذا الغلو سيوصله لا محالة إلى عبادة هذا العالم، أو ذاك الصالح، أو ذاك الولي. وهذا هو ما يفعله أهل الغلو من عباد القبور، ومن غيرهم، ومن غيرهم. فهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. فمن الأبواب التي يسد بها، أو تسد بها طرق الشرك: عدم الغلو في المدح، عدم الغلو في المدح. وهذا كما تقدم من باب سد طرق الشرك في الألفاظ، في الألفاظ. ثم ذكر حديث أنس، ومع المسائل نؤجلها إن شاء الله تعالى إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.