شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 12

شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 12

الدرس في شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الصلاة قرة عين المؤمنين ومصدر راحتهم وطمأنينتهم

توضح الأحاديث أن الصلاة كانت قرة عين النبي ﷺ وملجأه عند الهم، حيث يجد فيها السكون والطمأنينة. يفسر ابن حجر وابن القيم قرة العين بأنها النعيم الذي لا يرغب العبد في مفارقته، مفضلين الصلاة على سائر العبادات لتزكية النفس وتطهير القلب.

فرق «في الصلاة» و«بالصلاة» وقرة العين بدخولها

يبيّن ابن القيم أن قرة العين تتحقق بدخول المصلي في الصلاة وملابستها لا بمجرد أدائها ظاهريًا، مشبهًا ذلك بقرة عين المحب بملابسة محبوبه. ويدل حديث «يا بلال أرحنا بها» على أن الصلاة راحة للقلب بخلاف من يؤديها تكلفًا فيقول «أرحنا منها».

فضل الصلاة ولذة المناجاة وأثرها في حياة العبد

يصف ابن القيم حال المحبين للصلاة الذين يجدون فيها لذة المناجاة فيشتد شوقهم ويحزنون لانتهائها، بخلاف المصلين تكاسلاً. وتعد الصلاة ميزان الإيمان الصادق ومجلبة للخيرات الدنيوية والأخروية ودافعة للشرور ومفتاح التوفيق والرزق والصحة والقرب من الرحمن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا يزال الكلام على أثر الصلاة في تزكية النفوس وتطهير القلوب. ومن أوجه كون الصلاة مزكية للنفوس: أن الصلاة قرة عيون المتقين، وراحة قلوب المؤمنين. فقد جاء في سنن النسائي من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة»، أي: جعلت الصلاة راحة وطمأنينة وسكينة ولذة لقلبي ولنفسي. وكذلك جاء عند الترمذي من حديث رجل من خزاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لبلال: «يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بهذه الصلاة»، فنحن مشتاقون إليها لما نجد فيها من الراحة والسكينة واللذة، ونحو ذلك. وكذلك جاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى. ومعنى «حزبه» يعني: أهمه وأزعجه أمر، فهَرَع إلى الصلاة لما يجد فيها من ذهاب همه وغمه وحزنه صلى الله عليه وسلم. فهذا أيضًا بهذا المعنى. وأيضًا قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عندما نرى آية الكسوف أو الخسوف، تلك الآيتان: خسوف الشمس والقمر، التي بهما يخوف الله عز وجل بهما عباده، أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نفزع إلى الصلاة لما فيها من الطمأنينة والسكينة وإزالة الخوف من القلوب. ولأهل العلم كلام بديع حول هذه الأحاديث المتقدمة، نقرأ منها ما تيسر لما فيها من معاني الراحة والطمأنينة التي يجدونها في الصلاة. فيقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال حديث أنس: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، قال: ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه يود أن لا يفارقه، أن لا يفارقه ولا يخرج منه؛ لأن فيه نعيمه، وبه تطيب حياته. فالذي ذاق طعم الصلاة وذاق الراحة والطمأنينة في الصلاة يود أن الإمام لم ينتهِ من هذه الصلاة. لماذا؟ لأن من كانت قرة عينه في شيء فإنه يود أن لا يفارقه. لو مثلًا جُمعت قرة العين... قرة العين: الشيء الذي يسر به الشخص إذا نظر إليه، فينشرح صدره ويرتاح وترتاح نفسه. ولذلك ماذا كان من دعاء عباد الرحمن؟ ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. ما معنى «قرة أعين»؟ يعني: ما يكون عليه الأولاد أو الزوجة من الصلاة والخير والبر والطاعة. وكذلك فلما يرى الأب من أولاده المحافظة على الصلاة وحفظ القرآن والبر والطاعة له، لا شك أن عينه تقر بما يرى من زوجته أو من أولاده. وكذلك في الأشياء الحسية: لو أنك تنظر إلى شيء جميل، ذهبت رحلة فذهبت إلى بستان، أو في يوم كان منظرًا ممتعًا وجميلًا، تنظر إلى الأشجار وتنظر إلى المناظر الطبيعية الخلابة، تود أنك ماذا؟ أنك لا تفارق هذا الجمال وهذا الحسن الذي تراه. فهذا معنى قرة العين. فقوله: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، أي: أنه يجد راحته وطمأنينة قلبه بحيث أنه لا يود أن يفارق وأن يخرج من هذه الصلاة لما يرى من النعيم ومن اللذة ومن الراحة. هذا معنى كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. أما ابن القيم فكما هو معلوم من كلامه البديع الجميل، فله كلام كثير حول هذا الحديث وحديث بلال المتقدم. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى كما في «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: «لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: جعلت قرة عيني في الصوم، قال: ولا في الحج والعمرة، وإنما قال: جعلت قرة عيني في الصلاة. قال: وتأمل قوله: جعلت قرة عيني في الصلاة، ولم يقل: بالصلاة. ما الفرق بين قوله: في الصلاة، وبالصلاة؟ "في" تفيد الظرفية كما هو معلوم عند أهل العربية، بمعنى: جعلت قرة عيني عندما أدخل في الصلاة، ليس عندما آتي إليها، وإنما عندما أدخل إليها. هذا معنى قولي: ولم يقل: نعم بالصلاة، ولم يقل: بالصلاة، وإنما: في الصلاة. قال: وتأمل قوله: جعلت قرة عيني في الصلاة، ولم يقل: بالصلاة، إعلامًا بأن عينه إنما تقر بدخوله فيها، بدخوله فيها، كما تقر عين المحب بملابسته محبوبته. لو قيل لإنسان: ستعطى سيارة طيبة، ولم يرَ هذه السيارة... سنمثل بالسيارة، وإن كان ربما قصد ابن القيم قصدًا آخر، لكن المهم: أي شيء تقر به العين؟ فلو قيل لإنسان: ستعطى سيارة وصفت كذا وكذا، سيفرح لا شك، لكن ما ستقر عينه إلا لما يراها ويركبها ويسوقها، فحينئذ يرتاح وتقر عينه ويتأكد من الوصول إلى محبوبه، من الوصول إلى محبوبه. فهذا معنى قوله: إنما تقر بدخوله فيها، كما تقر عين المحب بملابسته محبوبته. قال: وتقر عين الخائف بدخوله في محل أمنه. لو إنسان خائف، قيل له: لا تخف، سيأتي الفرج، وسمعنا أن هذه الحرب مثلًا ستتوقف هنا، ما سيقر وما سيذهب عنه خوفه إلا إذا... إلا إذا دخل في محل أمنه، تحقق الأمن على الواقع، ليس بالكلام، على الواقع. فهذا معنى قوله: كما تقر وتقر عين الخائف بدخوله في محل أمنه. قال ابن القيم: فقرة العين بالدخول في الشيء أكمل وأتم من قرة العين به قبل الدخول، قبل أن يلابس الشيء. فلا شك أنه يفرح، لكنه لا يكون مثل ما يتحقق له ذلك الشيء فيدخل فيه. قال: ولما جاء إلى راحة القلب من تعبه، قال: أي النبي صلى الله عليه وسلم: يا بلال، أرحنا بها، يشير إلى الحديث المتقدم. قال: أي: أقمها لنستريح بها من مقاسات الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نزله، وقر فيه، وقر فيه. قال: وتأمل كيف قال: أرحنا بها، ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغرما. قال: فالفرق بين... بين من كانت الصلاة لحوائجه قيدًا، ولقلبه سجنًا، ولنفسه عائقًا... يعني: بعض الناس يصلي إنما يريد أن يؤدي هذا الفرض الذي ألزم به، ولم يستشعر معاني هذه الصلاة، ولم يطمئن فيها، ولم يجد راحته وسكينته فيها. فهو الآن... ابن القيم يعمل مقارنة بين من تطيب نفسه وترتاح نفسه في الصلاة، وبين من يؤديها من أجل أن يسقط الفرض عن نفسه فقط. قال: ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغرما. فالفرق بين... بين من كانت الصلاة لحوائجه قيدًا، ولقلبه سجنًا، ولنفسه عائقًا، وبين من كانت الصلاة لقلبه نعيمًا، ولعينه قرة، ولحوائجه راحة، ولنفسه بستانًا ولذة. انتهى كلامه من «طريق الهجرتين». وقال أيضًا ابن القيم في كتابه «الوابل الصيب»: «فلا شيء أقر لعين المحب، ولا ألذ لقلبه، ولا أنعم لعيشه منها»، أي: من الصلاة. «إن كان محبًا، فلا شيء أهم إليه من الصلاة، كأنه في سجن وضيق وغم حتى تحضر الصلاة، فيجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح». يا إخوة، هل هذه المعاني نجدها عند إقبالنا إلى الصلاة؟ ابن القيم رحمه الله يعبر بهذه الكلمات عما يجده في نفسه تجاه هذه الصلاة، فيقول: «فلا شيء أهم إليه من الصلاة، كأنه في سجن وضيق وغم حتى تحضر الصلاة، فيجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح». كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا بلال، أرحنا بالصلاة»، ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المبطلون الغافلون. بعض الناس ربما إذا أطال الإمام قليلًا صاح وقال: تطيلون على الناس، وكذا وكذا، سبحان الله! قال: فالصلاة قرة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم. يحملون هم الفراغ منها... يعني: إذا انتهوا منها، ربما يحضرهم شيء من الغم لأن الصلاة قد انتهت. يحملون هم الفراغ منها إذا دخلوا فيها... إذا دخلوا فيها، يعني: أشق ما يكون عليهم متى تنتهي هذه الصلاة؛ لأنهم يجدون راحتهم ولذتهم فيها. قال: يحملون هم الفراغ منها إذا دخلوا فيها، كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يغضيها بسرعة، حتى يغضيها بسرعة. يعني: هنا أيضًا أتى بفارغ بين المحب لهذه الصلاة، وبين كما عبر هنا ابن القيم: الفارغ البطال الذي يؤديها فقط لإسقاط فرضها. فيقول هنا: الذي محب لهذه الصلاة إذا دخل في الصلاة، أهمه الفراغ منها، مثل ما كذلك يسرع فيها ذلك الفارغ فيريد أن يغضيها بسرعة. نعم، فهو يحمل هذا الفارغ هم القضاء منها. نعم. قال: فلهم فيها شأن، وللنقرين شأن، يشكون إلى الله سوء صنيعهم بهم إذا أتموا بهم، كما يشكو الغافل المعرض تطويل إمامه، تطويل إمامه. فسبحان من فاضل بين النفوس وفاوت بينها، هذا التفاوت العظيم. ثم قال: وبالجملة، فمن كانت قرة عينه في الصلاة، فلا شيء أحب إليه... فلا شيء أحب إليه وأنعم عنده منها، وبوده أن لو قطع عمره بها، غير مشتغل بغيرها، وإنما يسلي نفسه إذا فارقها بأنه سيعود إليها عن قرب؛ لأن الصلوات خمس في اليوم والليلة، فهو دائمًا يثوب إليها. ولذلك كان بعض السلف يقول: «ما تهت الصلاة إلا وأنا للذي بعدها أشوق»، يشتاق إلى الصلاة التي بعدها. قال: فهو دائمًا يثوب إليها، ولا يقضي منها وطرًا. فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان العادل الذي وزنه غير عائل، يعني: غير مائل. فإذا الصلاة هي الميزان، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: «أول ما يحاسب عليه العبد في قبره الصلاة، فإن صلحت فقد صلح جميع عمله أو سائر عمله، وإن فسدت فقد فسد سائر عمله». فهي الميزان لوزن إيمان ومحبة العبد لله سبحانه وتعالى. ويقول ابن القيم كذلك في «زاد المعاد»: كلام بديع، وكلام كذلك بليغ في فوائد الصلاة، ومنها ما يجده المسلم من لذة وراحة فيها. يقول ابن القيم في «زاد المعاد»: «الصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن». ثم قال: وبالجملة، فلها... أي: الصلاة، فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما، ودفع المواد الرديئة عنهما. قال: وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية، إلا كان حظ المصلِّي منها أقل، وعاقبته أسلم. وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهرًا وباطنًا. فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة، ولستجلبت مصالحها بمثل الصلاة. قال: وسر ذلك أن الصلاة صلة بالله عز وجل، وعلى قدر صلة العبد بربه عز وجل تفتح عليه من... أو تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه عز وجل. إن أردت التوفيق يا عبد الله، حافظ على صلاتك. إن أردت التوفيق يا عبد الله في حياتك الدنيوية بل والأخروية، حافظ على صلاتك واعتني بها، واجعلها من أولويات اهتماماتك. قال: وتفيض عليه من مواد التوفيق من ربه عز وجل. ثم قال: والعافية والصحة والغنيمة والغنى والراحة والنعيم والأفراح والمسرات، كلها محضرة لديه ومسارعة إليه. كل هذه النعم الدينية والدنيوية إنما ينالها من قام بصلاته وسارع إليها، فتسارع إليه هذه النعم الدينية والدنيوية. وبهذا نكتفي، وإلى هنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.