الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 141، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سلسلة رواة حديث «ونفخ في الصور» في صحيح البخاري، مبيناً حال الرواة وكونهم من حفاظ خراسان. ويناقش منهج الإمام البخاري في تفضيل رواية الحفاظ وإن نزل الإسناد، مقارناً ذلك بمنهج الإمام مسلم مع توضيح نسب زكريا بن أبي زائدة.
يتناول المقطع توثيق راوي الحديث زكريا بن أبي زائدة ومكانته بين رواة الشعبي وأبي إسحاق، مع ذكر حفظ عامر الشعبي واعتماده على الذاكرة. ثم يشرح آية النفخ في الصور مبينًا وجود نفختين: نفخة الصعق ونفخة البعث، مستدلًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤيته موسى متعلقًا بالعرش بعد النفخة الآخرة، ويختم بحديث صاحب القرن (إسرافيل) واستعداده للنفخ دالًا على قرب الساعة.
يشرح المقطع حديث «بُعثت أنا والساعة كهاتين» دالاً على قرب الساعة، ويذكر أن النفخة الأولى تصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، ثم النفخة الثانية للبعث. وأن النبي صلى الله عليه وسلم أول من يرفع رأسه فيجد موسى متعلقاً بالعرش دون أن يدري إن كان سبق بالقيام أو كان من المستثنين.
يختتم المتحدث الحديث النبوي الذي يصف رؤية النبي موسى عليه السلام متعلقاً بالعرش، مبيناً أن الحديث لا يحدد إن كان ذلك قبل النفخة أو بعدها. ويكتفي بهذا القدر من الشرح مع الشكر للمشاهدين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: ونُفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون». قال رحمه الله: حدثنا الحسن. قال: الحسن هو ابن شجاع البلخي، الحافظ الكبير، يعتبر من حفاظ الدنيا، حفاظ خراسان، وهو أصغر من البخاري، لكن البخاري للتواضع روى عنه. وقيل أنه في بعض النسخ جاء الحسين وليس الحسن، لكن أكثر النسخ أنه الحسن. ويقول الإمام أحمد رحمه الله: «الحفاظ شباب من خراسان». معنى الحفاظ الذين يطلق عليهم «حفاظ شباب من خراسان»: محمد بن إسماعيل البخاري، وعبد الله بن عبد الكريم الرازي، والحسن بن شجاع البلخي، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي هو الدارمي، هو محمد الدارمي صاحب السنن. هؤلاء الأربعة ذكرهم الإمام أحمد رحمه الله وشهد لهم بالحفظ أنهم حفاظ، وهم من تلامذته. وكذلك أيضًا ذكرهم قتيبة بن سعيد، وذكر معهم اللؤلؤي، وهو أيضًا حافظ. وخراسان أخرجت حفاظًا كبارًا، فعنى لا يُجارون في حفظهم، فصار الحفظ أكثره في خراسان. أي هذا في آخر عهد أتباع التابعين، صار أكثر الحفاظ من خراسان، وفي مقدمتهم هذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وكذلك الحسن بن شجاع البلخي. قال: حدثنا إسماعيل بن خليل، وهو الخزاز، وهو حافظ كذلك، وهو أيضًا بلخي. قال: أخبرنا عبد الرحيم. عبد الرحيم هو الكناني، وهو حافظ كبير. وهنا البخاري روى عن الحسن، عن إسماعيل، عن عبد الرحيم، مع أنه يروي عن زكريا بن أبي زائدة بواسطة واحد، لكن هنا رواه بواسطة ثلاثة. وهذا يعتبر من النزول في الإسناد، لكن البخاري رحمه الله غالبًا لا يبالي بالنزول، لأن مثل هذا النزول لا يضر، أو لا حفاظ كبار هم أعرف بالحديث وأحفظ له، فرواية الحديث عن الحفاظ ولو كان أنزل أفضل من روايته عن غيرهم ولو كان أعلى، أو لو كان بعلو. وهذا أيضًا من الميزات التي تميز صحيح البخاري عن صحيح مسلم، فمسلم رحمه الله إذا رأى الحديث أو إذا كان عنده الحديث بعلو وراويه فيه شيء يرويه، ولا يروي الذي يكون عنده بعلو، بخلاف البخاري، البخاري يترك رواية العلو إذا كان أصحابها ليسوا بذلك بالثقات، أو يكونون من الثقات لكنهم في حفظهم شيء، فيترك روايتهم أو يجعلها متابعة. لكن أكثر ما يذكر يذكر رواية الحفاظ ولو كانت بنزول. فهنا هذا الحديث رواه بنزول، وهو يروي عن زكريا بن أبي زائدة بواسطة واحد، لكن هنا روى عنه بواسطة ثلاثة. قال: عن زكريا بن أبي زائدة. وزكريا بن أبي زائدة، أبو زائدة هو خالد بن ميمون، وهو همداني. وادعى أنا من همدان، وهمدان هذه قبيلة من قبائل أهل اليمن، وكانوا بالكوفة. وأنا لما ظهر أنه أيام البعثات ذهب كثير من همدان، أنا بإسكان الميم: همدان. وأيضًا بالمهملة بالدال المهملة أن هناك قبيلة أو منطقة في خراسان تسمى همدان، فهذه همدان ليست قبيلة وإنما هي منطقة، وهذه قبيلة همدان هي قبيلة من قبائل اليمن. ووادعة من قبائل همدان، أو همدان لا بفتح الميم، لكن همدان التي هي القبيلة بإسكان الميم، وهمدان بفتح الميم. فزكريا بن أبي زائدة من أصحاب الشعبي، وأصحاب أبي إسحاق السبيعي، أنا من حفاظ أصحاب عامر الشعبي، لكنه ليس في منزلة إسماعيل بن أبي خالد، فأوثق الرواة عن الشعبي هو إسماعيل بن أبي خالد، وأوثق الرواة عن أبي إسحاق: شعبة وسفيان. ذكر الإمام أحمد ويحيى بن معين أن زكريا بن أبي زائدة روايته عن أبي إسحاق كرواية زهير بن أبي معاوية، وكذلك إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق. معنى قالوا: روايتهم سواء، لأنهم رووا عن أبي إسحاق بعدما كبر. قال الإمام أحمد: «الحفاظ من أصحاب أبي إسحاق: سفيان وشعبة». قال: عن زكريا بن أبي زائدة، عن عامر. عامر الشعبي كان حافظًا من حفاظ الكوفة، يقول: «ما كتبت سوداء على بيضاء»، أنا ما نسخ شيئًا، وإنما كان يحفظ، كان يحفظ رحمه الله حافظًا كبيرًا، أنا يعتمد على حفظي الصدر، ما كان يكتب، وكان حافظًا كبيرًا، حفظ أشياء كثيرة من الحديث. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة». وجاء في لفظ آخر: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أدري هل أنه لم يبعث أو أنه استثني». وهذا الحديث ذكره هنا الإمام البخاري عند هذه الآية: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾. هنا في هذه الآية بيّن الله عز وجل أن هناك نفختين: نفخة هي نفخة الصعق، ونفخة أخرى هي نفخة البعث. وقيل أن هناك بينهما نفخة تسمى نفخة الفزع، لكن الظاهر أن نفخة الفزع هي نفخة الصعق. فينفق الله عز وجل، أو يأمر الله عز وجل الملك فينفق في الصور. وهذا الملك اشتهر عند العلماء واشتهر عند الناس أنه إسرافيل، لكنه لم يثبت في الأحاديث، لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه إسرافيل، لكنه اشتهر ذلك. وقد صحى عندي أعلى، والحديث أصله في الترمذي: في الحديث بسعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وكيف أنعم وصاحب القرن قد انحنى والتقم القرن». قال: «كيف أنعم وصاحب القرن قد انحنى والتقم القرن، ينظر متى يؤمر بالنفخ». هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: أن صاحب القرن، أي الملك الذي وكله الله عز وجل بالنفخ في الصور، الصور هو القرن، أن القرن هذا يسمى صور. فهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كيف أنعم أنا كيف أنعم بهذه الحياة وملك الصور قد انحنى والتقم والتقم الصور والقرن». الحنى: معنى يستعد في النفخ، والتقم: هذا الصور حتى ينفخ فيه. قال: «ينظر متى يؤمر أن ينفخ». وهذا يدل على أن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام تكون قرب قيام الساعة، ولهذا في حديث عوف بن مالك: «عد ستًا بين يدي الساعة»، وذكر أولها بعثتي، أي بعثة النبي عليه الصلاة والسلام تعتبر من أشراط الساعة. وقد جاء في الصحيحين في حديث سهل وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بُعثت أنا والساعة كهاتين»، معنى أنه قرب، هذا الأصبع يقرب من الأصبع الوسطي، فعنى هذا كله قد انتهى، ما بقي إلا شيء يسير من هذه الدنيا، وعثت الساعة، أنا والساعة كهاتين. ولهذا فهي كما قلنا: مبعث النبي عليه الصلاة والسلام قرب قيام الساعة، فلهذا فإن صاحب الصور قد التقم القرن وينظر متى يؤمر أن ينفخ. فهذه النفخة قال الله عز وجل: ﴿ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾. فهنا استثنى ربنا جل وعلا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلا أدري، فلا أدري أن موسى بعثة، أو أنه من من استثني، أو أنه من من استثني إلا من شاء الله». أن استثنى الله عز وجل هناك مخلوقات استثناها الله عز وجل أنها لا تصعق، لا تصعق بالنفخ. فقيل: أن ملك الموت، أو ملك أيضًا الذي ينفخ، لا يدخل فيهم. وجاء حديثنا كي تداوله كثير من الوعاظ، وقد ذكره الحاكم في المستدرك، وذكره أيضًا الأصبهاني في الترغيب والترهيب، وغيرها من الكتب، على أن الله عز وجل إذا نفخ في الصور فإنه بعد ذلك يميت ذلك الملك الذي نفخ في الصور، وينهي المخلوقات كلها، ثم يقول الله عز وجل: «أنا الملك، أين ملوك الأرض»، كما تقدم معنا في الحديث الذي سبق، ويقول: «لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار». فلهذا، لكن كما قلنا هذا لم يثبت بإسناد صحيح، فالله أعلم: هل هؤلاء الملائكة ممن يستثنى من النفخ، أو أنهم داخلون في هذه الصعقة؟ فيأمر الله عز وجل بالنفخ في الصور فيصعق، أن يموت كل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. ثم قال جل وعلا: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾. وهذه نفخة البعث. وسيأتي إن شاء الله تعالى أن بينهما أربعين. وسيأتي في الحديث الذي يأتي بعد هذا أن ما بين النفختين أربعون. فقال هنا في هذا الحديث: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة». أنا لما إذا نفخ في الصور النفخة الأخرى، قال الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾، فأول من يقوم هو رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. قال: «فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش»، يعني يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه هو أول من يقوم، وهذا أيضًا من ما ميزه الله عز وجل بهذا الأمر أنه أول من يقوم، لكن يجد أن موسى متعلق بالعرش، فيقول: «لا أدري، أكذلك كان أم بعد النفخة». أنا بعد النفخة قام قبل النبي عليه الصلاة والسلام وتعلق بالعرش، أم أنه من من استثني؟ واعترض بعضها العلم أنه لم يستثني أحد الله عز وجل من البشر، لكن هذا لم يأتي فيه شيء، فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يتكلم لأنه ما عنده شيء في الوحي، فقال: «فلا أدري، أكذلك كان أم بعد النفخة». وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيدًا في الكلام على هذه المسألة في الحديث الذي يأتي بعد. فقال: «فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة». فهذا ما يذكر في هذا الحديث، إن شاء الله تعالى نكتفي به، والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة.