كتاب التفسير من صحيح البخاري 299

كتاب التفسير من صحيح البخاري 299

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 299، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بداية الوحي ونزول أول آيات سورة العلق في غار حراء

ابتدأ الوحي برؤى صادقة للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أحب الخلوة وتعبد في غار حراء حيث فاجأه الملك جبريل وأمره بالقراءة، فاعتذر النبي بأنه لا يقرأ، فعانقه ثلاث مرات حتى بلغ الجهد، ثم أنزل عليه أول آيات سورة العلق: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾.

موقف خديجة رضي الله عنها وورقة بن نوفل من نزول الوحي

رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة مرتجفاً فآزرته وطمأنته بأخلاقه الحميدة، ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل الذي كان على دين النصرانية فبشره بالنبوة وأخبره أنه سيخرج ويؤذى كما أوذي من جاء بمثل ما جاء به.

فترة الوحي ونزول سورة المدثر وبداية الرسالة والإنذار

توفي ورقة بن نوفل فتر الوحي فترة أحزن فيها النبي، حتى نزل عليه الملك مرة أخرى فأنزل الله سورة المدثر فأمر بالإنذار والتكبير والطهارة وهجر الأوثان، ثم تتابع الوحي بعد ذلك، مبيناً الفرق بين النبوة بسورة العلق والرسالة بسورة المدثر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب. حدثنا يحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري. قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي، إمام أهل مصر. عن عقيل، وهو ابن خالد الأيلي. والليث قد سمع من ابن شهاب، لكن عقيل كان ملازماً لابن شهاب، فلذلك أخذ منه الليث. قال: عن عقيل، عن ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر. قال: حدثني سعيد بن مروان، وسعيد بن مروان شيخ البخاري، إسناد آخر. قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، وهو مروزي. قال: أخبرنا أبو صالح سلمويه. قال: حدثني عبد الله، وهو ابن المبارك. وهؤلاء مراوزة، وصالح سلمويه مروزي، وعبد الله بن المبارك هو إمام أهل المرو، بل إمام أهل خراسان. قال: عن يونس بن يزيد، وهو الأيلي. قال: أخبرنا... قال: أخبرنا... قال: أخبرنا ابن شهاب. وأنا الآن عقيل ويونس رويا عن ابن شهاب الزهري. أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام قالت: كان أول ما بُدِئَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. أي: إذا رأى رؤيا تحققت هذه الرؤيا. قالت: ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء فيتحنث فيه. قال: والتحنث: التعبد الليالي ذوات العدد. هذا تفسير الزهري، ليس من الحديث، وإنما هو من تفسير الزهري: التحنث والتعبد الليالي ذوات العدد. فقوله: «يتحنث في غار حراء»، أي: يتعبد، يصلي ويكون صائماً. قال رحمه الله: وقال: قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ويذهب إلى الغار فيجلس أياماً يتعبد، ثم يرجع. قال: ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثلها، حتى فجأه الحق. فجأه: أي فاجأه. قال: حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجأه الملك فقال: «اقرأ». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بقارئ». وجاءه الملك على صورة رجل، فقال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ». أي: لست أقرأ، أنا ما أستطيع أن أقرأ لأني لم أتعلم القراءة. قال: «فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، أو حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾». قال: له: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم». أن هذه الأشياء وهذا الكلام لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسمعه، فلذلك تفاجأ بهذا الكلام. قال رحمه الله: قالت عائشة رضي الله عنها: فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة. وهذا الذي أخبرها هو رسول الله، وإلا فعائشة لم تدرك هذا، لكن أخبرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدخل على خديجة فقال: «زملوني، زملوني، زملوني». معنى: غطوني، من مثل البردان الذي يكون فيه برد يغطى. قال: فزملوه حتى ذهب عنه الروع، معنى: الخوف. قال لخديجة: «يا خديجة، ما لي؟ لقد خشيت على نفسي». فأخبرها الخبر، أنا قص عليها هذا الذي قصه على عائشة، فأخبرها الخبر. قالت خديجة: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً». وهذا يدل على حنكة هذه المرأة، وأنها امرأة عاقلة، وهي التي آزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف. قالت: «كلا، أبشر، فالله لا يخزيك الله أبداً». ثم استدلت بأفعال النبي عليه الصلاة والسلام التي كان عليها قبل الإسلام. أنا... أنا تقول: كأنه رجل على هذه المثابة وعلى هذه الأخلاق لا يخذله الله. قال: «فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل». تحمل الكل: أي تحمل الشيء الثقيل الذي يكل على الآخرين أن تعاونهم عليه. «وتكسب المعدوم، وتقري الضيف». تقري الضيف: أي تضيف. تكسب المعدوم: معنى أنك تأتي للناس بما يحتاجون. «وتعين على نوائب الحق». والمعدوم: هو الذي ليس عنده شيء. قال: «وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». أن تعاون الناس في الملمات، وهذا قليل من معنى من يفعل ذلك، إذا اضطر الناس عاونهم، وأيضاً بحث عن الطرق في حل أزماتهم. قال: فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة، أخو أبيها. أنا خديجة بنت خويلد... ابن نوفل، وهذا ورقة عمها. ورقة بن نوفل أخو خديجة، أخو خويلد بن العوام بن نوفل. قال: قال... قال: وابن عم خديجة، أخي أبيها. وخديجة أسدية من بني أسد من قريش. وكان امرأً تنصر في الجاهلية. ورقة بن نوفل، وعمر... وزيد بن عمرو خرجا معاً كما ذكرت أسماء بنت أبي بكر، كما في البخاري، خرجا معاً يبحثان عن الدين. فأما ورقة فتنصر، وجد أن أقرب دين إلى الله النصرانية فتنصر. وأما زيد بن عمرو فلم يعجبه الدين النصراني، لكن حاول أن يكون مع بعض القسس، ثم أخبره قسيس أن هذا الزمان زمان نبي يخرج من مكة. فمات زيد بن عمرو ولم يرسل النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يبعد، وإلا فقد لقيه لما كان داخل مكة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أعلاها، فوجده فجلس معه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لزيد بن عمرو: «يا زيد، ما لأرى قومك قد آذوك؟ قد غضب عليك». فذكر له أنه ينهاهم عن عبادة الأصنام، عن الموءودة وقتلها، وكذا، وذكر له قصته، وكان معه زيد بن حارثة. قال: وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي. فقالت خديجة: «يا عم، اسمع من ابن أخيك». قال ورقة: «يا ابن أخي، ماذا ترى؟» فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام خبر ما رأى. فقال ورقة: «هذا الناموس». ناموس: هو الشيء الخفي، والمراد به الوحي. قال: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جدعاً». جدعاً: معنى شباباً، مثل الجدع القوي. «ليتني فيها جدعاً، ليتني أكون حياً». ذكر حرفاً: معنى «ليتني فيها جدعاً» إذ يخرجك قومك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أو مخرجي هم؟» أو مخرجيهم. وهذا على... كما يقول أهل اللغة: على لغة «أكلوني البراغيث»، «أكلوني»، أو مخرجيهم. قال ورقة: «نعم، لم يأتِ رجل بمثل ما جئت به إلا أوذي، ويدركني يومك حياً، أنصرك نصراً مؤزراً». ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي. والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن ورقة مؤمن. قال: «لا تسبوا ورقة، فإنه مؤمن»، لأنه آمن بهذه الرسالة، لكن توفي قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، أو قبل أن يأتي الوحي، وقبل أن يتتابع الوحي. قالت: وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن شهاب: أخبرني أبو سلمة، أن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يحدث عن فترة الوحي: قال في حديث: «بينا أنا أمشي، سمعت صوتاً من السماء». معنى: النبي صلى الله عليه وسلم رأى الملك في غار حراء، ثم رآه مرة أخرى وهو راجع. قال: «فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، ففزعت منه». وجاء في رواية: أن له ستمائة جناح، قد سد الأفق. قال: «فرجعت، فقلت: زملوني، زملوني، فدثروا». فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾. الرجز: معنى الشرك. قال أبو سلمة: وهي الأوثان. أي: الرجز، وهي الأوثان التي كان أهل الجاهلية يعبدون. قال: ثم تتابع الوحي. وكما ذكرنا قبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم نبي بـ «اقرأ»، وأرسل بـ «المدثر»، كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه: نبي بـ «اقرأ»، أي: جاءت النبوة بقول الملك: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، وجاءت الرسالة بقوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾. وهذا الحديث فيه مسائل عدة، لكن حسبنا ما ذكرناه من تعليق على هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.